إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 7 مارس 2024

بذل الإحسان في تخريج حديث نهي الصوم إذا انتصف شعبان

 

بذل الإحسان في تخريج حديث نهي الصوم إذا انتصف شعبان.


      الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
  فإن حديث النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان من الأحاديث التي يَحدث بسببها خلاف موسمي، فينقسم الناس بسببه إلى فريقين، فريق يذهب إلى صحته وأن الصيام مكروه أو محرم إذ انتصف شعبان إلا صيام العادة.
وفريق يذهب إلى ضعفه ونكارته وأنه لا يترتب عليه حكم، وكل فريق يذكر أدلته على الصحة أو الضعف.
   غير أنه يقع بسبب مثل هذا الحديث وما يشبهه من الأحاديث التي تنازع العلماء في صحتها، كثيرًا من الخصومة والخلاف بين غير المؤهلين لفهم خبايا وأسرار علم الحديث؛ فينتج عن ذلك تطاول من غير قصد على أئمة الصنعة؛ بسبب رد أحكامهم بكلام نظري أو قواعد أصولية -كما سيأتي- .
أو يصبح قبولهم للحديث والعمل به أو رده، مبناه على شهرة المحقق أو كثرة الموافقين له.
فأحببتُ أن أجعل من هذا الحديث نموذجًا يَفهم من خلاله محبي هذا العلم بعض أسراره، وكيف يُتصور هذا العلم؟، وكيف يَرتقي من يقع في حيرة بسبب اختلاف كلمة العلماء من التقليد إلى الاتباع؟.

فليس همي في هذا البحث تحقيق صحة الحديث أو ضعفه، بقدر إظهاري لسبب خلاف العلماء وتَبيّن قرائن الترجيح بينهم، ليستفيد القارئ من خطوات التحقيق في فهم غيره من الأحاديث المُشكلة، والله هو الموفق والمستعان.
وسأحاول وضع البحث في نقاط تساعد على تصور مسائله.
أولًا: تخريخ الحديث:
1 ـ سند الحديث ومتنه:
   روى عبد الرزاق في مسنده، عن ابن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إذا كان النصف من شعبان، فأفطروا».
والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده أبو داود والنسائي في سننهما، وغيرهم.
  قلت: والعلماء تقدم سند عبد الرزاق هنا لأنه أقوى طريق للحديث.
 ويقدمون ابن حبان في التخريج لأنه اشترط الصحة، فهو أولى من غيره ممن لم يشترطها.
هذا؛ وقد اختلفت بعض ألفاظ المتن بعض الشيء.  
 ففي بعض طرقه كما عند أبي عوانة في مستخرجه:
«إذا انتصف شعبان فلا صوم حتى يأتي رمضان».
وهذه الرواية من طريق أبي عُميسٍ المسعودي "عتبة بن عبد الله الهذلي"، وهو ثقة.
  ومن طريقه عند أحمد، قال:
«إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان».
 وفي روايته عند النسائي قال:
«إذا انتصف شعبان فكفوا عن الصوم».

  وأخرجه ابن حبان من طريق روح بن القاسم التميمي (ثقه)، بلفظ: « إذا كان النصف من شعبان ، فأفطروا حتى يجيء رمضان».
  وجاء المتن بألفاظ أخرى وزيادات، غير أن هذا كله لا يَضر الحديث، فهو داخل في رواية الحديث بالمعنى، وهذا معتبر عند بعض العلماء إن لم يغير المعنى.[1]
  فإن جاء المتن بزيادة أو حرف جديد، وكان راويه ضعيفًا، فهذا لا يُقبل منه ويُرد، كما في رواية الدارقطني:
«لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان, ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه».
فزيادة :
«ومن كان عليه صوم من رمضان ... »، هي من رواية: "عبد الرحمن بن إبراهيم القاص"، وهو ضعيف.
  2 ـ الكشف عن المدار:

   فإن العلماء عندما تَتعدد طرق الحديث، ويَحدث اختلاف في ألفاظه يبحثون عن المدار، ليَنظُروا هل الخلاف من الراوي الذي عليه مدار الحديث أم ممن روىَ عنه؟
ومخرج حديثنا ومداره على: "العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني".
رواه عنه جماعة منهم:
ـ سفيان بن عيينة.
ـ أبو عميس عتبة بن عبد الله المسعودي.
ـ
عبد العزيز بن محمد الدراوردي.
ـ
روح بن القاسم التميمي.
ـ مسلم بن خالد الزنجي.
ـ زهير بن محمد التميمي الحرقي.
ـ محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي القاضي.
ـ زهير بن معاوية الجعفي.
ـ عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، وغيرهم.
قلت: والأصل في مثل هذا الحديث بدء النظر في حال الراوي الذي عليه مدار الحديث، وعدم الاشتغال بحال من روى عنه، لأن فيهم أكثر من ثقة، والطريق إليهم صحيحة، وإليه أيضًا.

  3 ـ ترجمة العلاء بن عبد الرحمن.
قال محمد بن سعد في طبقاته: "
العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة من جهينة، وكانت له سن، وبقي إلى أول خلافة أبي جعفر.

  قال مالك بن أنس: "كانت عند العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب صحيفة يحدث بما فيها، فكان إذا أتاه الرجل يَكتب بعضًا ويَدع بعضًا، قال العلاء: إما أن تأخذوها جميعًا وإما أن تدعوها جميعًا".

   وقال محمد بن عمر: "وصحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة كثير الحديث ثبتًا، وتوفي في أول خلافة أبي جعفر".[2]
   وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "روى عنه مالك بن أنس، وابن جريج، وشعبة، ومحمد بن عجلان، والحسن بن الحر، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الانصاري، والوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق، وإسماعيل بن جعفر".

  قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: "العلاء بن عبد الرحمن ثقة، لم نسمع أحدًا ذكر العلاء بسوء".
  وعن يحيى بن معين أنه قال: "العلاء بن عبد الرحمن ليس حديثه بحجة".

  وقال عبد الرحمن، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إلي، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "العلاء بن عبد الرحمن ليس بذاك، لم يزل الناس يَتَقون حديثه".
  وقال عبد الرحمن: سألت أبى عن العلاء بن عبد الرحمن؟ فقال :صالح، قلت فهو أوثق أو العلاء بن المسيب؟ فقال العلاء بن عبد الرحمن عندي اشبه.

  وقال: "سُئل أبو زرعة عن العلاء بن عبد الرحمن، فقال: ليس هو بأقوى ما يكون".
  وقال: قيل لأبي: ما قولك في العلاء بن عبد الرحمن؟ قال: روى عنه الثقات، وأنا أنكر من حديثه أشياء.[3]

  وقال الإمام العجلي في ثقاته: "
العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، مدني تابعي ثقة".[4]
   وزاد
الإمام أبو الحجاج المزي في ترجمته:
 "قال النسائي: "ليس به بأس".
    وقال أبو أحمد بن عدي: "وللعلاء نسخ عن أبيه عن أبي هريرة يرويها عنه الثقات وما أرى به بأسًا".
   وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال محمد بن سعد :قال محمد بن عمر: "وصحيفة العلاء بالمدينة مشهورة، وكان ثقة كثير الحديث ثبتًا، وتوفي في أول خلافة أبي جعفر".[5]

  وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد: "العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة: مديني مُختلف فيه؛ لأنه يَتفرد بأحاديث لا يُتابع عليها، كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان»؛ وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه, دون هذا, والشواذ".[6]
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: "العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، قال أحمد: لم يُسمع أحدًا ذكره بسوء، وقال يحيى: ليس حديثه بحجة مضطرب الحديث، لم يزل الناس يَتَقون حديثه، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا".[7]
  وذكره الذهبي في المغني في الضعفاء، فقال: " العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، صدوق مشهور، قال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسًا، وقال أبو حاتم: صالح الحديث أُنكر من حديثه أشياء".[8]
وقال في ترجمته في سير أعلام النبلاء: "لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لكن يُتجنب ما أنكر عليه... ومن أغرب ما أتى به عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا...» الحديث.

توفي العلاء: سنة ثمان وثلاثين ومائة".[9]
قلت: واتفقت كلمة البدر العيني وابن حجر العسقلاني على أنه: "صدوق ربما وهم".[10]

4 ـ خلاصة الترجمة.
فترجمة العلاء -رحمه الله- عند تأمل كلام العلماء نجدهم اتفقوا فيها على أشياء، منها:
  1- أنه كان يُحدث من صحيفة، كان أهل الحديث يَنتقون منها، فلم يكونوا يكتبون حديثه على الوجه، ولهذا كان يَنكر عليهم كما قال الإمام مالك، فكان يقول: "إما أن تأخذوها جميعًا، وإما أن تدعوها جميعًا".
  2- أنه مأمون الحديث، لم يُذكر بسوء كما قال الإمام أحمد، ولهذا حدث عنه الثقات الكبار مثل: الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وغيرهم.
  3- إلا أن نقاد الحديث كانوا يَتقون بعض حديثه كما أخبر يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.
  4- ولهذا اختلفت كلمة العلماء فيه كما قال الخليلي في الإرشاد، مع اتفاقهم على أنه لا بأس بحديثه ما لم يُغرب.

  والإغراب عند العلماء يدخل فيه التفرد، كما يدخل فيه مخالفة من هو أوثق منه، وربما عبروا عنه بالنكارة أو الشذوذ وهما من علل الحديث التي تكون سببًا في رده.
  5 - مَثَل الخليلي والذهبي لغريب حديث العلاء، بحديث : «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا».
  6- ونبه الإمام الخليلي أن الإمام مسلم مع أنه خرج أحاديث في صحيحه من صحيفة العلاء، غير أنه تجنب منها الشواذ كحديث انتصاف شعبان.
  7- وقد أحسن الحافظ ابن حجر والبدر العيني في تلخيص ترجمة العلاء في كلمة مختصره، وهي : "صدوق ربما وهم".
8 ـ فحديث العلاء لا يَنزل عن رتبة الحسن كما قال الذهبي -عليه الرحمة-  ، وهي رتبة الراوي الصدوق.
 ولأنه يَهم.. كان أصحاب الحديث يَتقون بعض حديثه، ولهذا ذهب نقاد الحديث إلى طرح غريب حديثه.
فيكون حديثه مقبولًا صالحًا، إلا ما أُنكر منه.
  9ـ وفي ضوء هذا يُفهم معنى كلمة أبي زرعة فيه: "ليس هو بأقوى ما يكون"، وقول ابن معين: "ليس بالقوي".
فإن هذا الحرف يُعبر به العلماء عن حال الراوي الذي بحديثه شيء من الغلط والنكارة، فيقولون عنه: تَعرف وتُنكر.
   يعني يروي أحاديث معروفة محفوظة، كما يروي أيضًا أحاديث غرائب منكرة.
ويقولون عنه أيضًا: "ليس بالقوي"، يعني ليس هو بقوة الحفاظ الأثبات، فهو ليس بذاك القوي.

  وهذا الحرف يختلف عن قولهم: "ليس بقوي" فهذه تضعيف مطلق، إذ أنه نفي عن قوة الراوي بالكلية، بخلاف الكلمة الأولى، فانتبه!.

