إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 31 مايو 2026

تنبيه الخطيب من أحاديث ضعيفة اشتهرت في عرفة والعيد

تنبيه الخطيب من أحاديث ضعيفة اشتهرت في عرفة والعيد

   الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:


   فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْخَلَلِ فِي فَهْمِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا، وَلَعَلَّ أَشَدَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَنْ تُثْبِتَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَيَعْتَقِدَهُ النَّاسُ سُنَّةً وَقُرْبَةً، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

   وَرُبَّمَا كَانَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ سَبَبًا فِي الْإِعْرَاضِ عَمَّا صَحَّ وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَنْشَغِلُ النَّاسُ بِفَضِيلَةٍ لَا تَصِحُّ، وَيَتْرُكُونَ فَضَائِلَ وَسُنَنًا ثَابِتَةً مَحْفُوظَةً.

   وَلِهَذَا كَانَ مِنْ وَاجِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيَانُ ضَعِيفِ الْأَحَادِيثِ مِنْ صَحِيحِهَا، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ، وَلَا سِيَّمَا مَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ.

   وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِيَوْمِ عَرَفَةَ وَأَحْكَامِ الْعِيدِ، اشْتَهَرَ ذِكْرُهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَتَلَقَّاهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالْقَبُولِ، بَلْ صَحَّحَهَا أَوْ حَسَّنَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مَعَ أَنَّ ضَعْفَهَا بَيِّنٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَئِمَّةُ النَّقْدِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالضَّعْفِ وَالْإِعْلَالِ.

   وَهِيَ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ:

   الأَوَّلُ: حَدِيثُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

   الثَّانِي: أَنَّ لِلْعِيدِ خُطْبَتَيْنِ.

   الثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ فِي حُضُورِ خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَحديث مَنْ شَاءَ جَلَسَ، وَمَنْ شَاءَ انْصَرَفَ.

   الرَّابِعُ: أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ.

  الْخَامِسُ: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ.

وَمَعَهَا فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ فِي عَدَدِ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَائِدَةٌ حَديثية فِي اجتماعِ الجمُعة مع العيدِ

وَاللهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُسْتَعَانُ.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 13 / ذو الحَجة / 1447
30 / 5 / 2026


      الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ

   وَلَفْظُهُ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».

   قُلت: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَكُلُّهَا بَيْنَ ضَعِيفٍ وَمُنْكَرٍ.

   الطَّرِيقُ الأَوَّلُ:

  وَمَدَارُهُ عَلَى الإمام مالك بن أنس رَحِمَهُ اللهُ.

   فَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الموطأ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ، مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

   وَهَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ؛ فَإِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما أنه قَلِيلُ الْحَدِيثِ.

   قَالَ البيهقي فِي السنن الكبرى (9473): «هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولًا، وَوَصْلُهُ ضَعِيفٌ».

   الطَّرِيقُ الثَّانِي:

   رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ.

   فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا.

   وَأَخْرَجَ هَذَا الطَّرِيقَ البيهقي فِي شعب الإيمان (3778)، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: «هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، وَغَلِطَ فِيهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلًا».

   وَقَالَ ابن عدي فِي الكامل في الضعفاء، ترجمة رقم: (1117): «وَهَذَا مُنْكَرٌ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَرْوِيهِ عَنْهُ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى هَذَا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُرْسَلًا».

   وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَتِهِ: «يُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَنَاكِيرِ» اهـ.

   قلت: فَهَذَا الطَّرِيقُ أَشَدُّ ضَعْفًا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَحْفُوظِ عَنْ مَالِكٍ، بَلِ انْفَرَدَ بِهِ رَاوٍ مَجْهُولُ الْحَالِ، مَوْصُوفٌ بِرِوَايَةِ الْمَنَاكِيرِ عَنِ الثِّقَاتِ.


   الطَّرِيقُ الثَّالِثُ:
   رَوَاهُ الإمام أحمد، والترمذي، من حديث: روح بن عبادة، قال: حدثنا محمد بن أبي حميد، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا.

   قال الترمذي عقب إخراجه (3585): «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ».

    قُلْتُ: وَالإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَشَيْخِهِ الْبُخَارِيِّ، لَا يَسْتَعْمِلُ فِي الْغَالِبِ عِبَارَاتِ الْجَرْحِ الشَّدِيدَةَ، بَلْ يَكْتَفِي بِمَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى وَيُبَيِّنُ ضَعْفَ الرَّاوِي.

   وَأَمَّا أَقْوَالُ النُّقَّادِ فِيهِ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: «أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ». وَقَالَ يحيى بن معين: «ضَعِيفٌ، لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ». وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   فَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَعِلَّتُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ مِمَّنِ اتَّفَقَ النُّقَّادُ عَلَى تَضْعِيفِهِ.

