تَنْبِيهُ الأَنَامِ إِلَى
مُخَالَفَةِ نِظَامِ طَيِّبَاتِ الْعَوَضِيِّ لِشَرِيعَةِ الإِسْلَامِ
الحَمْدُ
للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا
بَعْدُ:
فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَكْمَلَ لِهَذِهِ
الْأُمَّةِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهَا النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَهَا الْإِسْلَامَ
دِينًا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
{الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ
دِينًا}.
وَقَدْ خَطَبَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَوْعِظَةٍ ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا
الْقُلُوبُ، وَأَوْصَاهُمْ فَقَالَ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا،
لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا
كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
الْمَهْدِيِّينَ». [رواه أحمد وابن حبان،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح].
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
«تَرَكَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا طَائِرٌ يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا عِنْدَنَا مِنْهُ عِلْمٌ».
قَالَ أَبُو حَاتِمِ ابْنُ
حِبَّانَ: مَعْنَى «عِنْدَنَا مِنْهُ عِلْمٌ » أَيْ: مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ،
وَأَخْبَارِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِبَاحَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
فَلَمْ يَدَعْ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَيْرًا إِلَّا دَلَّنا عَلَيْهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا حَذَّرَنا مِنْهُ،
وَقَدْ قِيلَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ
شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟» فَقَالَ: «أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ
نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ
أَوْ بِعَظْمٍ». [متفق عليه].
فَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تَرَكَ الْأُمَّةَ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَالْمِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، الَّتِي
لَا اشْتِبَاهَ فِيهَا، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِيهَا ضَعْفٌ: «لَقَدْ أَتَيْتُكُمْ
بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، فَلَا تَتَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ».
أَيْ: لَا تَتَحَيَّرُوا فِي دِينِكُمْ، وَلَا
تَنْخَدِعُوا بِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَالِاكْتِشَافَ، وَهُوَ فِي
الْحَقِيقَةِ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ هُدًى وَلَا بَرْهَانٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى كَمَالِ
هَذَا الدِّينِ وَشُمُولِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى بَيَانِ مَا يُصْلِحُ أَمْرَ
الْآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ بَيَّنَ أَيْضًا مَا يُصْلِحُ أَمْرَ الدُّنْيَا، وَدَلَّ
النَّاسَ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ،
قَالَ تَعَالَى: {مَا
فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.
فَلَمْ تُهْمِلِ الشَّرِيعَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ
النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ وَمَا يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ، فَدَلَّنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ
فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْحَلَالِ الطَّيِّبِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَجَاءَتِ
السُّنَّةُ بِالتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ لِبَيَانِ الطَّيِّبَاتِ وَالْخَبَائِثِ مِنَ
الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
فإذا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كما مر، قَدْ بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ آدَابَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفَصَّلَ لَهَا أَحْكَامَهَا،
فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهُ أَهْمَلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْوَاتِ النَّاسِ وَأَغْذِيَتِهِمْ
وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُفَصِّلَةً لِذَلِكَ
أَتَمَّ تَفْصِيلٍ.
وقد جَعَلَ اللهُ الْأَصْلَ فِي الْمَطْعُومَاتِ
الْحِلَّ وَالطِّيبَ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيمَ وَالْمَنْعَ،
وَلِهَذَا جَاءَتْ نُصُوصُ الْوَحْيِ بِذِكْرِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ
وَالْبَيَانِ؛ لِقِلَّتِهَا، وأَمَّا الْحَلَالُ فَهُوَ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}.
فَمِنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ الْأَكْلُ مِنْ
ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَمَا عِنْدَ
الْبُخَارِيِّ: «طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ».
قَالَ الْإِمَامُ الزُّهْرِيُّ: «لَا بَأْسَ
بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللهِ فَلَا
تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ».
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا
لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ
غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
فَتَأَمَّلْ
كَيْفَ أَبَاحَ اللهُ الطَّيِّبَاتِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، ثُمَّ خَصَّ الْمُحَرَّمَاتِ
بِالذِّكْرِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَلَالَ هُوَ الْأَصْلُ، وَأَنَّ الْحَرَامَ
مُسْتَثْنًى مِنْهُ.
ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ
لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ
يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ
فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
فَهَذِهِ
الْآيَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ وَمَا
يَحْرُمُ، وَلَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ لِأَهْوَاءِ النَّاسِ وَلَا لِدَعَاوَى
الْمُدَّعِينَ
وَلَا لِتَجَارِبِ الْمُتَفَلْسِفِينَ.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا
أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ أَصْنَافٍ أُخْرَى
مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَالْمُنْخَنِقَةُ هِيَ الشاة أو ما يصلح للأكل تَمُوتُ بِالْخَنْقِ،
وَالْمَوْقُوذَةُ هِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى تَمُوتَ،
وَالْمُتَرَدِّيَةُ هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَوْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَتَمُوتُ،
وَالنَّطِيحَةُ هِيَ الشَّاةُ تَنْطَحُهَا شَاةٌ أُخْرَى فَتَمُوتُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} أَيْ: مَا افْتَرَسَهُ السَّبُعُ مِنَ الذِّئَابِ وَنَحْوِهَا
مِنَ الضَّوَارِي.
وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:
«فَمَا أَدْرَكْتَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ تَتَحَرَّكُ لَهُ ذَنَبٌ، أَوْ تَطْرِفُ لَهُ
عَيْنٌ، فَاذْبَحْ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ».
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ
عَلَى النُّصُبِ}، فَهُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْأَنْدَادِ وَالطَّوَاغِيتِ،
كَهَذِهِ الذَّبَائِحِ الَّتِي تُذْبَحُ عَلَى أَعْتَابِ الْأَضْرِحَةِ وَالْقُبُورِ،
طَلَبًا لِلْمَدَدِ مِنْ أَصْحَابِهَا وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ، فَهَذِهِ مَيْتَةٌ
مُحَرَّمَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا.
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ
الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللهِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَكُلُوا
مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا
لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ
مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ
بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}.
وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنِ الْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ
فِي هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، فَلَا يُتَجَاوَزُ فِيهَا
مَا شَرَعَ، وَلَا يُحَرَّمُ مِنْهَا مَا أَحَلَّ، وَلَا يُسْتَدْرَكُ عَلَى الشَّارِعِ
فِيهَا بِرَأْيٍ أَوْ هَوًى، قَالَ سُبْحَانَهُ: {كُلُوا
مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ الْمُحْكَمَاتُ تَدُلُّ أَوْضَحَ
دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَتْرُكْ أَمْرَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ
لِآرَاءِ النَّاسِ وَتَخْمِينِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ، وَالْحَلَالَ
مِنَ الْحَرَامِ، وَفَصَّلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْصِيلًا لَا يَدَعُ لِمُتَأَوِّلٍ شُبْهَةً، وَلَا لِمُبْتَدِعٍ
مَدْخَلًا، حَتَّى صَارَ هَذَا الْبَابُ مِنْ أَبْيَنِ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ وَأَظْهَرِهَا،
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ سُئِلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ
اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ
عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي بَابِ الْمَطَاعِمِ
وَالْمَشَارِبِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعَاوَى مُحْدَثَةٍ، وَلَا إِلَى
تَقْسِيمَاتٍ مُخْتَرَعَةٍ.
فَإِنْ أَتَى رَجُلٌ فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ
شَيْئًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ، وَجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ قُرْبَةً
يَتَعَبَّدُ بِهَا إِلَى اللهِ، فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، وخالف سبيل المؤمنين.
فَفِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ جَاءُوا
يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا
أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي
أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ،
وَقَالَ الثَّالِثُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ:
لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ
قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ
النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ
عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ تَعَبُّدًا وَتَدَيُّنًا، مُعْتَقِدًا
أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ، فَقَدْ خَالَفَ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبتدع، وأنه يأثم بفعله هذا.
وهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ طَعَامًا مُبَاحًا
لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْسِيمِ أَرْزَاقِ اللهِ إِلَى طَيِّبَاتٍ
وَخَبَائِثَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ، ثُمَّ يَنْسِبُ ذَلِكَ إِلَى الشَّرْعِ،
وَيَجْعَلُ نِظَامَهُ الْمُخْتَرَعَ هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْأَطْعِمَةُ؟
فَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَيَعِيبُ مَا
امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَيَصِفُ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ بِأَقْبَحِ الْأَوْصَافِ،
فَيَقُولُ عَنِ الدَّجَاجِ: إِنَّهُ قَذَرٌ، أَوْ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْآدَمِيِّينَ!