خامسا: حكم العلماء على الحديث:
1 ـ قول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- :
  ـ قال أبو أحمد بن عدي: "سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل -رحمة الله عليه-، -يعني: وهو حاضر- حديث أبي هريرة «إذا كان النصف من شعبان فلا يصوم أحد حتى يصوم رمضان»، قال: ذاك أي ضعيف؛ ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس، عن العلاء؛ وابن مهدي كان يرويه ثم تركه، قيل عمن كان يرويه قال عن زهير، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان.".[11]
  ـ وقال ابن أبي يعلى-رحمه الله-: قال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال:"هذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا»، ليس هو محفوظ. والمحفوظ الذي يروى عن أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « كان يصوم شعبان ورمضان ».[12]
  ـ وقال الإمام أبو داود: سمعت أحمد، ذكر حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل النصف من شعبان أمسك عن الصوم» , فقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لم يحدثنا به، لأن عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، يعني: حديث عائشة، وأم سلمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان» .

  قال أحمد: هذا حديث منكر، يعني: حديث العلاء هذا". [13]

  وقال الزيلعي -رحمه الله-: "وروي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: هذا الحديث ليس بمحفوظ، قال: وسألت عنه ابن مهدي فلم يصححه: ولم يحدثني به، وكان يتوقاه، قال أحمد: والعلاء ثقة، لا يُنكر من حديثه إلا هذا".[14]

2 ـ قول أبي زرعة الرازي-رحمه الله-:

قال البرذعي -رحمه الله-: "وشهدت أبا زرعة يُنكر حديث العلاء بن عبد الرحمن «إذا انتصف
شعبان»، وزعم أنه منكر".[15]
3 ـ قول يحيى بن معين-رحمه الله-:
  قال ابن حجر-رحمه الله-: "وقال جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد فيه؛ وقال أحمد وبن معين: إنه منكر".[16]
4 ـ قول أبي داود -رحمه الله-:
  قال في سننه عقب الحديث: " وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم قال؟ لأنه كان عنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه"، قال أبو داود: "وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء، عن أبيه". اهـ
  قلت: وعبد الرحمن هو ابن مهدي، إمام الصنعة، قال علي بن المديني : كان يحيى بن سعيد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت علم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسحر.
  وقال أيضًا: والله لو أُخذت فحُلِّفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي.

ـ وقال أبو داود: "سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان"؟
قال ابن حجر: "يعني حديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا".[17]
5- قول الترمذي -رحمه الله- :
 قال في جامعه عقب الحديث: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ". اهـ
6- قول النسائي -رحمه الله-:

  قال في سننه الكبرى عقب الحديث: " لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن". اهـ
7ـ قول أبي عوانة -رحمه الله-:
  بوب له في مستخرجه: "باب بيان النهي عن صوم آخر النصف من شعبان، وبيان الخبر المعارض له المبيح صومه، والخبر المبين فضيلة صومه على صوم سائر الشهور، والدال على توهين الخبر الناهي عن صيامه".
ثم أورد رحمه الله طرق حديث العلاء، والأحاديث الأخرى التي تخالفه.
8 ـ قول الحاكم النيسابوري -رحمه الله- :
  ـ قال في معرفة علوم الحديث : "ذكر النوع الثالث والعشرين من علم الحديث: هذا النوع من هذا العلم معرفة المشهور من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور من الحديث غير الصحيح، فرب حديث مشهور لم يُخرجّ في الصحيح، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ..." , ومنه " إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يجيء رمضان "...، فكل هذه الأحاديث مشهورة بأسانيدها، وطرقها، وأبواب يجمعها أصحاب الحديث، وكل حديث منها تجمع طرقه في جزء أو جزئين، ولم يُخرج في الصحيح منها حرف".[18]
 
  ـ وقال في المدخل: "القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول، [أو] تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة فى الكتب، مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجىء رمضان»، وقد خرج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في الصحيح، وترك هذا وأشباهه مما تفرد به العلاء عن أبيه عن أبى هريرة".[19]
9 ـ قول البيهقي -رحمه الله-:  
  بوب في سننه الكبرى: " باب الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، قد مضى حديث أبي سلمة عن أبي هريرة في النهي عن التقدم إلا أن يكون صومًا  كان يصومه". اهـ
ثم أورد عدة أحاديث أغلبها في الصحيحين، وستأتي قريبًا -إن شاء الله-.

   قلت: هذه هي أغلب أقول الأئمة حول هذا الحديث -وسيأتي غيرها- ، وقد لخصها الحافظ ابن رجب -رحمه الله- ، فقال: "واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم: الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم: الرحمن بن المهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم، وقال الإمام أحمد: "لم يرو العلاء حديثًا أنكر منه"، ورده بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين»؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين، وقال الأثرم: "الأحاديث كلها تخالفه" يشير كلها تخالفه إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين؛ فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وقال الطحاوي: هو منسوخ، وحكى الإجماع على ترك العمل به".[20]


خلاصة كلام العلماء:
  فالحديث اختلفوا عليه، فاشتهر القول عن الإمام أحمد أنه حديث منكر غير محفوظ، وكذا حكم عليه بالنكارة الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زرعة الرازي، وحكم عليه بالتفرد النسائي، وكذا أبو داود، ونُقل عنه أنه انكره، ووهاه أبو عوانة، وترجم له ابن خزيمة ولم يسنده، وأعله الأثرم بالمخالفة، وحكم عليه الطحاوي بالنسخ!، وبَين ابن رجب أن مخالفته للأحاديث الصحيحة جعلته شاذًا، وأنكره الذهبي؛ وضعفه غيرهم كما سيأتي.

   وقد صححه الترمذي وابن حبان، وأما الحاكم عليه الرحمة فصححه في علوم الحديث، وجعله مثالًا لغرائب الثقات في المدخل، ولم يستدركه على الشيخين في كتابه.
كما ذهب إلى تصحيحه بعض الفقهاء، ومن المعاصرين الشيخ أحمد شاكر والشيخ الألباني وغيرهما، وقال بعض من صححه: أنه صحيح على شرط مسلم.

  وعليه: ينبغي على طالب الحديث أن ينظر في قرائن الترجيح حتى يقف على حكم يطمئن إليه القلب، ويتدين به.
وهذا ما نحاول توضيحه الآن..
سادسًا: قرائن الترجيح:

  معلوم أن الحق واحد لا يتعدد، فهذا الحديث إما أن يكون قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون خطأ لا يَصح نسبته إليه.
  ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يَبذل قصارى جهده ليتحقق من الصواب، ولا يكتفي بقول: أن هذه مسألة خلافية، أو أن هذا الحديث اختلفوا عليه، ولكن لابد أن يجتهد في فهم حقيقة الخلاف، حتى يكون على بصيرة من دينه، والله المستعان.
   هذا؛ ولو حاولنا النظر في أدلة الفريقين حتى نحاول الترجيح بينهما، سنجد أن من ضعف الحديث، أعله بالتفرد والمخالفة، والتي يُعبرون عنها بالنكارة أو الشذوذ.
    فالإمام عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- كان يرويه ثم تركه، فمخالفته لحديث : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان».
 وأن هذا الحديث رواته أعلى رتبة ومنزلة من العلاء بن عبد الرحمن، وهو مخرج في الصحيحين 
-كما سيأتي- .

    ـ كما أن علماء الحديث والعلل مذهبهم باختصار: "التشدد في أحاديث الأحكام، والتساهل في أحاديث الترغيب والترهيب والتاريخ".
  فلا يقبلون أحاديث الأحكام والحلال والحرام إلا من الحفاظ الأثبات، أما بعيدًا عن أحاديث الأحكام فيقبلون رواية الصدوق وخفيف الضبط ما لم يُغرب أو يأتي بمنكر.

  ـ وانكار الإمام أحمد للحديث، وقوله: أنه ليس محفوظ؛ لأن المحفوظ عنده هو الذي يروى عن أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « كان يصوم شعبان ورمضان».

  ـ أما أبو داود فلم يوافق عبد الرحمن بن مهدي من أنه يخالف حديث وصل صيام شعبان برمضان، فقال: "وليس هذا عندي خلافه "، كأنه قال أنه من الممكن الجمع بينهما، والله أعلم.
   ثم قال: "ولم يجئ به غير العلاء، عن أبيه" اهـ، فذكر التفرد هنا، والتفرد من أسباب العلة، لأنه لا يُقبل من أي أحد.
   فيقال مثلًا: أين باقي أصحاب أبي هريرة-رضي الله عنه- من هذا الحديث؟ وهو حديث يترتب عليه حكم في الشريعة يحتاج الناس إليه.
كما نقل أبو داود إنكار العلماء لحديث العلاء.

  ـ وكذا قال النسائي -رحمه الله- : " لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن".
فذكر التفرد أيضًا.
  ـ وقال الأثرم -رحمه الله- :"الأحاديث كلها تخالفه".
قال ابن رجب -رحمه الله- معقبًا على كلمته هذه: " كلها تخالفه، يشير إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة ".[21]
قلت: وقد مر حكم أبو زرعة على الحديث بالنكارة، ووافقهم ابن طاهر المقدسي في ذخيرة الحفاظ بعد أن ساق طرق حديث العلاء وحكم على بعض رجالها، ثم قال: "وهذا منكر".[22]

وكما مر حكم عليه بالنكارة أيضا "عفان بن مسلم" كما نقله عنه أبو عوانة في مستخرجه، وجعل أبو عوانة الأحاديث الصحيحة سببًا في توهين خبر العلاء.
وقال الحوت البروتي -رحمه الله-: "رواه الأربعة وغيرهم بألفاظ مختلفة، وفيه مقال".[23]


   هذا؛ وحتى تُفهم المسألة بفهم هؤلاء العلماء نسوق الأحاديث الصحيحة في الباب، فالأمر كما قال إمام علل الحديث "علي بن المديني" -رحمه الله- : "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
وقال ابن المبارك -رحمه الله-: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض".
وقال الخطيب البغدادي: "والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم من الإتقان والضبط".