 

   الطَّرِيقُ الرَّابِعُ:

   رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي «الدُّعَاءِ» (59)، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، فَقَالَ:

   حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ...».
   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، فَقَدْ قَالَ فِيهِ الإمام أحمد: «لَيْسَ بِشَيْءٍ».   

   وَقَالَ علي بن المديني: «ضَعِيفٌ، يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ». وَقَالَ يحيى بن معين: «ضَعِيفٌ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   قُلْتُ: وَأَنْكَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْبَابِ نَفْسِهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه بِدُعَاءٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، فَقَدْ رَوَاهُ الْمَحَامِلِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسٌ، عَنِ الْأَغَرِّ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «اللَّهُمَّ رَبِّ، الْحَمْدُ لَكَ، الْحَمْدُ كَمَا نَقُولُ ...».

   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَأُدْخِلَتْ فِي كُتُبِهِ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ فَحَدَّثَ بِهَا، حَتَّى قَالَ فِيهِ يحيى بن معين: «لَيْسَ بِشَيْءٍ».


   الطَّرِيقُ الْخَامِسُ:

   رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الدُّعَاءِ» (875) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا.

   فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ هَارُونَ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ أَبِي ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ عَامَّةُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ فِيهِ الإمام أحمد: «يُحَدِّثُ عَنْ ثِقَاتٍ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ». وَضَعَّفَهُ يحيى بن معين، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».

   وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي «الضُّعَفَاءِ» فِي تَرْجَمَةِ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ».

   وَمُرَادُهُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ أَبْوَابِ الْإِعْلَالِ؛ فَإِنَّ تَفَرُّدَ رَاوٍ ضَعِيفٍ بِحَدِيثٍ عَنْ إِمَامٍ جَبَلٍ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، مَعَ عَدَمِ رِوَايَتِهِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ، مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ.


   والْخُلَاصَةُ:

   فَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَجَمِيعُ طُرُقِهِ مُعَلَّةٌ، وَمَدَارُ أَكْثَرِهَا عَلَى رُوَاةٍ ضُعَفَاءَ مَعْرُوفِينَ بِرِوَايَةِ الْمَنَاكِيرِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَا يَنْجَبِرُ حَدِيثُهُمْ بِالشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ.

   وَالْمَحْفُوظُ فِي الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ الْمُرْسَلُ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا أَصَّلَ ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَجَرَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْدِ مِنْ بَعْدِهِ.

   وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

   الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ التَّخْيِيرِ فِي الْبَقَاءِ لِخُطْبَةِ الْعِيدِ أَوِ الِانْصِرَافِ مِنْهَا

   رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رضي الله عنه، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ».

   قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ(1155): «هَذَا مُرْسَلٌ، عَطَاءٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم».

   قُلت: فَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ عَلَى الْحَدِيثِ بِالْإِرْسَالِ، وَالْمُرْسَلُ مِنْ أَقْسَامِ الضَّعِيفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ.

  وَلفي الغالب هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ السَّبَبُ فِي الْخَلْطِ الَّذِي وَقَعَ لِبَعْضِ الضُّعَفَاءِ في حديث اجتماع الجمعة مع العيد؛ فَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي زَمَانِهِ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، رَخَّصَ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِعْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه رُخْصَةٌ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ.

   وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ إِلَّا لِأَهْلِ الْعَالِيَةِ خَاصَّةً، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بَعِيدَةً عَنِ الْمَدِينَةِ بِمَسَافَةٍ يَلْحَقُهُمْ فِيهَا الْمَشَقَّةُ، وَلَمْ تَكُنِ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ فِي الْأَصْلِ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالِانْصِرَافِ.

   فَلَمَّا اخْتَلَطَ عَلَى بَعْضِ الضُّعَفَاءِ - كَمِنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ - حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ، رَوَوْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

   وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيَّنْتُ ضَعْفَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِإِجْزَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ عَنِ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، فِي بَحْثِي: «الْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تُجْزِئُ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ».
   وسيأتي فائدة حديثية في أخر البحث لها تعلق بهذه المسألة

   وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ.

     والْخُلَاصَةُ:

   أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَقَاءِ لِخُطْبَةِ الْعِيدِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا حَدِيثٌ يُحْتَجُّ بِهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مُرْسَلٌ، كَمَا حَكَمَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

   الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ»

     وَلَفْظُهُ: سُئِلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ».

   قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَجُّ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ هُوَ نَحْرُ الْبُدْنِ وَإِهْرَاقُ دَمِهَا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

   قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَا يَثْبُتُ بِهَا.

   فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ  من حَديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَلَا لِلِاعْتِضَادِ.

   وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ آخَرُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَجْوَدُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.

    فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، مَرْفُوعًا.

    وَهَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الْقَبُولُ، وَمَتْنُ الْحَدِيثِ لَا نَكَارَةَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْعِلَلِ بَيَّنُوا أَنَّ فِيهِ عِلَة خَفِيَّةً تَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ.

   فَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ في جامعه (828) عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ».

