تحقيق حديث:
"من
صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر"
الحمدُ
للهِ وحدَهُ، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَّ بعدَهُ، أمَّا بعدُ:
فقد قال الدكتور/ "بشَّارُ عوَّاد" منذُ
سنواتٍ كلامًا غيرَ موفَّقٍ في تضعيفِ حديثِ صيام السِّتِّ مِن شوال، قاله في سياقِ
كتابٍ مِن كتبِ التُّراثِ كان يُروِّجُ له بعدَ تحقيقِه.
ثمَّ بالأمسِ أرسلَ إليَّ أحدُ إخواني هذا الكلامَ
مرَّةً أُخرى، مشفوعًا بردٍّ مختصرٍ لأحدِ أفاضلِ أهلِ السُّنَّة.
فلمَّا سمعتُ كلامَ الدكتورِ مرَّةً أُخرى أحزنَني
جدًّا ما حوَتْهُ كلمتُه؛ وذلك لأنِّي بدأتُ أتيقَّنُ أنَّ هناك جُرأةً مِن بعضِ المنتسبين
إلى العلمِ على صحيحِ مسلم.
وهذه الجُرأةُ سببُها الجهلُ بهذا العلمِ الشريفِ، وأصولِه العتيقةِ التي قامَ عليها، مع أخطاءٍ منهجيَّةٍ فاضحةٍ قامتْ عليها هذه الرسائلُ الجامعيَّةُ للدكتوراهِ والماجستير، والتي في العادةِ تُبنى على مقرَّراتٍ موجودةٍ في كلامِ علماءَ متأخِّرين، يُتعامَلُ معها كأنَّها نصوصٌ معصومةٌ، مِن غيرِ إنزالِها على كلامِ العلماءِ المتقدِّمين، أو إخضاعِها للتجربةِ، والنظرِ في صنيعِ العلماءِ الأوَّلين مع مثلِ هذه النصوصِ والمقرَّرات.
وقد تولَّدَ عن ذلك تجهيلٌ، أو على الأقلِّ تهوينٌ، مِن منهجِ علماءِ الحديثِ الأوائل، وخاصَّةً جماعةً منهم مِن أصحابِ الكتبِ المسندة، كالإمامِ مسلمِ بنِ الحجَّاج، والتِّرمذيِّ، وابنِ حبَّان، والحاكمِ صاحبِ «المستدرك»، رحمهمُ اللهُ جميعًا.
ولأنَّ علمَ الحديثِ صنعةٌ لا يُتقنُها مَن درسَ
أصولَها فقط، بل مَن مارسَها سنواتٍ طويلةً، حتَّى تصيرَ له مَلَكَةٌ يُميِّزُ بها
كلامَ رسولِ اللهِ ﷺ مِن كلامِ غيرِه، ويُخالِطُ كلامَ أئمَّةِ الحديثِ والنَّقد،
ويستشفُّ خبايا منهجِ كلِّ واحدٍ منهم مِن كثرةِ معالجةِ كلامِه وأحكامِه؛ ليتكوَّنَ
عنده بعدَ ذلك التذوُّقُ، ويظهرَ له شيءٌ مِن الإلهامِ في هذا العلمِ المبارك، يستطيعُ
مِن خلالِه البحثَ عن مواطنِ العللِ ومظانِّها، ويبدأُ يرى -بما حصَّلَه- هذا النورَ
وهذه الظُّلمةَ التي أشارَ إليها التابعيُّ الجليلُ "الرَّبيعُ بنُ خَثيمٍ"
-رحمهُ اللهُ- في قولِه: «إنَّ مِن الحديثِ حديثًا له ضوءٌ كضوءِ النَّهارِ تعرفُه،
وإنَّ مِن الحديثِ حديثًا له ظُلمةٌ كظُلمةِ اللَّيلِ تُنكرُه».
فهذا أمرٌ لا يستطيعه الدكتورُ بشَّارٌ مِن خلالِ
دراستِه الأكاديميَّة، وقد صرَّحَ هو في كلمتِه.. بهذه الطَّريقةِ التي ينظرُ بها هؤلاءِ
إلى هذا العلمِ الشريف؛ فالرجلُ يصرِّحُ بأنَّ علمَ عللِ الحديثِ كالرِّياضيَّاتِ،
وما يُعرَفُ فيها بالتفاضلِ والتكامل، هكذا!.