  ـ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم ».
   ـ وروى البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله».
   ـ وعند مسلم في صحيحه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة رضي الله عنها، عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «كان يصوم حتى نقول: قد صام ويفطر حتى نقول: قد أفطر، ولم أره صائمًا من شهر قط، أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا».
   ـ وروى ابن خزيمة في صحيحه، أن عائشة قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان, ثم يصله برمضان» .
  ـ وعند أحمد في مسنده بسند صحيح عن أم سلمة، قالت : «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان"».
ـ وروى البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له - أو لآخر - : «أصمت من سَرَرِ شعبان؟ » قال : لا، قال : «فإذا أفطرت، فصم يومين».
   قلت: اختلفوا في معنى سرر الشهر، فقالوا أوسطه، وقالوا أخره.
ولعل أخر الشهر أقرب وأصح، لأنه أمره أن يصوم بدلًا عنهما يومين من شوال، وهذا معناه أنه دخل عليه صيام رمضان.
   قال ابن حبان في صحيحه عقب الحديث: "قوله صلى الله عليه وسلم: «أصمت من سرر هذا الشهر»، لفظة استخبار عن فعل مرادها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل المستخبر عنه كالمنكر عليه لو فعله، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة : «أتسترين الجدار؟»، أراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار، وأمره صلى الله عليه وسلم بصوم يومين من شوال، أراد به أنها السرار، وذلك أن الشهر إذا كان تسعًا وعشرين يستتر القمر يومًا واحدًا ، وإذا كان الشهر ثلاثين يستتر القمر يومين، والوقت الذي خاطب صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين من أجله أمر بصوم يومين من شوال". اهـ
   وقال الطحاوي عقب الحديث في معاني الآثار: "وهذا في آخر شعبان، ففي هذه الآثار من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ما قد وافق فعله".
   وقال البيهقي في معرفة السنن: «صوموا الشهر وسرره»، وإنما أراد بالشهر الهلال، وأراد بالسرر آخر الشهر، فكأنه استحب صوم أول الشهر وآخره، فمن كره صوم يوم الشك حمل ذلك على أنه علم ذلك من عاداته، أو أراد اليوم الذي يستسر فيه القمر قبل يوم الشك. وقد قيل:
 أراد بالسرر: وسط الشهر، وسَرَر كل شيء جوفه، فكأنه أراد أيام البيض، والله أعلم . اهـ
   ـ وعند البخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:

«صم من الشهر ثلاثة أيام»، قال: أطيق أكثر من ذلك، ... فقال : «فصم صوم داود عليه السلام، صم يومًا وأفطر يومًا».

  ـ وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، قالت: « كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»، قال يحيى بن سعيد القطان: "الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم".

  ـ وعند ابن أبي شيبة في مصنفه موقوفًا على ‏أبي هريرة، قال: «نهى أن يتعجل قبل رمضان بيوم ، أو يومين». وإسناده صحيح.

  ـ وعند البخاري موقوفًا على عمار بن ياسر -رضي الله عنه-، قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم».

  قلت: والأحاديث كثيرة في هذا الباب، وما ذكر فيه كفاية لتصور المسألة، وفهم كيف أن حديث نهي الصيام بعد نصف شعبان يخالف هذه الأحاديث، والتي غالبها مخرجة في الصحيحين.
    هذا؛ وحتى أن شذوذ ونكارة حديث العلاء مشهور جدًا عند العلماء لدرجة أنهم يمثلون به في كتب المصطلح للحديث الشاذ.
قال العلامة محمد صالح العثيمين -رحمه الله-:
   "الحديث الشاذ هو: الذي يرويه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه، إما في العدد، أو في الصدق، أو في العدالة. فإذا جاء الحديث بسند متصل لكنه شاذ، بحيث يكون مخالفًا لرواية أخرى، هي أرجح منه، إما في العدد، وإما في الصدق، وإما في العدالة؛ فإنه لا يُقبل ولو كان الذي رواه عدلًا، ولو كان السند متصلًا، وذلك من أجل شذوذه.
   مثاله: ما ورد في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصيام إذا انتصف شعبان، والحديث لا بأس به من حيث السند، لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه» فإذا أخذنا بالحديث الثاني الوارد في الصحيحين قلنا إن فيه دلالة على أن الصيام بعد منتصف شعبان جائز، وليس فيه شيء، لأن النهي حدد بما قبل رمضان بيوم أو يومين، وإذا أخذنا بالأول فنقول إن النهي يبدأ من منتصف شعبان، فأخذ الإمام أحمد بالحديث الوارد في الصحيحين وهو النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقال إن هذا شاذ، يعني به حديث السنن، لأنه مخالف لمن هو أرجح منه إذ أن هذا في الصحيحين وذاك في السنن".[24]
 
  قلت: فهذه الذي مر ذكره هو في المجمل أدلة من ضعف الحديث.
  ـ أما من قال بصحته كالإمام الترمذي وابن حبان، فلما يذكرا أدلة التصحيح، غير أنه يفهم أنهما صححاه لسلامة سنده من الضعفاء وأنه ليس فيه انقطاع أو علة إسنادية.
  وهذا حق لا مرية فيه، فالحديث من جهة السند لا بأس به كما قال العلامة العثيمين؛ بيد أن العلماء يذكرون أن من شروط الحديث الصحيح أيضًا عدم الشذوذ والعلة، وهذا الحديث قد أعل بالشذوذ والنكارة.
  ـ وهناك من دفع علة التفرد ممن صححوا الحديث بحجة أن التفرد ليس علة قادحة في هذا الحديث؛ إذ أن العلماء قبلوا رواية العلاء بن عبد الرحمن، وأنه إن كانت زيادة الثقة مقبولة عند العلماء، فتفرد الثقة أيضًا مقبول.
   قلت: الاستدلال بالقواعد الأصولية في تحقيق الأحاديث من الخلل المنهجي الذي يحدث بسببه فجوة بين التطبيق والتنظير، كما أنه من أسباب الخلاف بين منهج الفقهاء ومنهج المحدثين.
فنجد بعض الفقهاء في كتبهم يصححون أحاديثًا ويرتبون عليها أحكامًا، وهي عند المحدثين بواطيل وأوهام.
ثم ينشأ بينهم ما يعرف بالجمع بين الأدلة، وأن الإعمال أولى من الإهمال.

  أو يأتي الواحد منهم بحكم ينفرد به، كما مر كلام الطحاوي الإمام أن الحديث منسوخ، وذلك لأنه أراد رد هذا الحديث المُشكل المخالف للأحاديث الأخرى الصحاح.
  ومن نظر في كتب ابن حزم -رحمه الله- يجد أن سبب كثير من المسائل التي يُغرب فيها، تصحيحه للأحاديث بالقواعد الأصولية كقبول زيادة الثقة، ووصل ما حقه الوقف، وهكذا..    
   والأمر عند علماء الحديث ليس بهذه الصورة، فليست زيادة الثقة عندهم مقبولة بإطلاق، ولا تفرد الثقة يُقبل من أي أحد.
    كما أن لهم ذوق خاص في الأحاديث من كثرة الممارسة، وهو ما يُعرف بالمَلكة، والمَلكة بعضها من العلم المكتسب من كثرة المزاولة كما عرفها ابن خلدون.
   فإن نصوا على علة حديث فيسلم لهم، ولا يشغب عليهم بقواعد أصولية هم أعلم بها من غيرهم.

  كما أنه من الممكن أن يُقال في هذا المقام: إن هذا السند الذي ظاهره الصحة، واستدل به من استدل على صحة الحديث، هو بعينة لا يُقبل به أحاديث أخرى.
   فهذا الحاكم -رحمه الله- صحح حديث العلاء خارج المستدرك، وصحح للعلاء في مستدركه بنفس سلسلة الرجال عن مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " إني أريت في منامي كأن بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة " قال : فما رئي النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى توفي ". الحديث.
   قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
  قلت: فهل يَشفع لنكارة متن هذا الحديث حسن سنده وتصحيح الحاكم له؟
  فهذا من هذا، فنكارة المتن معتبرة عند العلماء يُعلّون بها الأحاديث وإن كان ظاهر سندها الصحة أو الحسن.

  ـ كما أن بعض من صححه الحديث قال أنه على شرط مسلم؛ إذ أخرج أحاديث كثيرة بهذا السند في صحيحه.

    قلت: وهذا أيضًا مما يحتاج إلى بيان وتوضيح، فالقول أن البخاري أو مسلمًا إن أخرجا أحاديث راوي بعينه، أو مجموعة من الرواة، فإن اتفقوا في حديث خارج الصحيحين، فهل يقال ساعتئذ أن هذا الحديث على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، أو على شرطهما؟.
  وجواب ذلك مختصرًا: إن إخراج الحديث عندهما له أصول التزما بها، فربما يخرجان للراوي عن شيخ دون شيخ، أو يخرجان له أحاديث أهل بلده فقط، لأنه في غيرهم ضعيف، أو يخرجان له في الشواهد والمتابعات، أو كما يفعل الإمام مسلم بإخراج أحاديث لرواة فيهم بعض الكلام طلبًا للعلو، وذلك لأن الحديث محفوظ مشهور من غير طريقهم، فيَترك حديث الثقة الثبت ويخرج رواية الصدوق الذي يَهم لأن سنده أعلى، وهكذا...
   هذا؛ وقد نبه العلماء على أنه لا يُنسب شرط البخاري أو مسلم لما خارج الصحيحين لأنهما كانا ينتقيان الأحاديث.
  قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما شرط البخاري ومسلم, فلهذا رجال يروي عنهم يختص بهم, ولهذا رجال يروي عنهم يختص بهم, وهما مشتركان في رجال آخرين, وهؤلاء الذين اتفقا عليهم مدار الحديث المتفق عليه. وقد يروي أحدهم عن رجل في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عُرف من طريق غيره ولا يَروي ما انفرد به, وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك، فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن، كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب الصحيح، والدارقطني وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها. والله أعلم".[25]

وقال ابن عبد الهادي -رحمه الله- كلامًا نفيس جدًا في هذا الباب، قال: " فقد تبين أن هذا الحديث الذي تفرد به أبو صخر عن ابن قسيط عن أبي هريرة لا يخلوا من مقال في إسناده، وإنه لا ينتهي به إلى درجة الصحيح .

  وقد ذكر بعض الأئمة أنه على شرط مسلم، وفي ذلك نظر، فإن ابن قسيط، وإن كان مسلم قد روى في صحيحه من رواية أبي صخر عنه، لكنه لم يخرج من روايته عن أبي هريرة شيئًا، فلو كان قد أخرج في الأصول حديثًا من رواية أبي صخر، عن ابن قسيط عن أبي هريرة أمكن أن يُقال في هذا الحديث : أنه على شرطه .  
   واعلم أن كثيرًا ما يروي أصحاب الصحيح حديث الرجل عن شيخ معين
لخصوصيته به ومعرفته بحديثه وضبطه له، ولا يخرجون من حديثه عن غيره لكونه غير مشهور بالرواية عنه، ولا معروف بضبط حديثه، أو لغير ذلك، فيجيء من لا تحقيق عنده، فيرى ذلك الرجل المخرج له في الصحيح
   قد روى حديثًا عمن خرّج له في الصحيح من غير طريق ذلك الرجل، فيقول : هذا على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، لأنهما احتجا بذلك الرجل في الجملة.

وهذا فيه نوع تساهل، فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما، وهذا كما يخرّج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال، وعلي بن مسهر وغيرهما، ولا يخرجان حديثه عن عبد الله بن المثنى؛ وإن كان البخاري قد روى لعبد الله بن المثنى من غير رواية خالد عنه .
  فإذا قال قائل في حديثه عن عبد الله بن المثنى: هذا على شرط البخاري كما قاله بعضهم في حديثه عنه عن ثابت البنائي عن أنس بن مالك قال: «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذا»، ثم رخص النبي بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم، كان في كلامه نوع مساهلة ، فإن خالدًا غير مشهور بالرواية عن عبد الله بن المثنى .

  والحديث فيه شذوذ وكلام مذكور في غير هذا الموضع، وكما يخرج مسلم حديث حماد بن سلمة عن ثابت في الأصول دون الشواهد، ويخرج حديثه عن غيره في الشواهد، ولا يخرج حديثه عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك وعامر الأحوال وهشام بن حسان وهشام بن زيد بن أنس بن مالك وغيرهم؛ وذلك لأن حماد بن سلمة من أثبت من روى عن ثابت، أو أثبتهم، قال يحيى بن معين: "أثبت الناس في ثابت البنائي حماد بن سلمة" .