   قال: وسَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- يَقُولُ: «وَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ ضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ، فَقَالَ: «هُوَ خَطَأٌ»، فَقُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ أَيْضًا مِثْلَ رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: «لَا شَيْءَ، إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ»».

   قُلْتُ: وَوَجْهُ الْعِلَّةِ أَنَّ الرُّوَاةَ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابًا بَيِّنًا؛ فَمَرَّةً يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَمَرَّةً عَلَى وُجُوهٍ أُخَرَ مُخْتَلِفَةٍ.

   وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الدارقطني عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي «الْعِلَلِ» رقم (71) ذَكَرَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَبَيَّنَ وُجُوهَ الِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَادِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.

   وَزَادَ الإمام البخاري عِلَّةً أُخْرَى كما في السنن الكبرى للبيهقي (9017)، فَقَالَ: «هُوَ عِنْدِي مُرْسَلٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ» اهـ .

   فَاجْتَمَعَ فِي الْحَدِيثِ الِاضْطِرَابُ وَالِانْقِطَاعُ، وَهُمَا مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ التَّضْعِيفِ.

   وَأَمَّا مَنْ حَسَّنَ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى شَوَاهِدَ لَا تَخْلُو هِيَ أَيْضًا مِنَ الْعِلَلِ.

    فَمِنْهَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أبو حنيفة، وَالْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِهِ فِي الرِّوَايَةِ.

   وَمِنْهَا حَدِيثُ: «كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا»، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ بِسَبَبِ عَنْعَنَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.

   قُلْتُ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ مِمَّنْ يُحْتَمَلُ حَدِيثُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ إِذَا لَمْ تَظْهَرْ نَكَارَتُهُ.

    وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ الْأَظْهَرَ فِي الإِسْنَادِ هِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ الْكُوفِيُّ؛ فَإِنَّهُ رَاوٍ مَجْهُولُ الْحَالِ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْجَهَالَةِ، لَمْ يَشْتَهِرْ بِالرِّوَايَةِ، وَلَا احْتَمَلَهُ النُّقَّادُ كَاحْتِمَالِهِمْ لِغَيْرِهِ.

    ثُمَّ إِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ قَدِ اضْطَرَبَتْ أَيْضًا، فَرُوِيَتْ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَرَّةً عَنْ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ، وَمَرَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَلَّادٍ، وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ الْحَدِيثِ.

  والْخُلَاصَةُ:

    أَنَّ حَدِيثَ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا يَنْجَبِرُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ؛ لِشِدَّةِ مَا فِيهَا مِنَ الْعِلَلِ وَالِاضْطِرَابِ.

   وَلَعَلَّ أَحْسَنَ مَا رُوِيَ فِي الْبَابِ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا عَلَى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أَنَّهُ سُئِلَ: «مَا الْحَجُّ؟» فَقَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ».

   رَوَاهُ ابن أبي شيبة فِي «الْمُصَنَّفِ» بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ عَالٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ، وَقَدْ ذَكَرَ النُّقَّادُ أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، قَالَ يحيى بن معين: «اخْتَلَطَ بِآخِرَةٍ».

   وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

   الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَنَّ لِلْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ.
    وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَأَثَرٍ عَنْ تَابِعِيٍّ، وَكَذَا الْقِيَاسِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

   وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ:

    أَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ».

   قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «طَرَحَ النَّاسُ حَدِيثَهُ».

   وَيَرْوِيهِ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ»، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: «هُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، مُخْتَلِطٌ»، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   قُلْتُ: هَذَا حَالُ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا الْمَتْنُ فَلَا يَقِلُّ عَنْهُ نَكَارَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ الْعِيدَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مِنبَرٌ، وَإِنَّمَا إِخْرَاجُ الْمِنبَرِ إِلَى سَاحَةِ مُصَلَّى الْعِيدِ بِدْعَةٌ أُمَوِيَّةٌ.

   فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ،

 أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ».

   قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ- فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ».

   فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ؛ فَقَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ»؛ فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ.

   فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ» الحديث.

   قُلْتُ: فَجَعْلُ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَاتِّخَاذُ مِنبَرٍ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ، بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ الْعِيدَ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ، لَا مِنْ عَلَى مِنبَرٍ.
   فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ».

   وَعَنْ أَبِي كَاهِلٍ الْأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى نَاقَةٍ حَزْمَى، وَحَبَشِيٌّ مُمْسِكٌ بِخِطَامِهَا».

   وَعَنِ الْهَرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ رِدْفًا يَوْمَ الْأَضْحَى، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى نَاقَةٍ بِمِنًى».
   قُلْتُ: وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ»، فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ،

 بَابُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْبَعِيرِ.

   وَكَمَا أَخْرَجَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً أُخْرَى، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ هِيَ سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ مِنْ بَعْدِهِمْ.

   فَقَدْ أَخْرَجَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْعِيدَ، فَلَمَّا صَلَّى خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ يَفْعَلُهُ.

   وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ عَلَى نَجِيبَةٍ».

   وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى بَعِيرٍ».

   وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: «كَانَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ يَبْدَأُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعِيرَهُ، فَيَخْطُبُ».

   قُلْتُ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْخُلَفَاءَ وَالصَّحَابَةَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَخْطُبُونَ الْعِيدَ عَلَى الْبَعِيرِ، وَيُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ نَزَلَ، أَيْ: نَزَلَ مِنْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ.

   فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ».

   قُلْتُ: وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى قَدَمَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مِنْبَرٍ.

   أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ».

   وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُبَيِّنُ نَكَارَةَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: «فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ».

   فَالسُّؤَالُ: عَلَى مَاذَا قَعَدَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْبَرٌ؟

   وَكَمَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى بَعِيرِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ؟

   فَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ كَانَتْ لَهَا خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، إِمَّا عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِمَّا وَالْخَطِيبُ قَائِمٌ عَلَى الْأَرْضِ.

    وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَ فِيهَا قِيَامٌ وَقُعُودٌ، وَأَنَّهَا خُطْبَتَانِ، فَهَذَا خَاصٌّ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.

    أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، بَابُ الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا».

    وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ». قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.

 

   وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، فَهُوَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى».

    قُلْتُ: وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ثِقَةٌ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ، قَالَ الْعِجْلِيُّ: «كَانَ أَعْمَشَ، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، تَابِعِيًّا ثِقَةً، رَجُلًا صَالِحًا جَامِعًا لِلْعِلْمِ، وَهُوَ مُعَلِّمُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ».

    قُلْتُ: وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا لَا يُقْبَلُ وَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ: «السُّنَّةُ كَذَا» لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إِنْ قَالَهُ صَحَابِيٌّ، وَأَمَّا مَنْ دُونَ الصَّحَابَةِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ.

   هَذَا إِنْ صَحَّ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ هَذَا التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَثَرَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ شَيْخٍ لَهُ ضَعِيفٍ، كَانَ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ، وَهُوَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ.

    وَقَدْ رَمَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِالْكَذِبِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «كُلُّ بَلَاءٍ فِيهِ»، وَطَعَنَ فِيهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ طَعْنًا شَدِيدًا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «كَانَ جَهْمِيًّا».

   فَهَذَا إِسْنَادٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ، لَا تَصِحُّ نِسْبَةُ مَتْنِهِ إِلَى هَذَا التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ.

   كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْمَتْنِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، لَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَكِنَّ هَذَا الضَّعِيفَ خَلَطَ بَيْنَهُمَا.

    فَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا رَوَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». وَالْحَدِيثُ فِي «مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ».

   فَالشَّاهِدُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مُنْكَرٌ، وَالْأَثَرَ شَدِيدُ الضَّعْفِ.

    وَيَتَبَقَّى قِيَاسُ خُطْبَةِ الْعِيدِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

   وَالْقِيَاسُ بَيْنَهُمَا لَا يَقُومُ؛ لِشِدَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ، مِنْ ذَلِكَ:

   ـ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَالصَّلَاةُ فِيهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.

   ـ وَأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَمِنْ غَيْرِ مِنْبَرٍ.

   ـ وَأَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ تَكُونُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ فِي الْجُمُعَةِ.

    ـ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَيُصَلَّى خَارِجَهُ.

    ـ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، بِخِلَافِ الْعِيدِ فَلَا أَذَانَ فِيهِ وَلَا إِقَامَةَ.

    ـ وَأَنَّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ مَوْعِظَةً خَاصَّةً بِالنِّسَاءِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

 

    فَالْخُلَاصَةُ:

   إِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ لِلْعِيدِ خُطْبَةً وَاحِدَةً، تَكُونُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ يَكُونُ الْخَطِيبُ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ.

وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ خُطْبَتَانِ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ.

وَكَذَلِكَ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنِ التَّابِعِيِّ شَدِيدُ الضَّعْفِ أَيْضًا، وَهُوَ خَطَأٌ.

   وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِكَلَامِ التَّابِعِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ بِمَا صَحَّ عَنْهُمْ.

    كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «الْمُصَنَّفِ» (5650)، كِتَابَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَتَى كَانَ مَنْ مَضَى يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ مِنْ بَيْتِهِ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلصَّلَاةِ؟

    فَقَالَ: «كَانُوا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَمْتَدَّ الضُّحَى، فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَخْطُبُونَ قَلِيلًا سُوَيْعَةً». قُلْتُ: يُقَلِّلُونَ خُطْبَتَهُمْ؟ قَالَ: «لَا يَحْبِسُونَ النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيَخْرُجُ النَّاسُ؟

    قَالَ: «مَا جَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِنْبَرٍ حَتَّى مَاتَ، مَا كَانَ يَخْطُبُ إِلَّا قَائِمًا».