فهذه حقيقةُ الرجلِ في التَّعاملِ مع هذا العلمِ
الشريف، بل هو -مع شديدِ الأسفِ- واقعُ كثيرٍ مِن المحقِّقينَ اليوم، الذين ظنُّوا
أنَّ خلاصةَ علمِ الحديثِ دراسةُ علمِ المصطلحِ، مع النَّظرِ في كتبِ الرِّجالِ والجرحِ
والتَّعديل.
وهذا -واللهِ- مِن البلاءِ العظيم، ومِن الجُرأةِ
على السُّنَّةِ وأهلِها، والأمرُ للهِ مِن قبلُ ومِن بعدُ.
فإنْ عُدنا إلى كلامِ الدكتورِ في تضعيفِ حديثِ
صيامِ السِّتِّ مِن شوال، نجدُه يُعرِّضُ بالإمامِ مسلمٍ بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ، وذلك
مِن خلالِ ذمِّ علماءِ القرنِ الثالثِ الهجريِّ ومَن بعدهم، لعدمِ عنايتِهم بعلمِ العلل،
في الوقتِ الذي يمدحُ فيه الإمامَ الدارقطنيَّ، وأنَّه إمامٌ في هذا الفنِّ، وكأنَّ
الإمامَ مسلمًا صاحبَ كتابِ «التمييز» ليس مِن أهلِ هذا الفنِّ؟!
ثمَّ ذكرَ عِلَّةَ حديثِ صومِ السِّتِّ مِن شوال
-الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه- فعدَّ مِن عللِه: أنَّ البخاريَّ لم يُخرِجْه، وأنَّ النَّسائيَّ
أخرجه موقوفًا، وأنَّه جاءَ عن الإمامِ مالكٍ -رحمهُ اللهُ- أنَّه لم يُدرِكْ أحدًا
يعملُ بهذا الحديث.
هكذا يتعاملُ الدكتورُ بشَّارٌ مع السُّنَّةِ النبويَّة،
ويغمزُ أئمَّتَها المتقدِّمين والمتأخِّرين، فقد تكلَّم أخيرًا في شيخِ الصَّنعةِ في
هذا العصر، الشَّيخِ الألبانيِّ -رحمهُ اللهُ-، وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون.
هذا، ومع أنَّ حديثَ صيامِ السِّتِّ مِن شوال يَظهرُ
عليه نورُ النبوَّة، وأنَّ كلَّ مَن تذوَّقَ السُّنَّةَ لا ينقدحُ في قلبِه ضعفُ الحديثِ،
أو أنَّ له عللًا خفيَّةً؛ غيرَ أنِّي أردتُ أن أقومَ بتحقيقِه خدمةً للسُّنَّة، وإظهارًا
لطريقةِ أئمَّةِ السُّنَّةِ في التَّعاملِ مع الأحاديث، ومنهجِهم في تخريجِها في مؤلَّفاتِهم،
وأنَّ هذا العلمَ الشريفَ كان عندهم لُحمةً واحدةً، يفهمونَه ويُطبِّقونَه قبلَ ظهورِ
هذه القواعدِ الجامدةِ في كتبِ المصطلحِ المتأخِّرة.
فطريقةُ تحقيقي لهذا الحديثِ طريقةٌ تعليميَّةٌ،
أردتُ بها تقريبَ علمِ علمائِنا الأوائل، ومنهجِهم في التَّعاملِ مع السُّنَّةِ النبويَّة،
واللهُ هو المعين، وهو حسبُنا ونِعمَ الوكيل.
وكتب
أبو صُهَيْبٍ
وليدُ بنُ سعد
القاهرة
11 / شوَّال / 1447هـ
30 /
3 / 2026م
بدايةُ
التحقيق:
عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ -رضيَ اللهُ عنه- أنَّ
رسولَ اللهِ ﷺ قال:
«مَن صامَ رمضانَ، ثمَّ أتبعَه ستًّا مِن شوَّالٍ،
كان كصيامِ الدَّهر».