  وكما يخرج مسلم أيضًا حديث سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة الصنعاني، مع أن سويدًا ممن كثر الكلام فيه واشتهر، لأن نسخة حفص ثابتة عن مسلم من طريق غير سويد لكن بنزول، وهي عنده من رواية سويد بعلو؛ فلذلك رواها عنه، قال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم: كيف استخرجت الرواية عن سويد في الصحيح؟ فقال : ومن أين كنت أتى بنسخه حفص بن ميسرة؟ فليس لقائل أن يقول في كل حديث، رواه سويد بن سعيد عن رجل روى له مسلم من غير طريق سويد عنه، هذا على شرط مسلم فاعلم ذلك ...
  وهكذا عادة مسلم غالبًا إذا روى لرجل قد تكلم فيه ونسب إلى ضعف وسوء حفظه وقلة ضبطه، إنما يروي له في الشواهد والمتابعات، ولا يخرج له شيئًا انفرد به ولم يتابع عليه.

فعُلم أن هذا الحديث الذي تفرد به أبو صخر، عن ابن قسيط عن أبي هريرة لا ينبغي أن يقال هو على شرط مسلم ...، والله أعلم".[26]

   وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في النكت وهو يتكلم عن مستدرك الحاكم: "
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره. ويلحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه. كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- ما لم يتفرد به.

  فلا يَحسن أن يقال إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأن ما خرج بعضها إلا بعدما تَبين له أن ذلك مما لم ينفرد به. فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما".[27]

  قلت: وقد مر بنا في ثنايا البحث قول أبي عبد الله الحاكم: "القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول، [أو] تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة فى الكتب، مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجىء رمضان»، وقد خرج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في الصحيح، وترك هذا وأشباهه مما تفرد به العلاء عن أبيه عن أبى هريرة".[28]
  وتابعه عليه تلميذه أبو يعلى الخليلي، فقال: " العلاء بن عبد الرحمن ... مختلف فيه؛ لأنه يَتفرد بأحاديث لا يُتابع عليها، كحديثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان»؛ وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه
دون هذا، والشواذ".[29]
    كما تبعهما عليه السيوطي -رحمه الله- في البحر، فقال: " الأحاديث الأفراد الغرائب التي يتفرد بها ثقة من الثقات، كحديث: العلاء عن أبيه عن أبي هريرة في "النهي عن الصوم إذا انتصف شعبان"، تركه مسلم لتفرد العلاء به، وقد أخرج بهذه النسخة أحاديث كثيرة".[30]

قلت:
  فلعله ظهر بعد هذا الاسترسال حقيقة الخلاف ومواطن النزاع، ومسالك العلماء، وأن لهذا العلم أصولًا من تعلمها وتمسك بها وأخلص لله، أخرجه الله من الحيرة والشتات، ووفق لفهم ما أصاب فيه العلماء، واعتذر لمن جانبه الصواب منهم، وتأول له، فأهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق.
   هذا؛ وأختم بكلمة جامعة لشيخ الإسلام ابن تيمية تظهر موطن النزاع في الأحاديث المختلف في صحتها، وإن كان كلامه حول أحاديث الأحاد، قال -رحمه الله- :
   "والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم به.
   وطرف ممن يَدعي اتباع الحديث والعمل به، كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف، أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلًا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط".[31]


هذا؛ والله أسأل أن يكون هذا العمل خالصًا صوابًا، وأن ينفع به.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتب.
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 25 / شعبان / 1445
6 / 3 / 2024


[1] : ذهب ابن القطان الفاسي في كتابه بيان الوهم والإيهام ( 2 / 187 ) إلى أن هذا الاختلاف غيّر المعنى، وصحح رواية النسائي.

[2] : طبقات ابن سعد، ترجمة: 235 بتصرف يسير

[3]: الجرح والتعديل (1974) بتصرف يسير.

[4] : معرفة الثقات (1282).

5: تهذيب الكمال ( 4577) بتصرف؛ وقد وهم المزي -رحمه الله- فأدخل في اخر ترجمة العلاء بعد وفاته، ترجمة أبيه رحمهما الله.

[6]: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ( 1 / 218 : 219).

[7] : الضعفاء والمتروكين، رقم : (2344).

[8] : المغني في الضعفاء (4184).

[9] : السير ( 6 / 186) ط / الرسالة.

[10] : انظر مغاني الأخيار للعيني (362)، وتقريب التهذيب لابن حجر (5247).

[11] - الكامل في الضعفاء لابن عدي ( 4 / 178 )، تاريخ دمشق لابن عساكر ( 19 / 123 ).

[12] طبقات الحنابلة ( 1 / 328 ).

[13] : مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ( 2002 ).

[14] : نصب الراية (2 / 441 ).

[15] : أجوبة أبي زرعة على سؤالات البرذعي ( 2 / 388 ).

:[16] فتح الباري ( 4 / 129 ). وفي النفس من نقل حكم ابن معين على هذا الحديث شيء، إذ لم أقف عليه في كتب المتقدمين، فلعله وهم دخل على الحافظ رحمه الله.

 والصحيح أن أبا عوانة ذكر ابن معين نقل عن عفان بن مسلم الصفار انكاره للحديث بلفظ: " إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا، ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرد الصوم فلا يقطع"، وهذا الزيادة التي فيها سرد الصيام تفرد بها " عبد الرحمن بن إبراهيم "، وهو ضعيف. والله أعلم.

[17]: تهذيب التهذيب ( 8/ 187).

[18] : معرفة علوم الحديث ص / 92.

[19]: المدخل إلى الإكليل ص / 39

:[20] لطائف المعارف ( ص 135 : 136 ) ط / ابن حزم.

[21] : لطائف المعارف ص / 136.

[22] : ذخيرة الحفاظ، رقم: 227 .

[23] : أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب ص / 39.

[24]: شرح البيقونية (ص 28 : 29 )، ينظر أيضًا كلام الشيخ بعد هذا النقل، فإنه مهم، وقد ضرب مثالا أخر بحديث صيام يوم السبت.

[25]: مجموع الفتاوى ( 18 / 42 ) ط. دار الوفاء. الثالثة.

[26] : الصارم المنكي في الرد على السبكي ص ( 194 : 197)، وله كلامًا قريبًا من هذا في تنقيح التحقيق.

[27] النكت على ابن الصلاح ( 1 / 136 ).

[28]: المدخل إلى الإكليل ص / 39

[29]: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ( 1 / 218 : 219).

[30]: تدريب الراوي (1 / 154 : 155 )، والبحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر ( 2 / 665 ).

[31] : مجموع الفتاوى ( 13 / 353 ).

الخميس، 7 ديسمبر 2023

فلسطين ومخطط أنف الدُب!

 

فلسطين ومخطط أنف الدُب!

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
  فإن علماء الطب النفسي يذكرون ظاهرة مرضية يزعمون أنها شديدة الانتشار جدًا حتى أنك تكاد لا تجد شخصًا لم تصبه!، وتكمن خطورتها أنها من المرض النفسي، فلا يظهر لها على الأعضاء تأثير ولهذا يغفل عنها المصاب بها.

ومع ذلك فإن ضررها على الإنسان شديد جدًا.
  هذه الظاهرة أو هذا المرض النفسي يدعى "الإدراك الانتقائي"، وحقيقته:

إن الإنسان لا يستطيع أن يتصور مسألة من المسائل، أو يحكم في قضية من القضايا إلا بما عنده من مخزون ثقافي ومعلومتي حول هذه المسألة أو تلك القضية.
فإن كانت معلوماته حول هذه القضية أو تلك المسألة صحيحة، كان حكمه وتصوره صحيحًا.
وإن كانت معلوماته أو ثقافته حولهما خطأ  كان حكمه وتصوره خطأ، وإن اشتملت معلوماته على حق وباطل، كان حكمه وتصوره كذلك.
  ومرض "الإدراك الانتقائي" هذا يعد اليوم من أشرس أسلحة اليهود، إذ يستخدمونه من خلال سيطرتهم على وسائل الإعلام سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية، أو حتى ما أحدثوه في هذا العصر من وسائل التخاصم الاجتماعي كفيس بوك وأخواته[1].

  فاليهود من خلال وسائل إعلامهم يغيرون وعي الأمم والشعوب، ويفسدون عليهم معتقداتهم وقناعاتهم، ويحرفون فطرتهم، ويؤصلون من خلالها لأفكارهم ومخططاتهم.
حتى زرع الهزيمة النفسية واليأس والوهن، كل ذلك وغيره يسربونه للعالم من خلال هذه الوسائل.
  فنجد بعد فترة المشاهد والمتابع لهذه القنوات والصحف، قد ترسخ في فكره ومعتقده من خلال هذا المرض النفسي "الإدراك الانتقائي"أفكارهم، ثم أصبح بعدها يتكلم بلسان اليهود ويؤصل لأفكارهم ومعتقداتهم، وهو يظن أنه يحاربهم، ولا يعرف المسكين أنه قد وقع فريسة في مصيدة اليهود هذه، ويظن أن المحرك له في تصوراته وأحكامه هو ما تعلمه طوال حياته وتربى عليها.

  ومما زاد الطين بِلة أنه قد أصبح كثيرًا من الناس اليوم يعتقد أن الخبر الذي لا يأتيه من رويترز أو البي بي سي، أو السي أن أن، أو غيرها من وسائل الإعلام التي صنعت على أعين اليهود.

  يظن أن الخبر الذي لم تذكره تلك القنوات أنه خبر يفتقر إلى المصداقية وتحري الحق[2]، بخلاف الأخبار التي تبثها القنوات المحلية في بلده، فإنها أخبار لفقت ولها أجندة خاصة!!.

  والمتأمل في حال هذه القنوات الصهيونية يظهر له الحق واضحًا جليًا، من أنها لها غاية تسعى إليها؛ إذ أن هذه القنوات ينفق عليها شهريًا ملايين الدولارات من أجور مذيعين ومصورين ومخرجين، وإيجار استديوهات، واشتراك في الأقمار الصناعية، ومكاتب ومراسلين يملئون دول العالم لتغطية أي حدث مباشرة.
  ومع كل هذه الأموال الطائلة المنفقة إلا أننا لا نجد ولو دعاية أو إعلان عن منتج واحد يُروج له على تلك القنوات ليتكفل بهذه المصاريف الضخمة، أو حتى فتح باب التبرع لها لكي تستمر في مسيرتها.
   بل العكس نجدها لا تتوقف لتعسر الانفاق أو ضعف الميزانية، بل تزداد انتشارًا وتطورًا.
وهذا يثبت شيئًا واحدًا أن وراء هذه القنوات مشاريع ومخططات خفية، تجعلها تصبر على دفع كل هذه الأموال، وأنها تستهدف المشاهد المجاني لها ليكون جنديًا يخدم مشاريع اليهود من حيث لا يدري ولا يشعر.
  وهذه القنوات مع اختلاف مشاربها وتوجهاتها، إلا أنها تجتمع في المنتهى على دفع المتابع لها إلى التعلق بالسياسة، حتى يدمن الكلام فيها والاستماع إليها وتكون هي محور فكره ومنطقه.