فَكَيْفَ يُخْشَى أَنْ يَحْبِسُوا النَّاسَ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا يَخْطُبُونَ قِيَامًا، لَا يَجْلِسُونَ. إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَرْتَقِي أَحَدُهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَقُومُ كَمَا هُوَ قَائِمٌ، لَا يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَرْتَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَنْزِلُ.

  وَإِنَّمَا خُطْبَتُهُ جَمِيعُهَا وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَشَهَّدُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْأُولَى».

    قُلْتُ: وقد مَرَّ أَنَّ قِيَاسَ خُطْبَةِ الْعِيدِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

   الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: 
صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.

   وَهَذَا الْقَوْلُ بَدَأَ فِي الْبُزُوغِ أَخِيرًا، وَسَبَبُهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ الِاغْتِرَارُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْحَدِيثِ: «هَذِهِ سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ»، أَوْ بِتَبْوِيبِ الْمُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ.

    فَقَدْ بَوَّبَ ابْنُ مَاجَهْ لِهَذَا الْحَدِيثِ (1293) بِقَوْلِهِ: «بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا».

   ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

    وَجَاءَتْ رِوَايَةُ أَحْمَدَ (11226) بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

    وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَاكِمِ (1102) : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَجَعَ مِنَ الْمُصَلَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

   قُلْتُ: وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلٌ، فَهَذَا يَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى.

    غَيْرَ أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْحَدِيثِ بِكُلِّ أَلْفَاظِهِ مِنْ طَرِيقِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الْقُرَشِيِّ، وَقد ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».

    فَتَفَرُّدُ رَاوٍ هَذَا حَالُهُ بِحَدِيثٍ فِي الْأَحْكَامِ لَا يُقْبَلُ بِحَالٍ، وَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ فِي التَّحْسِينِ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِأَصْلٍ لَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَصَحِيحُ السُّنَّةِ خِلَافُهُ.

   وَقَدِ اخْتَلَطَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْإِمَامِ الْحَاكِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ»، وَلَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ لَفْظَةَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ».

    فَقَدْ رَوَاهُ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُنْكَرِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ (1088)، بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ».

   ثُمَّ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ... وَهَذِهِ سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ».

   فَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِيدِ ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ.

   وَتَظْهَرُ نَكَارَةُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ مَا صَحَّ فِي الْبَابِ:

   فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ».

    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما «خَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا»، وَذَكَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ».

   قَالَ التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

    وَفِي رِوَايَةٍ: «خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَجَلَسَ حَتَّى أَتَى الْإِمَامُ، ثُمَّ صَلَّى وَانْصَرَفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ ابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا صَلَاةً، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا قُدَّامَهَا صَلَاةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؟ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ». [رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ].

   وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَابْنَ عُمَرَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَشُرَيْحًا، وَابْنَ مَعْقِلٍ، لَا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهُ». [أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَدَا لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، فَفِيهِ لِينٌ].

   فَالْخُلَاصَةُ:

   أَنَّ الصَّحِيحَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ شَيْئًا وَلَا بَعْدَهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ رَاوٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.

فَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ، بَلِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

   ويَتَبَقَّى فَائِدَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ، وَهِيَ عَدَدُ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْعِيدِ.

   فَإِنَّ أَحَادِيثَ الباب - مَعَ كَثْرَتِهَا وَثُبُوتِهَا - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِيهَا سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ، وَالرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ.

   غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الْأَئِمَّةِ يَزِيدُونَ تَكْبِيرَةً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِزَعْمِ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَيَزِيدُونَ تَكْبِيرَةً فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِزَعْمِ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الِانْتِقَالِ.

   وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِ أَلْفَاظِهَا، فَكَيْفَ يُخَالَفُ هَذَا الْوُضُوحُ فِي الْأَحَادِيثِ بِكَلِمَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ؟

    وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، سَأَنْقُلُ جُمْلَةً مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَتَّى تَتَصَوَّرَ الصُّورَةَ، وَيَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ.

    أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (6688) بِإِسْنَادٍ حَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا سَيَأْتِي، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا».

   قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: «وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا».

    وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ (5677) بِنَفْسِ الْإِسْنَادِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعًا، ثُمَّ قَرَأَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ فِي الْأُخْرَى خَمْسًا ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ رَكَعَ».

    وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَبَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَسَارَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَكَبَّرَ فِيهَا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ».
[رَوَاهُ الْحَاكِمُ (1217) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى (6406): مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا غَيْرُ قَوِيٍّ، وَهُوَ بِمَا قَبْلَهُ مِنَ الشَّوَاهِدِ يَقْوَى.
وَنَبَّهَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْطَأَ فِي الْإِسْنَادِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ الذَّهَبِيُّ فِي التَّلْخِيصِ].