وَقَدْ كَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ
اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ
الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، فَلَمَّا مُدَّتْ يَدُهُ إِلَيْهِ أُخْبِرَ أَنَّهُ ضَبٌّ، فَأَمْسَكَ
يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ
قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، فَأَكَلَهُ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ.
فَلَمْ
يَسْتَسِغْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْهُ،
وَلَمْ يَعِبْهُ، وَلَمْ يَمْنَعِ النَّاسَ مِنْ أَكْلِهِ.
وَنَحْنُ لَا نَتَكَلَّمُ هُنَا عَنْ مَسْأَلَةٍ
طِبِّيَّةٍ، وَلَا عَنْ مَنْفَعَةِ طَعَامٍ أَوْ مَضَرَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ،
وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَمَّنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ دِينًا، وَيُحَرِّمُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
مَا أَحَلَّهُ اللهُ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى
غَيْرِ وَجْهِهَا.
ثُمَّ إِذَا جَاءَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ
هَوَاهُ، لَمَّحَ إِلَى الطَّعْنِ فِي رَاوِيهِ، أَوْ شَكَّكَ فِي مَدْلُولِهِ، وَهَذَا
مَسْلَكٌ خَطِيرٌ
يَفْتَحُ
بَابَ التَّشْكِيكِ فِي السُّنَّةِ وَنَقَلَتِهَا، وهذا من النفاق والزندقة عياذا بالله.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ
أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا
وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {قُلْ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.
وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ هُنَاكَ سِرًّا
مَجْهُولًا فِي بَابِ الْغِذَاءِ لَمْ تَعْرِفْهُ الْأُمَّةُ إِلَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ،
أَوْ أَنَّ النَّاسَ ظَلُّوا قُرُونًا يَتَخَبَّطُونَ فِي مَطَاعِمِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ
حَتَّى جَاءَهُمْ مَنْ يَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُطْرَحُ الْيَوْمَ مِنَ
الْأَنْظِمَةِ الْغِذَائِيَّةِ، وَدَعَاوَى الشِّفَاءِ بِالْجُوعِ، أَوِ الِامْتِنَاعِ
عَنْ أَصْنَافٍ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، لَيْسَ فِيهِ جَدِيدٌ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا
الْجَدِيدُ هُوَ تَلْبِيسُهُ عَلَى النَّاسِ بِثَوْبِ الدِّينِ، وَإِظْهَارُهُ فِي
صُورَةِ الْهُدَى الَّذِي غَفَلَتْ عَنْهُ الْأُمَّةُ، وحاربته مافيا الأدوية
والحكومات.
وَالْحَقُّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَضَعَ
لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَصْلًا عَظِيمًا يَحْفَظُ عَلَيْهَا دِينَهَا وَأَبْدَانَهَا،
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
فَهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ جَمَعَتْ أُصُولَ
التَّغْذِيَةِ الصَّحِيحَةِ كُلَّهَا؛ فإِبَاحَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَنهتِ عن
الْإِسْرَافِ وَالتَّعَدِّي، فَلَا حِرْمَانَ مُبْتَدَعٌ، وَلَا شَرَهَ مُهْلِكٌ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ أَطِبَّاءُ الْأَرْضِ مُنْذُ
خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا
قَاعِدَةً تَجْمَعُ مَصْلَحَةَ الْإِنْسَانِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَلَنْ يَتَجَاوَزُوا
مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ،
بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ
يُقِمْنَ
صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ،
وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». [قال الترمذي: حديث حسن
صحيح].
فَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ
الْوَاضِحِ حَاجَةٌ إِلَى مَنْ يَأْتِي فَيَخْتَرِعُ دِينًا جَدِيدًا فِي الْمَطَاعِمِ
وَالْمَشَارِبِ، أَوْ يَجْعَلُ النَّجَاةَ فِي تَرْكِ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَيُصَوِّرُ
لِلنَّاسِ أَنَّ الصِّحَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ نِظَامِهِ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ
قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ مَرَضٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَأَخُّرِ الشِّفَاءِ مِنْهُ،
فَمَرِيضُ النِّقْرِسِ قَدْ يَتَأَذَّى مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ اللُّحُومِ، وَصَاحِبُ
الْحَسَاسِيَّةِ قَدْ يَتَأَذَّى مِنْ بَعْضِ الْفَوَاكِهِ أَوِ الْأَعْشَابِ، وَهَذَا
أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ.
وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي تَحْوِيلِ هَذِهِ
الْحَالَاتِ الْخَاصَّةِ إِلَى أَحْكَامٍ عَامَّةٍ، ثُمَّ جَعْلِهَا مِيزَانًا يُحْكَمُ
بِهِ عَلَى طَعَامِ الْمُسْلِمِينَ
كُلِّهِمْ، فَيُقَالُ عَنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ: إِنَّهَا خَبِيثَةٌ، أَوْ مُهْلِكَةٌ، أَوْ لَيْسَتْ مِنْ
طَعَامِ الْآدَمِيِّينَ.
وَهَذَا فِي حَقِيقَتِهِ طَعْنٌ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ
هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْبَشَرِ.
وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا، بَلْ أُضْفِيَتْ
عَلَى هَذِهِ الْأَنْظِمَةِ هَالَةٌ دِينِيَّةٌ، فَصَارَ يُسْتَدَلُّ لَهَا بِالْقُرْآنِ
وَالسُّنَّةِ، لِيُوهَمَ النَّاسُ أَنَّهَا وَحْيٌ مُؤَيَّدٌ، أَوْ أَنَّهَا التَّفْسِيرُ
الصَّحِيحُ لِآيَاتِ الْكِتَابِ وَأَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ لَا
تَدُلُّ عَلَى مَا يَدَّعُونَ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى مَعَانٍ لَمْ يَقُلْ بِهَا
أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِتُوَافِقَ النَّتِيجَةَ الْمُرَادَةَ سَلَفًا.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ خَطِيرَةٌ؛
فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ النَّتِيجَةَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَحَثَ عَمَّا يُؤَيِّدُهَا مِنَ
النُّصُوصِ، فَقَدْ جَعَلَ الْوَحْيَ تَابِعًا لِهَوَاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ هَوَاهُ
تَابِعًا لِلْوَحْيِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ صُوَرِ التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ
الشَّرْعِيَّةِ، وَحَمْلِهَا عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَنْ يُجْعَلَ
التَّخَنُّثُ وَالتَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصِفَاتِهِمْ.
فَصَاحِبُ هَذَا النِّظَامِ الْغِذَائِيِّ الجديد
يجهر بِشُرْبِ الدُّخَانِ، وَلُبْسِ الْحُلِيِّ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِهَا النِّسَاءُ،
فَيَضَعُ السَّلَاسِلَ فِي عُنُقِهِ، وَالْأَسَاوِرَ فِي يَدَيْهِ، وَيَتَبَاهَى بِذَلِكَ،
فَلَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَسْلَكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي
أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يُحَلَّوْنَ بِالْأَسَاوِرِ.
وَهَذِهِ
طَرِيقَتُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ يَنْزِعُ النَّصَّ مِنْ
سِيَاقِهِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُجَّةً لِمَا
يُرِيدُ.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ مَا فِي هَذَا
النِّظَامِ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَغْلَاطِ الْبَيِّنَةِ، وَجَدْنَا
مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا.
فَمِنْ أَظْهَرِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ
أَكْلَ الدَّجَاجِ وَالْبَيْضِ، وَوَصْفُهُ لَهُمَا بِالْقَذَارَةِ، وَزَعْمُهُ أَنَّ
الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ بَنِي آدَمَ، وَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْرِفُوا أَكْلَهُ
إِلَّا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ
قَالَ: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}، زَعَمَ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنَ
الطُّيُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطِيرُ، وَأَمَّا الْحَمَامُ فَيَطِيرُ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ
بِالْآيَةِ عَلَى حَدِّ زَعْمِهِ.
وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْبَاطِلِ وَأَظْهَرِهِ؛
فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الدَّجَاجِ مِنَ الطُّيُورِ أَمْرٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ،
وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَا أَهْلُ الْعِلْمِ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَلَوْ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي مَسَائِلَ طِبِّيَّةٍ،
أَوْ ادَّعَى وُجُودَ أَضْرَارٍ فِي نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّرْبِيَةِ أَوِ الْأَعْلَافِ،
لَكَانَ ذَلِكَ مَحَلَّ بَحْثٍ وَنَظَرٍ، أَمَّا أَنْ يُنْكِرَ أَنَّ الدَّجَاجَ مِنَ
الطُّيُورِ، وَأَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ، فَهَذَا مِمَّا
يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعَاقِلُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرَدِّدُهُ مِنْ دَعَاوَى
لَا خِطَامَ لَهَا وَلَا زِمَامَ، مِنْ أَنَّ آكِلَ الدَّجَاجِ يَخَافُ مِنَ الظَّلَامِ،
أَوْ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَنْ يُطَارِدُهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي
لَا يَقُومُ عَلَى بُرْهَانٍ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ عِلْمٌ وَلَا تَجْرِبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.