  ثم يأتي "الإدراك الانتقائي" ويعمل عمله، فيقرر المتابع لها مشاريع اليهود ومخططاتهم، وهو في غفلة شديدة، ولا يعلم المسكين من أين أُتي؟
  والذي لا يعرفه عامة من شغلته السياسة من متابعي هذه القنوات الإخبارية، أن السياسة قائمة على الخداع والمراوغة، وهذا دلت عليه السنة الصحيحة عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "الحرب خَدعة"[3].  

  فيريد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثلًا فتح مكة، فيسأل عن الروم وتسليحهم والطريق المؤدي إليهم، فيُخدع بهذا أعين الأعداء التي بين المسلمين، ويعتقدون أن الجيش الذي يتجهز هو لحرب الروم.

   ويخرج الجيش من المدينة والكل يعتقد أنه ذاهب لخوض معركة مع الروم، إلا أنه ينحرف في الطريق، ويأخذ قريشًا على حين غفلة وتفتح مكة من غير خسائر تُذكر.

فهذا من معنى الحرب خَدعة، وأنها قائمة على المراوغة والخداع.
كما أن من السياسة "الإلهاء" فتشغل عدوك وتلهييه حتى يفقد تركيزه ولا ينتبه لمخططك، عندها تهزمه وتفوز عليه.
ولهذا كان من النصائح المفيدة في هذا الباب، قول القائل: "لا تشتغل بالثعبان حتى لا تلدغ من العقرب".

 وما أكثر من لدغه العقرب ومازال حتى الساعة مشتغل بالثعبان.
 كما أنك لن يكتب لك الفوز على عدوك وهزيمته  إلا إن كنت عالمًا بمتعقده وفكره ومخططاته، وما بين يديه من مقدرات حالية، وما يستطيع أن يتكفل به مستقبلًا، وما يريده بك، وما يتوقعه منك؟

ولهذا قيل: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم"[4].
وعدو الأمة الإسلامية من وقت البعثة إلى اليوم= اليهود.

قال الله -تعالى- : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [المائدة: 82].
فهم أشد عداوة للمسلين من الكفار الأصلين، فالله -سبحانه- قدم عدواتهم على المشركين مع أنهم أهل كتاب، فتأمل!.
 فمن هم اليهود؟

  اليهود: هم قوم أعزهم الله وفضلهم على العالمين، فجعل فيهم الملك والنبوة، وأرسل لهم الأنبياء والرسل تترا لكي يعلموهم ويؤدبوهم ويقيموهم على الشرع.

  وفتح عليهم أبواب الرزق، فملكهم الثروات والأموال، فأصبحوا من أباطرة المال.
حتى في الوقت الذي كان يعاقبهم فيه كان -سبحانه- بهم لطيفًا، فأنزل عليهم وهم في التيه، المن والسلوى، وهما من طعام أهل الجنة.

  كما وقاهم من حر الصحراء فظللهم بالغمام البارد الذي يرطب لهم الجو، ويحميهم من أشعة الشمس، فأصبح هذا الغمام لهم كأنه ظلة "شمسية".
فبما قابل اليهود هذا النعم وتلك الممن؟
والجواب: أنهم قابلوها بالكفر والالحاد.

فنسبوا له الولد -سبحانه- ، قال الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}. [التوبة: 30].
ونسبوه إلى الفقر، وهو الغني -سبحانه-، فقالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } [آل عمران:181]

ونسبوه إلى البخل -سبحانه-، قال الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. [المائدة: 64].
كما ألحدوا في اسمائه وصفاته فسموه يهوه -رب الجنود-، وزعموا أنه تعب في اليوم السابع بعد خلق السموات والأرض فاستراح، فرد الله عليهم باطلهم فقال -عز وجل-: {
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}. [ق: 46].
 إلى غير ذلك من شركهم ومخازيهم التي ذكرت في القرآن والسنة، وحتى في التوراة.

فلما كان ذلك كذلك، لعنهم الله فطردهم من رحمته، قال الله -تعالى- : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }. [المائدة: 78، 79].

كما ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا يصل إليهم الحق، ولهذا لا يؤمنون إلا قليلًا، قال الله تعالى: { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [البقرة: 7] .
كما عاقبهم الله بأن جعل قلوبهم قاسية فلا تنتفع بموعظة أو تذكير، قال الله تعالى:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } [المائدة: 13].

بل أصبحت أشد قسوة من الحجارة ، قال الله تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. [البقرة: 74].
فأصبحت قلوب اليهود غليظة قاسية[5] لا تلين ليس فيها مكان للرحمة أو الشفقة، لا تتأثر ولا تتعاطف مع ضعيف أو صغير أو مسكين، فخرجت بذلك من صفة قلوب الآدميين إلى قلوب الوحوش الضارية المفترسة كالضباع التي لا تأكل لحم فريستها حية.
حتى أن هذا كان معلومًا في العالم الغربي قبل أن يتهود، وقد أجاد شكسبير في روايته تاجر البندقية[6] في تصوير قسوة القلب اليهودي وأنه ليس فيه مكانًا للرحمة أو الشفقة، مع مخزون كبير من النفاق والغل، وكيف أن "شيلوك" التاجر اليهودي المرابي، أصر على قطع رطل من لحم "أنطونيو" الذي اقترض منه مبلغًا من المال، وتأخر في السداد، وقد اشترط اليهودي هذا الشرط في العقد، وهو الذي لم يلتفت إليه "أنطونيو" وظن أنه مجرد حبر على ورق، وليس له وجود في دنيا البشر.
كما أن الله ضرب عليهم الذل والصغار، فهم أذلاء في أعين جميع الخلق حتى من يعبدون الأحجار والأصنام كالبوذيين والهندوس، فلم ينفعهم أنهم من سادة المال والتجارة في العالم من تللك المهانة، وذلك لأن الذل ملازمًا لهم عقوبة من الله، مصدقًا لقوله تعالى:
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}. [البقرة: 61].
كما أن الله عقابهم بأن جعلهم جبناء، حتى أصبح الجبن فيهم جبلة وطبع، فهم أجبن الخلق، لا يستطيعون القتال كالرجال في مواجهة مباشرة، ولكن لا بدْ أن يتحصنون في أبراج وحصون ومدن مشيدة، كما قال تعالى: {
لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}.
ولذا لا نجد اليهود يقاتلون إلا وقد تحصنوا خلف جدران تحميهم وتمنعهم من عدواهم، فنجد
عندهم خط بارليف، والجدار العازل، والقبة الحديدة وهكذا.
إلا أن الذي لا ينتهي منه العجب، كيف أن قومًا بهذه المهانة والضعف الذي ذكر آنفًا، نجدهم قد ركبوا أكتاف العالم جميعًا؟ حتى أننا لا نرى في حكومات العالم الغربي اليوم من يتجرأ لتخطئة اليهود أو الأنكار عليهم، بل الكثير منهم يسعي لخطب ودهم ومهادنتهم.

فكيف ذلك وكيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذه المنزلة؟
ويكمن جواب ذلك اللغز في معرفة سر الرجل اليهودي.

فاليهودي لغز عالمي، فمع أنه مشتت في الأرض إلا أنه محافظ على جنسه لا يتأثر بثقافة وعادات الأمم التي يعيش بينها، بل هو المؤثر فيها.
حتى أنه يعيش طواعية داخلة مجتمعات مغلقة عليه تعرف بالجيتو أو حارة اليهود[7].

ومع أن اليهود يعانون ندرة عددية، فلو اجتمعوا جميعًا في معركة كبيرة نسبيًا لقضي عليهم على بكرة أبيهم.
ومع ذلك لا نجدهم يبشرون باليهودية كما يفعل إخوانهم من النصارى الذين يتكلفون السفر إلى أحراش أفريقيا ليجعلوا من هؤلاء الوثنيين نصارى يؤمنون بالمسيح المخلص.
أما اليهود فيعتقدون أن دعوة غيرهم لليهودية شرف لا يستحقونه، فاليهودية حجر على شعب الله المختار وحدهم.
كما أن اليهود عندهم صبر أشد من صبر الحمار في إنفاذ مشاريعهم ومخططاهم، فلا يستعجل
اليهودي قطف الثمرة، بل لا يهمه أصلًا أن يكون هو من يقطفها، المهم أن تزرع ولا

يستعجل إن جاء الحصاد بعد مدة طويلة ولو استمرت قرونًا من الزمن.

وصبرهم هذا وعدم استعجالهم للنتائج عملًا بالحكمة الانجليزية المشهورة "Slow But Sure" = بطيء لكن أكيد.

وهذا ما يدفعنا إلى الرجوع إلى التاريخ للنظر في بداية مشروعهم الاستطاني في العالم العربي الإسلامي، وكيف بدأ؟

فنجد أن اليهود استطاعوا اقتناص فرصة ظهرت في ألمانيا في مطلع القرن السادس عشر، أو هم من صنع هذه الفرصة، الله أعلم بما حدث.
فقد ظهر في ألمانيا في هذا الوقت قس ألماني فيلسوف، قام في وجه الكنيسة الكاثوليكية في روما منتقدًا لها في أمور: كمنح صكوك الغفران لمن يَبذل ماله في التبرعات للكنيسة ولو كان من أشر الخلق.

 فقال هذا القس: إن هذه تجارة بالجنة والنار ليس فيها نصيبًا للفقراء، كما انتقد أحكام الزواج، وتسلط القساوسة والباباوات على تفسير الكتاب المقدس، وأنه لا يوجد مانع من فهم كل إنسان للنصوص الكتاب المقدس كما يَظهر له، واستدرك مسائل عدة، بلغت أكثر من تسعين مسألة.
 إلا أن أغرب ما استدركه وناقشه، أن اليهود ليسوا بهذا السوء الذي تصوره الكنيسة، وإنما هم عترة المسيح وأقاربه، فالمسيح ولد يهوديًا من امرأة عذراء من بني إسرائيل، فاليهود أقرب للمسيح منا نحن النصارى، فنحن الغرباء واليهود هم الأقرباء.
ولهذا يتحدم علينا رد الجميل لليهود ومساعدة عترة المسيح وأقاربه!.
وهذا الطرح كان غريبًا على العالم الغربي الذي كان يعتقد أن اليهود هم قتلة المسيح الذين أسلموه للرومان ليصلب على خشبة في بيت المقدس -حسب معتقدهم- ، إلا أن أفكار هذا القس الذي يدعى "مارتن لوثر"[8] وجدت هوًا في نفوس طائفة كبيرة من نصارى الغرب فأمنوا بأفكاره واعتنقوها.

   ومن وقتها أصبحت طائفة اللوثرية -بدعة مارتن لوثر- أو ما يعرفون بالبروتستانت، يعملون على خدمة اليهود، كخدمة الخادم لسيده، والكلب لصاحبه، يفعلون هذا تدينًا من غير مقابل مادي أو معنوي، وإنما دين يعتقدونه ويقاتلون عليه.
  وهو ما يجعل بريطانيا وأمريكا تدفع بفلذات أكبدها في خدمة الصهيونية في بلاد المسلمين[9].