 

   وَعَنْ سَعْدِ بْنِ قَرَظٍ، وَكَانَ الْقَرَظُ مُؤَذِّنًا لِأَهْلِ قُبَاءَ فَانْتَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاتَّخَذَهُ مُؤَذِّنًا: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ». [رَوَاهُ الْفَرْيَانِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (105) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ].

    وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ (5718)، وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْأَفْرِيقِيُّ، فِيهِ ضَعْفٌ وَقَدْ حَسَّنَ حَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَلَى كُلٍّ يَتَقَوَّى بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ].

    وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (619) عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
   وَعَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي الْعِيدَيْنِ فَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى، ثُمَّ قَرَأَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ فَكَبَّرَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ وَكَبَّرَ».

 [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (111)، وَهُوَ صَحِيحٌ].

   وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعٌ وَخَمْسٌ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (5721) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ].

   وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (5724) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ].

    وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: «وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ فِي صَلَاةِ الْأَضْحَى وَصَلَاةِ الْفِطْرِ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَيُكَبِّرَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (106)، وَهُوَ حَسَنٌ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: «كَمْ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ؟» فَقَالَ: «سَبْعٌ وَخَمْسٌ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ: أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى ثُمَّ يَقْرَأَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْكَعَ، ثُمَّ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُكَبِّرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقْرَأَ فَيُكَبِّرَ وَيَسْجُدَ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (107) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «نَعَمْ، ارْفَعْ يَدَيْكَ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (137) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: «فَأَرْفَعُ يَدِي كَرَفْعِي فِي تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «نَعَمْ، ارْفَعْ يَدَيْكَ مَعَ كُلِّهِنَّ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (136)بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   فالخلاصة:

   أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي رُوِيَتْ فِي عَدَدِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ - عَلَى كَثْرَةِ أَلْفَاظِهَا وَتَنَوُّعِهَا - لَمْ تَزِدْ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَخَمْسٍ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.

    وَأَنَّ الْآثَارَ الْمَوْقُوفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا جَاءَ فِي كَلَامِ التَّابِعِينَ، وَاعْتِمَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ لِلْحُكْمِ، وَقَبْلَهُمَا الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

    قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْكَبِيرِ (ص / 94): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ - يَعْنِي: حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ - فَقَالَ: «لَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، وَبِهِ أَقُولُ». وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ.

 

     وَأخيرًا: فائدةٌ حديثيَّة في اجتماع العيد والجمعة:

   فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَنْ لَا تُقْبَلَ إِلَّا مِنَ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ، وَلِذَا فَإِنَّ أَغْلَبَ أُصُولِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تُوجَدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ تُوجَدُ تَفَاصِيلُ أَوْ زِيَادَاتٌ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي كُتُبِ السُّنَنِ لَمْ يُخْرِجْهَا الشَّيْخَانِ بِسَبَبِ خِفَّةِ شَرْطِ أَصْحَابِ السُّنَنِ فِي كُتُبِهِمْ.

   فَلَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ ضَعِيفِ الضَّبْطِ، أَوِ الْمُخْتَلِطِ، أَوِ الْمُدَلِّسِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَارِدٌ فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ.

    وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الْخَطَأِ مَا يُعْرَفُ بـ«سُلُوكِ الْجَادَّةِ»، حَيْثُ يَرْوِي ضَعِيفُ الضَّبْطِ حَدِيثًا بِإِسْنَادٍ عَلَى مَتْنٍ مُخَالِفٍ لِلصَّحِيحِ، لَا عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ، بَلْ بِسَبَبِ ضَعْفِ حِفْظِهِ وَيَقَظَتِهِ.

   وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ: حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ مَنْ صَلَّى الْعِيدَ بَيْنَ الْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ وَالِانْصِرَافِ.

   لَكِنَّ أَبَا دَاوُدَ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ.

   فَيَأْتِي رَاوٍ ضَعِيفٌ كَمَنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَسْلُكُ الْجَادَّةَ، فَيَخْلِطُ وَيَرْوِي حَدِيثَ تَخْيِيرِ الْمُصَلِّينَ بَيْنَ شُهُودِ خُطْبَةِ الْعِيدِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهَا، وَنَصُّهُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّفَ فَلْيَتَخَلَّفْ»، مَعَ حَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ صَلَّى الْعِيدَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِعَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ فِعْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُثْمَانَ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَالِيَةِ فَقَطْ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَالِيَةِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ، فَالْجُمُعَةُ فِي حَقِّهِمْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

   فَمَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ أَدْخَلَ حَدِيثَ خُطْبَةِ الْعِيدِ فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ خَطَأً.

   وَضَعْفُ مَنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورٌ، لَكِنَّهُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَيَأْتِي الْمُدَلِّسُونَ كَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُشَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا، فَيُدَلِّسُونَ عَنْ هَذَا الضَّعِيفِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى نَقْلِ حَدِيثِهِ.