أوَّلًا: هذا الحديثُ رواه مسلمٌ في «صحيحه»[1]
من ثلاثةِ طُرُقٍ، عن خمسةٍ من شيوخه:
1 ـ أبو
بكرِ بنُ أبي شيبة.
2 ـ محمدُ
بنُ عبدِ اللهِ بنِ نُميرٍ الهمداني.
3 ـ قتيبةُ
بنُ سعيدٍ الثقفي.
4 ـ عليُّ
بنُ حُجْرٍ السعدي.
5 ـ يحيى
بنُ أيوبَ البغدادي.
ومدارُ هذا الحديثِ على: «عُمَرَ بنِ ثابتِ بنِ
الحارثِ الخزرجيِّ الأنصاريِّ»، يرويه عن «أبي أيوبَ الأنصاريِّ» -رضيَ اللهُ عنه-.
وقد أخرجه مسلمٌ من حديثِ: «سعدِ بنِ سعيدِ بنِ
قيسٍ الأنصاريِّ» عن «عمرَ بنِ ثابت».
و«سعدُ بنُ سعيد» هو أخو الإمامِ المحدِّثِ «يحيى
بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ»، وهو ثقةٌ، تكلَّموا في حفظِه.
وقد رواه عن سعدِ بنِ سعيدٍ:
ـ عبدُ
اللهِ بنُ المبارك.
ـ عبدُ
اللهِ بنُ نُميرٍ الهمداني[2].
ـ إسماعيلُ
بنُ جعفرٍ الأنصاري.
قلتُ:
وثلاثتُهم ثقاتٌ أثباتٌ.
ثانيًا: وقد تابعه أبو عوانةَ على إخراجِه[3]،
فرواه عنده عن سعدِ بنِ سعيدٍ:
ـ داودُ بنُ قيسٍ الفَرَّاء[4]
(ثقة).
ـ عبدُ
الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ جُرَيج[5]
(ثقةٌ مُدلِّس).
ـ محاضرُ
بنُ المُوَرِّعِ الهمداني (صدوق).
ـ قُرَّةُ
بنُ عبدِ الرحمنِ المعافري (ضعيف).
قلتُ: فيكونُ بهذا -إلى الآن- قد رواه عن سعدِ
بنِ سعيدٍ خمسةٌ من الثِّقات، ومعهم صدوقٌ وضعيف.
وقد رواه أبو عوانةَ أيضًا من طريقٍ أقوى من إسنادِ
مسلمٍ، لكنَّه نازلٌ؛ فرواه من حديثِ: «يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ»[6]
عن «عمرَ بنِ ثابتٍ»، قال: سمعتُ أبا أيوبَ الأنصاريَّ -رضيَ اللهُ عنه-، مرفوعًا.
ثمَّ عقَّب أبو عوانةَ فقال: «في هذا الحديثِ دليلٌ
أنَّ مَن صامَ من شوَّالٍ -مِن أيِّه كان- فقد دخل في هذه الفضيلة، وفيه أيضًا: أنَّ
النبيَّ ﷺ قال: الحسنةُ بعشرِ أمثالِها؛ رمضانُ بعشرةِ أشهرٍ، وستَّةُ
أيَّامٍ بشهرين»[7].
قلتُ: فلعلَّ إعراضَ الإمامِ مسلمٍ عن طريقِ يحيى
بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ لأمورٍ، منها: أنَّه طريقٌ نازلٌ.
وأيضًا: أنَّ الراويَ عنده عن «سعدِ بنِ سعيدٍ»
هو «إسماعيلُ بنُ جعفر»، وهو أنصاريٌّ أيضًا، وهذا أقوى في سلسلةِ الإسناد، بخلافِ
الراوي عن الإمامِ «يحيى بنِ سعيدٍ»، فإنَّه «عبدُ الملكِ بنُ أبي بكرٍ»، وهو قرشيٌّ.
كما أنَّه قد اختُلِفَ على يحيى بنِ سعيدٍ في إسنادِ
هذا الحديث، كما مرَّ في كلامِ الدارقطنيِّ[8]،
واللهُ أعلم.