كما أن ما أحدثه "مارتن لوثر" جعل اتباعه يؤمن بكل ما جاء في الكتاب المقدس بشقيه العهد القديم والعهد الجديد[10].
وقد كانوا قبله يؤمنون بما جاء في الانجيل فقط "العهد الجديد"، فأصبح ما حرفه اليهود وأدخلوه في التوراة من الدين الذي يقاتل اتباع لوثر على تنفيذه.
ومن هنا بدأت المحنة، وأصبح لليهود حميرًا يركبونهم لغزو أعدائهم، ومع شديد الأسف صادف
أن هذه الحمير تعد من أقوى الجيوش العسكرية في هذا العصر وهي أمريكا، ويتبعها في هذا

 تلك المملكة التي كانت لا تغرب عنها الشمس قديمًا، أعني بريطانيا الفاجرة.

وأصبحت معركتنا اليوم ليست مع اليهود وحدهم ،بل أصبحت مع اليهود وأعاونهم من الأمريكان والانجليز ومن ضم تحت لواءهم من أجل المساعدات المالية والسياسية والعسكرية.
وزاد الطين بَلة عندما وُجد لحمير اليهود الغربيين، حميرًا لهم من الشرقيين يُنفذون خططهم ويمهدون لمشروعهم، فالأمريكان والانجليز وجدا أن الشيعة والخوارج خنجران في ظهر العالم الإسلامي، يحملان الغل والحقد والسواد على أهل الإسلام، والفريقان يسعيان لحكم البلاد الإسلامية.

ومن هنا بدأت محنتهم، فقد مكنوا الخميني من حكم إيران وأصبحت من يومها حليفًا لليهود تعمل معه على إضعاف البلاد السنية بإثارة الفتن والثورات فيها، وزرع مليشيات مسلحة تتدين بحصد أرواح أهل السنة كجماعة حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن.
أو افتعال معارك زائفة مع دولة اليهود تجعلهم يتمكنوا بعدها من غزو هذا البلد، كهذه التي قام بها "حسن نصر الله" -رئيس حزب الله اللبناني- عندما خطف جندي اسرائيلي واطلق صارخًا على اليهود، فأعطاهم الذريعة هم واحلافهم لدك هذا البلد المسلم، فدمروا شمال لبنان وقتلوا أهله، وتركوا خلفهم 15 ألف جندي صليبي بحجة حفظ السلام وعدم تكرار ما حدث.
وبالطبع اليهود لم تمس حمارها الشيعي، فلم تقرب الجنوب اللبناني الذي يسكنه "حسن نصر الله" وقتها، ومازال حيًا يرزق إلى اليوم يكمل مخططات أسياده في بلاد المسلمين.
وأما الخوارج فلا يقلون عن الشيعة في خدمة المشروع اليهودي، فهم من أعطى لأمريكا الذريعة لغزو أفغانستان وتصفية الوجود السني في العراق بعد زعم تدميرهم لبرجي التجارة العالمي في أمريكا.

فجاءت أمريكا تجر خلفها تحالفًا صليبيًا إلى بلاد الإسلام فدمرت أفغانستان هذا البلد السني، كما افتعل الخوارج معها حربًا في العراق فدخلتها ودمرت ما بقي منها، وتركت حروب الشوارع للشيعة فقضوا على ما تبقى من الوجود السني في هذا البلد الذي كان يومًا بيتًا للخلافة الإسلامية، ثم أصبح الشيعة على رئاستها.
كما أشعل الخوارج من الإخوان المسلمين وأشياعهم فوضى ثورات الخراب العربي[11]، ثم صنعوا ما زعموا أنه جيش الدولة الإسلامية "داعش" وخرج زعيمهم "البغدادي" يخطب في الأمة أن النصر على الأبواب وبدأ مناوشة الأمريكان من سوريا، فلم يكتفي بحرب النظام السوري الشيعي لأهل السنة هناك، بل أتى بالأمريكان لإبادة ما بقي من أهل السنة في سوريا، وكان لهم ما خططوا، ثم تبخر "البغدادي" واختفى، واختفى معه جيش الدولة "داعش"، كما حدث مع "القاعدة" و"بوكو حرام" وغيرهم من تنظيمات الخوارج التي لا يُعلم لها نصرًا إلا على أهل السنة وجلب البلاء عليهم.
وما تفعله حركة "حماس" في فلسطين خير دليل على معاونتهم لليهود في مشروعهم، سواء بعلم أو بجهل، كما توضح هذا الأحداث والنتائج، تطلق "حماس" الإخوانية كل فترة صاروخًا على اليهود، لا يصنع شيئًا إلا تدمير جزء من مبنى أو احراق سيارة، ثم يأتي اليهود بهذه الذريعة كردة فعل فتدمر منازل الأبرياء وتقتلهم فيها.
وما فعلته "حماس" أخيرًا خير دليل على هذا، عندما قتلت جماعة من المدنيين واخطفت أخرين، ومنهم من بلاد أخرى، وأطلقوا على عمليتهم هذه "طوفان الأقصى"، والأقصى والإسلام برئ من فعل هؤلاء، فليس في الإسلام قتل النساء ومن لم يكن من أهل القتال.
 فأعطوا ذريعة لليهود لإبادة أهل غزة حتى وصل عدد القتلى فوق خمسة عشر ألفًا من المسلمين معظمهم من الأطفال والنساء، وأما عدد المصابين ممن فقدوا بعض أعضاءهم جراء القصف فحدث ولا حرج، بخلاف مأساة من أصبح هنالك في العراء والبرد القارص لأن بيته دُمر، وما وصلت إليه حال البنية التحتية التي ربما لن تعود إلى حالتها مرة أخرى.
نعود:
ولعل أخطر ما في معركتنا مع اليهود هو ما حدث من تغير لوعي الأمة الإسلامية، إذ استطاع الإعلام الصهيوني تصوير أن حرب هؤلاء على أهل الإسلام ليس من أجل الدين والمعتقد، وإنما من أجل ما في أيديهم من ثروات وبترول.
وأصبح من يخوض المعركة ضدهم من أبناء الأمة معتقده أننا نقاتل من أجل الأرض وتراب الوطن، وليس أن دفع شر هؤلاء وقتالهم إنما هو جهاد في سبيل الله لكي تكون كلمة الله هي العليا.

واليهود من قديم يحركهم معتقد يزعمون أنه وعد إلهي حتمي الوجود إن أخذوا بأسبابه، وهو أن ربهم "يهوه" وعدهم كما في سفر التكوين بأرض تبدأ من نهر النيل في مصر وصولًا إلى نهر الفرات في العراق [12].
  وهذا الأمر معلن لا يخفونه، حتى جعلوه شعارًا على علم دولتهم، فهو مكون في نجمة سداسية في وسطه، يطلقون عليها نجمة داود، وذلك لأن ملك بني إسرائيل الذي سيملك العالم ويجعل اليهود يتحكمون في الأمم إنما هو من نسل داود [13]،كما صرحوا بذلك في البروتوكول الرابع والعشرين، وهو أخر بروتوكول من برتوكولات صهيون، ليظهر أن هذه البروتوكولات والمخططات ما وضعت إلا لتنفيذ هذا الهدف والتمهيد له.
وجعوا على طرفي العلم اليهودي خطان أزرقان يرمزان إلى نهر النيل ونهر الفرات.
وأما حمير اليهود من البروتستانت من الأمريكان والانجليز، فينطلقون من نبوءة عندهم في سفر الرؤيا، وهي ما تعرف برؤيا يوحنا[14] والتي هي اخر نصوص الإنجيل.

ورؤيا يوحنا تمثل أهمية كبيرة في هذا المشروع الصهيوصليبي، حتى أن عامة الرموز الماسونية مستوحاة منها لأهميتها عندهم.

وخلاصة هذه الرؤيا: أنه لن تقوم الساعة حتى ينزل المسيح المخلص إلى الأرض، وتنطلق حملة صليبية يكون جندها من اتباعه ومحبيه، هذه الحملة يقتل فيها المحمديين والوثنيين، فإذا تطهرت الأرض منهم، أصبحت هذه الأرض جنة لمدة ألف سنة يتمتع بها اتباع المسيح المخلص، جنة لا يحتاجون فيها إلى طعام أو شراب، ثم تقوم الساعة ويدخلون جنة الخُلد بعد أن يغفر لهم ويسامحهم!.
وهو ما يسمى بمعتقد الألفية السعيدة، والتي أشار إليها الرئيس الأمريكي "بوش الأب" عندما كان يتجهز إلى بداية هذا المشروع بضرب العراق "الفرات"، فقال: "نحن على مشارف نظام عالمي جديد".
فلما بدأت الحرب فعلًا أيام ابنه "بوش الابن" قال: "أنها حرب صليبية".      
وهذا الحلم يقاتل عليه نصارى أوربا من قديم قبل أن تنجح أمريكا في تنفيذه في هذا العصر.
فقد كانت سبب الحملات الصليبية هذه الغاية، حتى أن رموز سفر الرؤيا كانت مرسومة على ملابس الفرسان والأحصنة.
إلا أن هذه الحملات الصليبية باءت بالفشل بعد قرنين من الزمن في حرب ديار الإسلام،         
وتم القبض على "لويس التاسع" أخر ملوك هذه الحملات الصليبية، وحبس في دار قاضي القضاة "ابن لقمان" بمصر، وهو في حبسه هذا تفكر في كيف للمسلمين أن يكون لهم الغلبة علينا كل مرة مع أننا أحيانًا نكون أكثر منهم عددًا وتسليحًا؟
 فتوصل إلى أن السبب هو ما بين أيدي المسلمين من هذا العلم والتراث المسطور في كتبهم، فلو سلبوا هذا العلم لكانت لنا الغلبة.
ومن وقتها اتخذت الحرب بين أهل الإسلام وهؤلاء الغرب أسلوبًا جديدًا، فانطلقت من أوربا بعدها حملة صليبية جديدة بقيادة قائد فرنسي محنك كان على رتبة عالية في الماسونية، وهو الفاجر "نابيلون بونابرت".[15]
غزا الديار المصرية وكانت غايته الأولى: تخليص ديار المسلمين من باقي التراث الإسلامي الذي خلفه علمائهم الأوائل والذي يُعد قوة المسلمين التي قهروا بها العالم، فجاء لسرقة ما تبقى من هذا التراث والذي أهلَك أكثره التتار في حربهم مع المسلمين.
والثانية: هو جعل مصر مركزًا ينطلق منه لتمهيد هذه الأرض التوراتية لليهود، فحرك جيشه لغزو بيت المقدس؛ إلا أن "أحمد باشا الجزار" حاكم عكا -رحمه الله- كسر جيشه وهزمه، مع ما وقع في جيش الفرنسيس من الطاعون، فعاد نابليون مرة أخرى إلى مصر وأكتفى بسرقة ما جاء من أجله، ثم سافر إلى فرنسا.