    فَيَظُنُّ الْمُحَقِّقُ الَّذِي لَمْ يَجْمَعْ طُرُقَ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ لِكَثْرَةِ مَخَارِجِهِ، فَيُصَحِّحُهُ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي أَصْلِهِ خَطَأٌ نَتَجَ عَنْ ضَعْفِ الرَّاوِي وَسُلُوكِهِ الْجَادَّةَ، فَأَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

    وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ صَلَّاهُمَا جَمِيعًا.

   وَمَا دُونَ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

                                   


الجمعة، 15 مايو 2026

مولد سيدهم العوضي!

 

مولد سيدهم العوضي!

    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

   فإنِّي وقفتُ حائرًا أمام هذا المشهد العجيب: كيف استطاع رجلٌ سفيهٌ، لا تخطئه عينٌ؛ أن يخدع هذا الجمعَ الكبير من الناس، والمفترض أنَّ فيهم من العقلاء وأصحاب التمييز؟!
   وكيف أقنعهم بنظامٍ غذائيٍّ مخترَع، جعله دينًا يُوالَى ويُعادَى عليه، من غير دليلٍ من عقلٍ ولا نقل؟
 

   ولستُ أُسمِّي نظامه الغذائي هذا بالطيِّبات؛ لأنَّ الطيِّباتِ معروفةٌ في الشريعة، فكلُّ ما أباح الشرعُ أكلَه فهو طيِّبٌ حلالٌ، وفيه منفعةٌ للناس، وكلُّ ما حرَّمه الشرعُ، كلحمِ الخنزير، ولحمِ كلِّ ذي نابٍ من السباع أو ذي مخلبٍ من الطير، إلَّا ما استثنته السنَّة، فهو من الخبائث، قال سبحانه في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}.

    ثم يخرج علينا هذا الرجل، فيحرِّم على الناس أكل الدجاجَ، والبيضَ بزعم أنهما قذر، وأكلة قذرة، ويمنعهم من أكل الخضروات لأنها بزعمه أكل الحيوانات، ويمنع أمور كثيرة مما أباحه الله لهم، وفي المقابل يُهوِّن من شأن الدخان، بل يزعم أنَّ المدخنين لم يُصابوا بكورونا! ثم لا يكتفي بهذا الحدِّ من العبث، بل يصرِّح بأنَّ الذي لا يشرب الدخان ناقصُ الرجولة!

   وقد اتَّفق العقلاء -قبل الأطبَّاء- على ضرر شرب الدخان؛ بل إنَّ الشركات المصنِّعة نفسها تكتب على أغلفته أنَّه سببٌ رئيسٌ في سرطان الرئة وأمراض القلب وغير ذلك من المهالك.

   فكنتُ أتساءل: أين عقول أتباعه؟ وكيف لم يظهر لهم تناقضُه وخفَّةُ عقلِه؟ وكيف يقبلون منه أن يُحرِّم عليهم ما أحلَّه الله بلا برهانٍ ولا بيِّنة؟

    فهو يمنعهم من اللبن، ويُبيح لهم الجبن المصنوع منه!

   ويمنعهم من البيض، ثم يسمح لهم بالمايونيز المصنوع من البيض!

  ويمنعهم من المكرونة، ثم يسمح لهم بلسان العصفور، مع أنَّ الفرق بينهما في الشكل فقط، وأمَّا المادَّة فواحدة!

  ويمنعهم من بعض الفواكه الطبيعيَّة، ثم يسمح لهم بالعصائر الصناعيَّة المليئة بالمواد الحافظة والسكريات المصنَّعة!

  فإن قيل: إنَّه يمنع الفاكهة لأنَّها تُرشُّ بالكيماويات؛ والسؤال: فهل العصائر تُصنع من فاكهةٍ نزلت من السماء ولم تُرشَّ؟!
  بل هذه العصائر نفسها مكتوبٌ عليها أنَّها تحتوي على موادَّ حافظةٍ كيميائيَّة، فتحقق الضرر منها متحقق أكثر من الفاكهة التي يظن بلا بينة أنها مرشوشة!

   ويمنعهم من أكل البطيخ، ولا يمنعهم من العنب، مع أنَّهما خرجا من أرضٍ واحدة، وسُقِيا بماءٍ واحد!    ويمنعهم من البسبوسة المصنوعة في البيت، ثم يسمح لهم ببسبوسة المحلَّات، ويوصي «بسبوسة تسيباس»!

    زعمه أنَّ الدجاج ممنوعٌ لأنَّه يُربَّى على علفٍ غير صحيٍّ، فالأبقار كذلك تعيش في البيئة نفسها وتأكل العلف نفسه؛ فما وجه التفريق بينهما؟!

    ثم يبلغ التناقض غايتَه حين يمنع أتباعه من المانجو والبطيخ، ويروِّج لهم في المقابل «النوتيلا»، وكأنَّها منزَّلةٌ من السماء لا صناعةٌ تجاريَّة!.
   والعجيب أن النوتيلا شركةٌ إيطاليَّة لها فروع في الشرق الأوسط ومبيعاتها ضخمة في الخليج، إلا أنها لم تجد مقرًّا رئيسيًّا لها في الشرق الأوسط إلا في دولة اليهود!.
    فهل من الطيبات ترك المقاطعة؟!