قلتُ: وكذا أخرجه أبو عوانةَ من حديثِ أبي
هريرةَ -رضيَ اللهُ عنه- مرفوعًا، من طريقِ «عمرو بنِ أبي سلمةَ التَّنيسيِّ»، وهو
صاحبُ أوهامٍ -رحمهُ اللهُ-، والظاهرُ أنَّه سلكَ فيه الجادَّة؛ لأنَّه
رواه
من حديثِ: «سهيلِ بنِ أبي صالحٍ»، عن أبيه، عن أبي هريرة[9].
تنبيه:
هذا الحديثُ من زياداتِ «المستخرَج» التي ليس لها أصلٌ في «صحيحِ مسلم».
ثالثًا: ورواه ابنُ خُزيمةَ في «صحيحه»[10]
من طريقِ: «سعدِ بنِ سعيدٍ» مقرونًا بـ «صفوانَ بنِ سليمٍ المدني».
و«صفوانُ» ثقةٌ، يرويه عنه: «عبدُ العزيزِ الدَّارورديُّ»،
وهو ثقةٌ كثيرُ الحديث، ساء حفظُه.
غيرَ أنَّ إمامَ الأئمَّةِ "ابنُ خُزيمةَ"
أراد رفعَ هذا الضَّعفِ المتوهَّمِ عن الحديث؛ لأنَّه اشترطَ الصِّحَّةَ في كتابِه،
فأخرجه من حديثِ «ثوبانَ» -رضيَ اللهُ عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «صيامُ رمضانَ
بعشرةِ أشهرٍ، وصيامُ السِّتَّةِ أيَّامٍ بشهرين، فذلك صيامُ السَّنة»[11]؛
يعني: رمضانَ وستَّةَ أيَّامٍ بعدَه.
رابعًا: وقد أخرجه الدارميُّ بلفظِ: «صيامُ شهرٍ
بعشرةِ أشهرٍ، وستَّةُ أيَّامٍ بعدهنَّ بشهرين، فذلك تمامُ سنة»[12]؛
يعني: شهرَ رمضانَ وستَّةَ أيَّامٍ بعدَه.
قلتُ: وطريقُ الدارميِّ أعلى، وهما صحيحان.
خامسًا: ونزل بإسنادِه النَّسائيُّ في «الكبرى»[13]،
مع صحَّةِ الإسناد.
سادسًا: وأمَّا ابنُ حبَّان، فقد روى حديثَ ثوبانَ
من طريقِ «الوليدِ بنِ مسلمٍ»، وقد صرَّحَ بالتحديث، بلفظِ: «مَن صامَ رمضانَ وستًّا
من شوَّالٍ، فقد صامَ السَّنة»[14].
وهذا الطريقُ صحَّحه الإمامُ أبو حاتمٍ الرازيُّ
-رحمهُ اللهُ-[15].
وأمَّا حديثُ «أبي أيوبَ الأنصاريِّ»، فقد وافق
ابنُ حبَّان شيخه ابنَ خُزيمةَ في إخراجِه من طريقِ «الدَّارورديِّ».
سابعًا: وكذا شاركهم أبو داودَ في نفسِ الطريق[16].
ثامنًا:
وكذا الحُميديُّ في «مسنده»[17].
تاسعًا:
وأمَّا التِّرمذيُّ، فقد أخرجه من حديثِ: «أبي معاويةَ الضَّريرِ الكوفيِّ»[18]،
عن «سعدِ بنِ سعيدٍ»، وأبو معاويةَ هو: محمدُ بنُ خازمٍ التميميُّ (ثقة).
ثمَّ قال: «حديثُ أبي أيوبَ حديثٌ حسنٌ صحيح»،
وقال: «وقد استحبَّ قومٌ صيامَ ستَّةِ أيَّامٍ من شوَّالٍ بهذا الحديث».
وقال ابنُ المبارك: «هو حسنٌ، هو مثلُ صيامِ ثلاثةِ
أيَّامٍ من كلِّ شهر».
وقال أيضًا: «يُروى في بعضِ الحديثِ، ويُلحقُ هذا
الصيامُ برمضان».