كما كان من مخططه أيضًا استبدال هذا التراث الإسلامي بتراث اخر ترتبط الناس به، فأحيا التراث الفرعوني بزعم فك علماء حملته لرموز حجر رشيد، ومن أن هذه الرموز الفرعونية  كانت موجودة في مكتبة الخليفة العباسي المأمون ولم يعبأ بها المسلمون، ولم يفعل "فرنسوا شامبليون" إلا أن سرق هذه الرموز ونسبها لنفسه، إلا أنه كان من مكر هؤلاء أظهار الانبهار بهذا التراث الفرعوني، وأنها حضارة بهرت العالم، فانطلى هذا على كثير من الخلق، وتناسوا تراثهم الإسلامي العريق الذي كان سبب عزهم وتقدمهم، وتلعقوا بهذه الحضارة الفرعونية الوثنية والتي ليست سوى بعض الأحجار والعظام البالية، والتي لا يأتي منها نفع في الدنيا ولا في الأخرة، والأمر لله من قبل ومن بعد.
فسرق نابليون تراث المسلمين الموجود في الديار المصرية في جامع الأزهر والمكتبات العامة والخاصة. وأصبحنا نجد حتى الساعة تراث علماء الإسلام في مكتبات أوربة وأديرتها، فمن أراد طباعة كتاب للشافعي أو ابن تيمية، ذهب إليهم ..وهم بالخيار سمحوا له بالتصوير أو منعوه.
وبالطبع يدفع لهم الأموال إن وافقوا على تصوير الكتاب.

مع التنبيه أن الأمر يضيق عليه جدًا إن كان هذا الكتاب من التراث العلمي، ككتب علماء المسلمين في الطب والهندسة والرياضيات، وما أشبه.
فقد وصل المسلمون في هذه العلوم الغاية، حتى أن الجبرتي المؤرخ -رحمه الله- وكان معاصرًا لحملة "نابليون" ذكر أنهم في مصر توصلوا وقتها إلى إخراج الطاقة من السكون إلى الحركة، وهو ما عرف بعدُ بعلم الميكانيكا.
ويكيفك أن تعلم أن الفرنسيس في حربهم مع أهل مصر سقطت منهم "بومبة" -قنبلة-  لم تنفجر في منطقة إمبابة، فاستطاعوا في إمبابة في خلال ثلاثة أيام صناعة مثيل لها، وأصبحوا يحاربون هؤلاء العلوج بنفس سلاحهم، فلم يكن من بُدْ لخروجهم من مصر وعودتهم إلى بلادهم[16].

فخرج الفرنسيون من مصر ولم يتحقق لهم شرف تمهيد هذه الأرض لسيدهم المخلص، فجاء الانجليز من بعدهم، وبدأ تمكين اليهود من هذه الأرض المباركة بوعد من بلفور، وبدأت المحنة التي مازالت فصولها يعيشها أهل الإسلام حتى الساعة في فلسطين والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من هذه الأرض المباركة.

إلا أنه خلَفَ الانجليز بعد ضعفهم الأمريكان، وأصبحوا هم من يتولى مشروع اليهود عسكريًا واقتصاديًا، وأما التخطيط فهو لليهود وحدهم.
وما يحدث في غزة اليوم إنما هو حلقة من هذا المشروع التوراتي، والذي يقصد منه تطهير هذه الأرض من المحمديين الوثنيين لقدوم مخلص اليهود والنصارى، ولا بأس أن حملة التطهير هذه تسيل فيها الدماء أنهارًا[17].

ويستخدم اليهود في فلسطين استراتيجية عسكرية تعرف بـ "انف الدب"، وفيها: أن دبًا دخل مستعمرة للنمل فدمرها وأفسدها، فأراد النمل الانتقام لأرضه وإخراج هذا الغريب منها، فملء جسد الدب وأخذ يقرصه ويؤذيه.

ففكر الدب في التخلص من النمل نهائيًا فنزل الماء، فما أن نزل بنصفه الأسفل حتى تجمع النمل على وسطه هربًا من الماء، فنزل أعمق فاجتمع النمل على كتفه، فنزل بكتفه فاجتمع النمل على رأسه، فنزل برأسه وأبقى أنفه ليتنفس منها، فاجتمع النمل على أنف الدب، فجاء الدب بحزمة قش وأخذ نفسًا عميقًا وغطس في الماء، فقفز النمل على حزمة القش هربًا من الغرق، فخرج الدب من الماء وقد تخلص من النمل المؤذي، وقد أستولى على المستعمرة لا ينازعه عليها أحد.
والدب في هذه القصة = اليهود، ومستعمرة النمل هي =فلسطين، والنمل هم = أهلها، والماء هو= حملات التهجير والقتل والإبادة والجدار العازل وكل ما نشاهده من العدوان الصهيوني في فلسطين، وأنف الدب الآن هي= غزة، وأما حزمة القش = فوسائل الإعلام تحاول من خلال الإدراك الانتقائي تصوير أن اليهود يقصدون إخراجهم إلى سيناء، وهذا دجل وخداع، إذ أن سيناء والقاهرة وكل شرق النيل داخله في أرض اليهود التوراتية، وأول مكان خارج هذه الأرض هو غرب النيل ناحية الجيزة في المكان الذي فيه سفارة اليهود.
فقد وافق اليهود عند وعد بلفور بالعريش في شرق النيل، ورفضوا ليبيا وأوغندا وقبرص وغيرهم، لأن العريش داخلة في الأرض التوراتية، إلا أن المندوب البريطاني "اللورد كرومر" رفض فكرة مد فرع من النيل إلى العريش لضعف منسوب المياه فيه، فأعطوهم فلسطين.

 إلا أن أخطر ما في هذا المشروع الصهيوني اليوم هو كيدهم ببلد الله الحرام، فإن حمير اليهود في أمريكا منذ مدة طويلة نسبيًا يهيئون الرأي العام المسيحي هناك بأن منطقة تبوك في المملكة العربية السعودية داخلة في أرض الميعاد، وأن غار نبي الله دانيال كان في هذه الأرض، وأن التيه الذي كان فيه موسى مع بني إسرائيل لمدة أربعين سنة، إنما كان في تبوك وليس في سيناء، وأن تبوك تبعد اليوم عن تل أبيب نحو 200 كيلو فقط.

كل ذلك وغيره يروج له صهيوني يدعى "آفي ليبكين" وألف كتابًا في هذا سماه "العودة إلى مكة"، وتأمل أنه لم يجعل الأمر قاصرًا على تبوك وحدها، بل ذكر عودتهم إلى مكة، فانتبه!.
والأمر لا يقتصر عليه وحده، بل هناك قنوات خصصت برامج لمناقشة هذه المسألة، ويأتون بأُناس تزعم أن المملكة تخبئ آثار بني إسرائيل المنتشرة في هذه البقعة، وأنها منعت الناس من دخول تبوك حتى لا تظهر الحقيقة، ومثل هذا الدجل الإعلامي المبني على قاعدة"ما تكرر تقرر".

هذا؛ وما تخفيه وسائل الإعلام اليهودية، أن الشعب الأمريكي ليس علمانيًا بل هو شعب متدين أصولي يعتقد بحرفية نصوص الكتاب المقدس.
حتى أنه يوجد بها اليوم عدة ولايات تعرف بالحزام الإنجيلي، يمتد شرقًا من وسط فلوريدا عبر الأباما، وتينيسي، وكنتاكي، وجورجيا، ونورث كارولينا إلى فرجينيا.
وله وجود غربًا يمتد من وسط تكساس إلى نورث داكوتا، ويتركز في تكساس، وأركنساس، ولويزيانا، وأوكلاهوما، وميزوري، كانساس، ومسيسيبي.

بعض هذه الولايات القائم بإنفاذ القانون فيها قساوسة الكنيسة، ينطلقون مع الشرطة في سيارتهم وهم من يحدد من أهلًا للعقوبة من المخالفين، ومن يعفى عنه ويعطى فرصة أخرى.

ونسبة المتدينين في هذه المناطق مرتفع جدًا، ذكرت الإحصائيات أن أكبر نسبة لغير المتدينين في الحزام الإنجيلي موجودة في ألاباما حيث تبلغ 6 %.

حتى أنهم لم يمتنعوا من الذهاب إلى الكنيسة وإقامة القداس في جائحة كورونا.
وليس معنى ذلك أن باقي الولايات الأمريكية ليست على هذا المعتقد إلا أن نسبة الالتزام في بعضها أقل.
فأمريكا أنشأها اليهود والبروتوستانت، فقد كان مع "كريستوفر كولومبوس" في رحلته خمسة من اليهود، وأول طفل أبيض ولد لهم، كان يهوديًا من ولاية فرجنينا واسمه "إسحاق منيس"[18].
وقد كتب "كولومبوس" إلى ملك اسبانيا بأن يجعل حصاد ثلاث سنوات كاملة من ذهب هذه القارة الجديدة الذي سرقوه من أهلها بإبادتهم، فقد قتلوا أكثر من 400 أمة كانت تعيش على هذه الأرض في سلام، قتلوهم في زحفهم تجاه الغرب والبحث عن الذهب والثروات.
كتب "كولومبس" بجعل هذا الذهب قوة وعتاد لازمين لتحرير "أورشليم" من أهل الإسلام، كما كتب إلى الملكة إيزابيلا وإلى البابا يحرضهما على إنفاق غنائم أمريكا وثرواتها في هذا السبيل[19].
فحقيقة الصراع الدائر في العالم الإسلامي اليوم، ليس كما يصوره الإعلام الغربي الموجه أنه صراع من أجل الثروات والبترول، وإنما هو صراع عقائدي، يعتقد فيه اليهود واتباعهم من الأمريكان والانجليز ومن لف لفهم أنهم في حرب مقدسة تُعجل وقوع هذه النبوءات التوراتية التي تجلب السعادة على الأمة اليهودية والمسيحية، ويتخلصوا فيها من شر المحمديين الوثنيين.

والحق أنهم في هذا الصراع الحالي أوقعوا الهزيمة بالأمة الإسلامية ليس في معركة واحدة بل في معارك؛ إلا أن الحرب بيننا وبينهم لم تنتهي.
 فنحن نؤمن أن حربنا هذه سيكون النصر فيها حليفنا في النهاية، كما أخبرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ قال:" لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله".
[رواه البخاري]. 
وفي رواية مسلم في صحيحه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود[20]".
فنحن نؤمن أن هذا واقع لا محالة، وأن الله سينطق هذه الجمادات من الحجر والشجر حتى تُدلنا على من يختبئ خلفها من اليهود.

كما نؤمن أن النصر من عند الله، فهو الناصر والمعين.
قال سبحانه:
{وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ}. [آل عمران:126].
وقال عز وجل: {
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. [المجادلة: 21].
كما نؤمن أن النصر له أسباب يتوجب علينا تحصيلها، أهمها نصرة شرع الله عز وجل.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.
[محمد: 7].
كما نؤمن أيضًا أن جهادنا مع اليهود ليس هو ما تتبناه الفرق الحزبية، من أننا نقاتلهم من أجل أنهم سلبوا منا أرضنا، كما صرح بذلك مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين "حسن البنا"، وتابعه على باطله الشيخ "أحمد ياسين"، و"القرضاوي"، وغيرهما.
وإنما نجاهدهم جهادًا حقيقيًا لكي تكون كلمة الله هي العليا.

وأما الأرض فليست هي غايتنا، وإنما هي وسيلة لتطبيق شرع الله في أرضه.
قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
[الحج: 41].