وَأَمَّا حُكْمُ أَكْلِ الدَّجَاجِ فِي الشَّرِيعَةِ،
فَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الْوَاضِحَاتِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا
بَيْنَ
أَهْلِ الْعِلْمِ.
بَلْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الدَّجَاجَ وَالْبَيْضَ مِمَّا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْقُرَبَاتِ
وَالطَّاعَاتِ، فَقَالَ فِي الْمُبَكِّرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ
رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً». [متفق
عليه].
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَأْكُلُ دَجَاجًا».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا امْتَنَعَ
مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: «كُلْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُهُ».
وَقَدْ كَانَ الدَّاجِنُ يُرَبَّى فِي بُيُوتِ
الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي
وَصْفِ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ
أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأَى غِلْمَانًا نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَقَالَ:
«نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ».
وَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِبَاحَةِ أَكْلِ
الدَّجَاجِ، وَبَوَّبَ الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي «سُنَنِهِ» بَابًا قَالَ فِيهِ:
«بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الدَّجَاجِ»، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ
عَلَى ذَلِكَ.
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» أَنَّ
يَحْيَى بْنَ عُمَرَ سَأَلَ نَافِعًا: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصِيبُ دَقَّ هَذَا الطَّعَامِ؟
فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَالْفِرَاخَ.
فَيُسْأَلُ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَكَانَ يَأْكُلُ
مِنْ لَطِيفِ الطَّعَامِ وَمُسْتَحْسَنِهِ وَمَا يَتَنَعَّمُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَ
نَافِعٌ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَالْفِرَاخَ». فَعَدَّ الدَّجَاجَ
مِنَ الْأَطْعِمَةِ الْمُسْتَطَابَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، لَا مِنْ
طَعَامِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَمَا يَزْعُمُ
هَؤُلَاءِ.
فَبَعْدَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، يَتَبَيَّنُ
أَنَّ الدَّجَاجَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ،
وَأَنَّ وَصْفَهُ بِالْخَبَثِ أَوِ الْقَذَارَةِ، أَوِ الزَّعْمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ
مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ، دَعْوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنْ شَرْعٍ وَلَا
مِنْ عَقْلٍ.
وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ هَذَا النِّظَامُ شُرْبَ اللَّبَنِ،
وَيَزْعُمُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ ضَارٌّ بِالْإِنْسَانِ، وَأَنَّ اللهَ خَلَقَهُ لِصِغَارِ
الْبَهَائِمِ وَالْعُجُولِ فَقَطْ، كَمَا يُرْضَعُ الطِّفْلُ فِي صِغَرِهِ، بَلْ يَبْلُغُ
بِبَعْضِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى وَصْفِ اللَّبَنِ بِأَنَّهُ سُمٌّ لِلْبَشَرِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ
صَاحِبُ هَذَا النِّظَامِ، بَلْ هُوَ مِمَّا يَتَدَاوَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ دَجَّاجلة
التَّخْسِيسِ وَأَصْحَابِ الْأَنْظِمَةِ الْغِذَائِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَمْنَعُ اللَّبَنَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ سُمٌّ، ثُمَّ يُبِيحُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَجْبَانِ الْمُصَنَّعَةِ كَالْشِّيدَرِ وَالْجُبْنِ الْمُثَلَّثَاتِ وَنَحْوِهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْمُنْتَجَاتِ إِنَّمَا أَصْلُهَا اللَّبَنُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ سُمٌّ. وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِّ مَنْ بَنَى أَقْوَالَهُ عَلَى الْهَوَى وَالتَّقْلِيدِ وَالدَّعَاوَى الْمُجَرَّدَةِ؛ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
فَهَلِ
اللَّبَنُ كَمَا يَزْعُمُونَ سُمٌّ وَضَرَرٌ، أَمْ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؟
والجواب:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ
لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ
فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}.
فَجَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَ اللَّبَنِ
آيَةً مِنْ آيَاتِهِ، وَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ،
وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ خَالِصٌ سَائِغٌ لِلشَّارِبِينَ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ بَعْدَ هَذَا
الْوَصْفِ الرَّبَّانِيِّ سُمًّا وَخَبِيثًا وَمِمَّا لَا يَصْلُحُ لِلْبَشَرِ؟
وَفِي
الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ نَفَرًا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاسْتَوْخَمُوا جَوَّهَا وَمَرِضُوا،
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا
إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا»، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا.
فَكَانَ ممَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّدَاوِي شُرْبُ أَلْبَانِ الْإِبِلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ: «أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضِبَابًا
وَأَقِطًا وَلَبَنًا، فَشَرِبَ اللَّبَنَ وَأَكَلَ الْأَقِطَ». وَالْأَقِطُ هو لبن
مخفف.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ مَقْصُورًا عَلَى أَلْبَانِ
الْإِبِلِ وَالْمَعْزِ، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ لَبَنٍ تَحَقَّقَ فِيهِ الْوَصْفُ الَّذِي
ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ:
{لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}،
أَيْ: سَهْلًا فِي شُرْبِهِ، مُسْتَمْرَأً لِشَارِبِهِ، لَا يَغَصُّ بِهِ وَلَا يَشُقُّ
عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ، ولا يسبب الشَّرْق، فجميع الألبان داخلة فِي هَذِهِ الْمِنَّةِ
الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي أَلْبَانِ
الْبَقَرِ شِفَاءٌ». [رواه النسائي والحاكم،
وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم].
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:
«أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ
فَتَمَضْمَضَ، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا». وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ اللَّبَنُ سُمًّا لِلْبَشَرِ كَمَا
يَزْعُمُونَ، لَمَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَلَمَا شَرِبَهُ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلَا جَعَلَهُ مِنْ
جُمْلَةِ مَا يَتَدَاوَوْنَ بِهِ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ، وَلَا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا
بِالطَّيِّبِ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ طَيِّبًا، فَلَبَنُهُ مِنْ
أَطْيَبِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَقَدْ امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْ تَنَاقُضِ أَصْحَابِ هَذَا النِّظَامِ أَنَّهُمْ
يَزْعُمُونَ أَنَّ الدَّجَاجَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى عَلَى الْعَلَفِ، ثُمَّ
يُبِيحُونَ لُحُومَ الْبَقَرِ وَنَحْوِهَا، مَعَ أَنَّ الْبَقَرَ مِنْ أَشْهَرِ الْحَيَوَانَاتِ
الَّتِي تَعْتَمِدُ فِي غِذَائِهَا عَلَى الْعَلَفِ. وَهَذَا مِنَ التَّنَاقُضِ الَّذِي
يَكْشِفُ فَسَادَ الْأَصْلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ هَذَا النِّظَامُ.
وَكَذَلِكَ مَنَعُوا أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ
الْخُضَرِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، كَالْخِيَارِ وَالْجَرْجِيرِ
وَغَيْرِهَا، وَزَعَمُوا أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ، لَا مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ.
وَمَا هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا دِينٌ مُحْدَثٌ
فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، يُقَابِلُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ
مِنَ التَّوْسِعَةِ فِي الطَّيِّبَاتِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ.
فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ
بِمَا أَخْرَجَ لَهُمْ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَجَعَلَهَا مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ
الَّذِي أَحَلَّهُ لَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَهُوَ
الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}.
وَقَالَ تَعَالَى: {يُنْبِتُ
لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا
تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ}.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا دَالَّةٌ
عَلَى أَنَّ مَا أَنْبَتَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
الَّتِي امْتَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ الَّذِي
لَا يَصْلُحُ لِلْبَشَرِ، كَمَا يَدَّعِيهِ أَصْحَابُ هَذِهِ الْأَنْظِمَةِ الْمُحْدَثَةِ.
وَأَمَّا أَكْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لِلْخُضَرِ وَالنَّبَاتَاتِ، فَثَابِتٌ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ
اللهِ عَلَيْهِمْ.
حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ فِي
«صَحِيحِهِ»: «بَابُ السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ».
وَالسِّلْقُ هُوَ النَّبَاتُ الْمَعْرُوفُ، ثُمَّ
روى حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ...»، وَفِيهِ أَنَّ
امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ تَجْعَلُ السِّلْقَ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ
عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ مَطْحُونٍ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ،
وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ سَهْلٌ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ: «وَاللهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ».
أَيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَمْنٌ وَلَا دُهُونُ الْحَيَوَانَاتِ،
وَإِنَّمَا كَانَ طَعَامًا مُكَوَّنًا مِنَ السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ، وَمَعَ ذَلِكَ
كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْرَحُونَ بِهِ وَيَنْتَظِرُونَهُ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ
غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ،
إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». [متفق
عليه].
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ، وَيَتَتَبَّعُهَا فِي الطَّعَامِ.
فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: «إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ
صَنَعَهُ...»، وَفِيهِ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ
الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ». قَالَ أَنَسٌ: «فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ
مِنْ يَوْمِئِذٍ». [أخرجه البخاري].
وَالدُّبَّاءُ
هُوَ الْقَرْعُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ الْيَقْطِينُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى
فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ}.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ
بِالْقِثَّاءِ». [متفق عليه].
وَالْقِثَّاءُ مِنَ النَّبَاتَاتِ الْمَعْرُوفَةِ،
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْخِيَارِ فِي صِفَاتِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:
«أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنَنِي، فَلَمْ أَقْبَلْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُ،
حَتَّى أَطْعَمَتْنِي الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السَّمَنِ».
[رواه أبو داود].
فَبَعْدَ هَذِهِ النُّصُوصِ، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ
الْخُضَرَ وَالزُّرُوعَ وَالنَّبَاتَاتِ مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ وَلَيْسَتْ مِنْ
طَعَامِ الْبَشَرِ؟! وَكَيْفَ يُجْعَلُ مَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَكَلَهُ
نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ أَوِ
الْمُسْتَقْذَرَةِ؟
وَأَمَّا مِنْ أَشْنَعِ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا
النِّظَامُ: الدَّعْوَةُ إِلَى تَرْكِ التَّدَاوِي، وَالزَّعْمُ أَنَّ جِسْمَ الْإِنْسَانِ
يُصْلِحُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ
عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ}.
وَهَذَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الْفَاسِدِ؛
فَإِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الشِّفَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ،
فَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْمَرَضَ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ، أَمَّا الْأَدْوِيَةُ وَالْعِلَاجَاتُ
فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى سَبَبًا لِلشِّفَاءِ.
وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّدَاوِي قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ
لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً». [رواه
ابن حبان].
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا
أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَدَاوَى
مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ وَالزَّيْتِ». قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ.
وَذَاتُ الْجَنْبِ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ
الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالطِّبِّ أَنَّهُ
يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُعْرَفُ فِي عَصْرِنَا بِبَعْضِ أَمْرَاضِ الصَّدْرِ وَالرِّئَةِ،
وَمِنْهَا مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ السُّلَّ. وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التَّدَاوِي مِنْهُ بِالْقُسْطِ البحري، أو القسط
الهندي.
فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَدْعُ إِلَى تَرْكِ التَّدَاوِي،
بَلْ أَمَرَتْ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ الشَّافِيَ عَلَى
الْحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ.
وَخِلَاصَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَحْوِيلَ الْأَكْلِ
وَالشُّرْبِ إِلَى قَضِيَّةِ هِدَايَةٍ وَضَلَالٍ، وَجَعْلَ النَّجَاةِ مُرْتَبِطَةً
بِنِظَامٍ غِذَائِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَالتَّضْيِيقَ فِي الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا
اللهُ، كُلُّ ذَلِكَ غَرِيبٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَهَدْيِ أَهْلِهِ.
فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ جَعَلَ الْأَصْلَ
فِي الْمَطَاعِمِ الْإِبَاحَةَ، وَجَعَلَ الطَّيِّبَاتِ نِعْمَةً وَمِنَّةً عَلَى الْعِبَادِ،
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ مَا
تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ اللُّحُومِ وَالثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، فَمَا
اشْتَهَوْهُ أَكَلُوهُ، وَمَا لَمْ يَشْتَهُوهُ تَرَكُوهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَلَا
تَشْدِيدٍ وَلَا ادِّعَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ.
فَهَذَا هُوَ هَدْيُ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا
مَا خَالَفَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، وَالتَّضْيِيقِ فِي مَا وَسَّعَ
اللهُ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ الَّتِي لَا
يَزِيدُهَا الزَّمَانُ إِلَّا انْكِشَافًا وَظُهُورًا.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 18 / ذي الحجة / 1447
4 / 6 / 2026.