   وكلُّ هذه التناقضات يقدِّمها لأتباعه على أنَّها «نظامٌ طبِّيٌّ محكم»، من غير دراسةٍ منشورة، ولا برهانٍ علمي، ولا تفسيرٍ واضحٍ لعلَّة المنع والإباحة.

    بل إذا سُئل عن سبب هذا التفريق قال بمنتهى العبث: «مزاجي! أنا الذي وضعتُ النظام، وأضع فيه ما أريد!».

    فكانت حيرتي في الحقيقة، ليست من شخص هذا الطبيب؛ فهو عندي رجلٌ سفيهٌ نرجسيٌّ، تلاعَب به الشيطان.

   وإنَّما كانت الحيرة الحقيقية من أتباعه: كيف سلَّموا له عقولهم هذا التسليم العجيب، حتى صار الواحد منهم يتلقَّى كلامه كأنَّه وحيٌ لا يُناقَش، مع أنَّ بعضهم قد يجادل في سننٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ثم زال عنِّي هذا العجب حين ناقشتُ أحد أتباع هذا النظام، فسألتُه: ما دليل هذا الرجل على المنع والسماح؟ وكيف يحرِّم على الناس ما أحلَّه الله بلا حجَّة؟

   فقال لي كلمةً كشفت حقيقة الأمر كلَّه: «لو جرَّبتَ النظامَ لعرفتَ أنَّه صح!».

    فعندها فهمتُ أنَّ القوم أسرى لعبارة: «مَن ذاق عرف».
    وأنَّ المسألة لم تعد مسألة طبٍّ أو علم، بل تحوَّلت إلى حالةٍ أقرب إلى الطرق الصوفيَّة المغالية؛ فالعوضي عندهم ليس طبيبًا، بل شيخُ طريقة، وأتباعه ليسوا مرضى، بل مريدون، لا يملكون أمامه اعتراضًا ولا نقاشًا.

   فصاروا كما في أدبيات الصوفية الغلاة "كالميِّت بين يدي مُغسِّله"

    ولم يبقَ إلا أن نسمع بعضهم يقول: «مدد يا سيدي العوضي»، ثم يجعلون يوم وفاته مولدًا يُحتفل به، ولا أستبعد ـ مع هذا الغلوِّ ـ أن يُبنى على قبره مسجد!

   ومن تمام البيان أن يُذكر ما صدر عن هذا الرجل من كلامٍ خطيرٍ في باب العقيدة، ممَّا لو ثبت عليه بعد إقامة الحجَّة وبيان المحجَّة، لكان كفرًا صريحًا.

   ومن ذلك كلامُه في تعدُّد الآلهة، وزعمه أنَّ الله خلق أهل الجنَّة وأهل النار على هيئة الإله مخلَّدين!

    وهذه عقيدةٌ كفريَّةٌ قديمة، كان يدعو إليها "الحلاج" هذا الصوفيُّ الزنديق، الذي قُتل على زندقته، والعوضي كان يروِّج لهذه المعاني في أثناء حديثه عن ارتباط نظامه الغذائيِّ بالقرآن، وأنَّه مستوحًى منه.

    وقد نُشر هذا الكلام في لقاءٍ مطوَّل بعنوان: «الدين في عقل مؤسِّس نظام الطيِّبات».

   وعليه: فإنَّ أهل العلم بالشريعة يحكمون على مثل هذا الكلام ـ إن ثبت عليه قائله بعد إقامة الحجَّة عليه ـ بأنَّه من الكفر والرِّدَّة.

    أمَّا هذا الرجل بعينه، فلم تحصل له مناظرةٌ شرعيَّة، ولم تُقَم عليه الحجَّة حتى مات، فهو الآن بين يدي الله، ولا نحكم عليه بجنَّةٍ ولا نار.

    وإنَّما ذكرتُ هذا كلَّه تحذيرًا للناس من هذه الانحرافات، وحتى لا يُظنَّ أنَّها من الحقِّ أو من الدين، بل هي من الزندقة والقول على الله بغير علم.

   قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

   كما إنَّ من أخطر ما رأيتُه في أتباع هذا الرجل أنَّ بعضهم صار يحتجُّ له بآياتٍ نزلت في الرسل، فيردُّ على مَن اعترض على نظامه بقول الله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.

    وهذا -والله- من أخطر أبواب الفتنة؛ إذ بعده لا يُؤمَن أن يُصدِّق الناسُ أدعياء النبوَّة والدجَّالين، كما صدَّقت طائفةٌ منهم «رشاد خليفة»، في التسعينات، مع أنَّ فتنتَه كانت أهون من فتنة سيِّدهم العوضي.

وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

وكتب

أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 28 / ذي القعدة / 1447 ه
15 / 5 / 2026