 فالتمكين في الأرض ليس هو الغاية، وإنما إقامة شرع الله في أرضه هو غاية كل مسلم، فإن أخذنا بهذا الأصل وأقام المسلمون شرع الله في أنفسهم ومعاملاتهم مكنهم الله ساعتها من رقاب اليهود ومن خلفهم وكتب لهم النصر عليهم.
فالله -عز وجل- لما أوجب علينا إعداد العدة في الجهاد، فقال سبحانه: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}.
[الأنفال: 60].
كان على رأس هذا الإعداد = العدة الإيمانية، بأن تصفى عقائد الناس من الشرك والبدع، ويكونوا على صحيح الدين الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

وأما أخذ الناس اليوم بالنظم اليهودية كالديمقراطية[21] والرأسمالية، أو بسبل التغير الغربية كالمظاهرات والاعتصامات، ثم الطمع في نصرة الله لهم، فهذا ليس من سنن الله تعالى.
وإنما أمرنا في الشرع بمخالفة سبيل المغضوب عليهم من اليهود، والضالين من النصارى، والتمسك بسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسنة الخلفاء المهديين من بعده، من هنا يأتي النصر، ويشفى الله صدور قوم مؤمنين.
وأما خلاف ذلك فليس سوى المزيد من الهزيمة وسفك للدماء المعصومة.
وأخيرًا أن ما يروج له الإعلام الصهيوني من سعي اليهود لهدم المسجد الأقصى، فلن يحدث منه شيء بإذن الله تعالى.
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الدجال: "يمكث في الأرض أربعين صباحًا يبلغ فيها كل منهل، ولا يقرب أربعة مساجد مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى". [رواه أحمد وابن أبي شيبة بسند حسن].
فالمسجد الأقصى سيكون على حاله عند وقوع ملاحم اخر الزمان، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد.
القاهرة 5 / ربيع الآخر 1445 هـ
20
/ 10 / 2023 

الهامش


[1] : جعل اليهود السيطرة على الإعلام بكل أشكاله هدفًا لهم لتحقيق أحلامهم، فوضعوه ضمن مخططاتهم التي تعرف ببرتوكولات حكماء صهيون، فالبرتوكول الثاني عشر يتكلم عن حتمية السيطرة على الإعلام والصحافة.

[2] : يحاول اليهود من خلال أعلامهم الموجه هذا تهيئة العالم الإسلامي أخيرًا بعد أحداث غزة 2023 إلى إطالة حالة الاستنامة التي غرق فيها، وذلك من خلال بث أن هناك ما يسمى بـ "لعنة العقد الثامن" والتي هي عبارة عن: أنه لم تقم دولة يهودية على مدار التاريخ وكتب لها البقاء فوق 80 سنة، فإذا وصلت للعقد الثامن زالت تلقائيًا، هكذا يروجون لهذه الفكرة، حتى أننا رأينا من يتحدثون باسم الجهاد ومحاربة الكيان الصهويني من المبتدعة الذين يتاجرون بجراح المسلمين، رأيناهم يكررون هذه الفكرة كأنها من الحق الذي لا مرية فيه.
وما هي إلا خدعة لإضعاف عزم المسلمين من التجهز والاستعداد لحرب أبناء القردة والخنازير، والاعتماد على أن القدر سيتكفل لنا بالنصر من غير بذل أسبابه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مع التنبيه: أن دولة داود وسليمان كما في التوراة كانت مدتها 70 سنة فقط، وليس 80 سنة.
 

[3] : رواه البخاري، والصحيح والأفصح أن كلمة "خَدعة" تكون بفتح الخاء.

[4] : هذه المقولة ليست بحديث، فليس لها أصل في السنة، ولكنها حكمة معناها صحيح.

[5] : حتى أن هذا الوصف جاء في توراتهم مع ما أصبها من تحريف، انظر مثلًا: "سفر حزقيال (3 : 5)".

[6] : ذكر "هنري فورد" في كتابه اليهودي العالمي كيف استطاع اليهود منع تدريس هذه الرواية في المدارس الأمريكية مع أنها كانت ضمن المقررات الدراسية لتعلم الإنجليزية، والجدير بالذكر أن هذا الكتاب متقدم كُتب قبل 1919م ؛ فتأمل قوتهم في هذا الوقت، وتصور ما وصلوا إليه الآن؟
وكذا ذكر "جون بيتي" في كتابه "الستار الحديدي حول أمريكا" (ص / 61).

[7] : كان اليهود في أوربا قديمًا عندما يخرجون من مساكنهم المعروفة بالجيتو أو حارة اليهود، يُلزمون بلبس نجمة سداسية صفراء تعلق على صدرهم تميزًا لهم حتى لا يختلطون بالسكان الأصليين، والتي عرفت بعدُ بنجمة داود، والتي جعلها اليهود اليوم في وسط علم دولتهم تعبيرًا على صمودهم في وجه الظلم الذي تعرضوا له.
إلا أن بعض المحققين ذهبوا أن رؤوس اليهود في هذه الأحياء هي من كانت تلزم عوام اليهود بلبس هذا الشعار، لتغذية روح المظلومية والعداء في نفوسهم.

[8] : ليس هو "مارتن لوثر كينج"، فهذا أمريكي معاصر، أما صاحبنا فهو ألماني متقدم (1483 ـ 1546) ، ذكره الشيخ شاكر في كتابه الخطير "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" ص/ 43 ، أنه كان من علماء أوربا الذين أخذوا على عاتقهم أخراج أوربا من عوامل الجهل التي كانت غارقة فيه، وتهيئتها لحرب أهل الإسلام بعد فتح القسطنطنية وسقوط اخر حصن للصلبيين في الشام.

[9] : أمريكا نشأت على هذا المذهب، فعند اكتشافها هاجر إليها البروتستانت هربًا من اضطهاد الكاثوليك لهم، وأطلقوا عليها اسم "أورشليم الجديدة"، وكان اليهود معهم عند اكتشافها واحتلالها، فكان على سفينة "كرستوفر كلومبس" خمسة من اليهود، وأول رجل وضع قدمه على أرض أمريكا يهودي، وأول كتاب = طبع فيها كان "سفر المزامير"، فأمريكا ليست دولة علمانية كما تصور وسائل الإعلام، وإنما هذا يراد به خدع العالم لكي لا ينتبه أنهم يخضون حربًا دينية عقائدية. والله المستعان.

[10] : العهد القديم يقصد به التورة، والتي تتضمن أسفار موسى -عليه السلام-  وهي خمسة أسفار، وبعض كتب ووصايا أنبياء بني إسرائيل قبل بعثة عيسى -عليه السلام- ، والذي بدء ببعثته عهد بني إسرائيل الجديد،
 ويقصد بالعهد الجديد: الانجيل.

[11] : من تأمل ما يوجد في سفر إشعياء إصحاح 19، يعلم أن هذه الثورات صنعت على عين اليهود.

[12]: "في ذلك اليوم قطع الرب مع "إبرام" -إبراهيم عليه السلام- ميثاقًا قائًلا : "لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات". [سفر التكوين ( 15 / 18 : 19)].
ومن خداع اليهود وتدليسهم جعل نسل إبراهيم -عليه السلام- قاصرًا على نسل إسحاق وحده، مع أن نسل إسماعيل أيضًا من نسل إبراهيم -عليهم جميعًا الصلاة والسلام-
.

[13]: والشيعة تعتقد نفس المعتقد أن مهديهم المنتظر يحكم بحكم داود وليس بحكم محمد -صلى الله عليه وسلم-، فتأمل!
في أصول الكافي ( 1 / 397 ): "قال أبو عبد الله: إذ قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بينة".

[14]: هذه الرؤيا حدثت بعد نحو قرن من المسيح -عليه السلام-  كما أقرت بذلك كنائسهم، ومع ذلك وضعوها في كتابهم المقدس وتدينوا بها!، فهل هناك أوضح من ذلك بتلاعب هؤلاء بكتابهم وتحريفه؟

ويكفي أننا نجد إنجيل لمرقس ولوقا ويوحنا وبرنابا وتوما وغيرهم، ولا نجد إنجيل عيسى الذي أنزل عليه.

[15]: انظر تفصيل هذه المأساة في كتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" للشيخ الأستاذ محمود محمد شاكر -رحمه الله-، هذا الكتاب المبارك الذي غير صورة الحياة عند كل من قراءه، وزاد في فهمه وبصرته.

[16]: للإمام المؤرخ "الجبرتي" -رحمه الله-  كتابان في هذا الباب، الأول:"يوميات الجبرتي" والثاني: "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" والمعروف أختصارًا بتاريخ الجبرتي. 

[17] : كما في رؤيا يوحنا وما يكون في معركة هرمجدون (16 : 16)، وأن الدماء ستصل في هذه المعارك إلى لُجُم الخيل (14 : 20) أي موضع اللجام، فكأن الذي حصل في الحروب الصليبية وذبحهم لأهل بيت المقدس حتى وصلت    الدماء إلى رُكب الخيل كان تفريضًا منهم، لأنه لابد أن يصل إلى ارتفاع اللجام، والله المستعان.

[18] : اليهودي العالمي لهنري فورد (1 / 16).

[19]: انظر تلمود العم سام "الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا"، تأليف/ منير العَكش، ص / 9 وما بعدها.

[20] : الغرقد: شجر معروف له شوك، ويعرف بقيع الغرقد في المدينة به لأنه كان فيه وقطع لآنه من شجر اليهود.
وقد قيل: أنه يشترك مع اليهود في صفاتهم، فهو كريه الرائحة، كما أنه لا يعيش بجواره زرع أخر لانه يستحوذ على أكثر الماء ولو كان مالحًا، مع صبره جدًا على فقده، كما أنه لا ينتفع منه بظل ولا ثمر، وهو كثير الشوك سام.
وقد أكثر اليهود من زراعته في الأراضي المحتلة، كما جعلوه شعارًا لعلامة تجارية، فماركة الملابس والأحذية "تمبر لاند" علامتها شجر الغرقد.
وتخيل الآن بعض شباب المسلمين يخرجون على سنة الغربيين متظاهرين ومعتصمين لإسقاط إسرائيل، وقد لبسوا ملابس وضعت عليها علامة شجر الغرقد اليهودية، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 

[21]: وضع اليهود في مخططات البرتوكولات لإسقاط الدول، أنه لن تكون الدولة حديثة وعصرية إلا أن كان لشعبها حق الانتخاب، وأن هذا من الحرية والمساواة والعدالة، والحجر على حق الشعب في الانتخاب إنما هو استعباد لهذا الشعب وحرمان لحقه المشروع، كما جاء في البرتوكول التاسع.
وفي البرتوكول العاشر: تنظيم لشكل هذه الدولة الحديثة بأن يكون هناك انتخابات تخرج ممثلين عن الشعب = =وهو ما يعرف بمجلس الشعب، وأن هذا المجلس هو من يختار الرئيس، وهو من يقدم له مقترحات وطلبات الشعب، فإن لم يجد هذه الرئيس المصلحة في هذه المقترحات ردها مرة أخرى، فإن أصر عليها مجلس الشعب، فمن صلاحيات الرئيس حل هذا المجلس كما ينص على ذلك الدستور، (والدستور) ليس إلا مدرسة للفتن والاختلافات والمشاحنات الحزبية العقيمة.
ومن هنا يقع الخلاف بين الشعب وحكومته ويبدأ في كراهية وطنه والعمل على إسقاطه، وهنا يأتي دور اليهود في الضغط على هذه الدولة وإضعافها أكثر وأكثر حتى تسقط في قبضة اليهود.