واختار ابنُ المبارك أن تكونَ الستَّةُ في أوَّلِ
الشهر، وقد رُوي عنه أنَّه قال: «إن صامَ ستَّةَ أيَّامٍ من شوَّالٍ متفرِّقةً فهو
جائز». اهـ
عاشرًا: وقد أخرجه البيهقيُّ في «معرفةِ السُّننِ
والآثار»، بإسنادين: من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ المبارك[19]،
ومحاضرِ بنِ المُوَرِّع[20]
(صدوق).
ثمَّ قال: «رواه مسلمٌ في الصحيح، عن أبي
بكرِ بنِ أبي شيبة، عن ابنِ المبارك، وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ من حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ،
ورويناه من حديثِ جابرٍ، وثوبان، ومذهبُ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ- متابعةُ السُّنَّةِ
إذا ثبتت، وقد ثبتت هذه السُّنَّة، وباللهِ التوفيق». اهـ
قلتُ: وأمَّا حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ -رضيَ
اللهُ عنه- الذي ذكره البيهقيُّ.
الحاديَ عشرَ: فقد أخرجه الإمامُ أحمدُ في «مسنده»
من حديثِ «عمرو بنِ جابرٍ الحضرميِّ»، عنه مرفوعًا، بلفظِ: «مَن صامَ رمضانَ، وستَّةَ
أيَّامٍ من شوَّالٍ، فكأنَّما صامَ السَّنةَ كلَّها»[21].
قلتُ: وعمرو بنُ جابرٍ هذا مصريٌّ، ضعَّفه ابنُ
لهيعة، وتابعه الناسُ على ذلك.
قال العقيليُّ في «الضعفاء» في ترجمتِه، بعد أن
خرَّج هذا الحديثَ من روايتِه: «وهذا يُروى عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ أصلحَ من
هذا»[22].
ورواه أحمدُ أيضًا في «المسند» عن «سعدِ بنِ سعيدٍ
= ورقاءَ بنِ عمرَ الشيبانيِّ»[23]،
وهو ثقةٌ صاحبُ سُنَّة.
الثانيَ عشرَ: ومن نفسِ الطريق أخرجه الطيالسيُّ في «مسنده»[24].
الثالثَ عشرَ: وفي «مشكلِ الآثار» للطحاويِّ، رواه
عن «سعدِ بنِ سعيدٍ = حفصِ بنِ غياثٍ الكوفيِّ»[25]،
وهو ثقة.
الرابعَ عشرَ: ورواه أيضًا عن «سعدِ بنِ سعيدٍ
= روحِ بنِ القاسمِ البصريِّ»، كما عند الطبرانيِّ في «المعجم الكبير»[26]،
وهو ثقة.
وعنده أيضًا عنه من طريقِ «عمرو بنِ عليٍّ الباهليِّ»[27]،
وهو أيضًا ثقة.
هذا، وقد رُوي الحديثُ بإسنادٍ موقوفٍ:
الخامسَ عشرَ: فقد أخرجه النسائيُّ في «الكبرى»
من طريقِ شعبةَ بنِ الحجَّاج، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ، عن أبي
أيوبَ الأنصاريِّ[28].
وكذا رواه الحُميديُّ من حديثِ: «سفيانَ
بنِ عُيينةَ»، عن «سعدِ بنِ سعيدٍ»، عن «عمرَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ»، عن «أبي أيوبَ
الأنصاريِّ»[29].
وخلاصةُ ما سبق:
أنَّ الطريقَ الذي ارتضاه الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه»،
من طريقِ «سعدِ بنِ سعيدٍ»، عن «عمرَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ»، عن «أبي أيوبَ الأنصاريِّ»
-رضيَ اللهُ عنه-، هو أصحُّ طرقِ الحديث؛ إذ رواه عن سعدِ بنِ سعيدٍ اثنا عشرَ راويًا
من الثِّقات، بخلافِ مَن وافقهم من أهلِ الصدقِ والضَّعفِ معًا.
وقد وافق الإمامَ مسلمًا على تصحيحِه كما مر: الإمامُ
الترمذيُّ في «جامعه»، وأبو عوانةَ في «مستخرَجه»، والإمامانِ ابنُ خُزيمةَ وابنُ حبَّان
-إذ اشترطا الصِّحَّةَ في كتابيهما-، وكذا حكم بصحَّتِه أبو حاتمٍ الرازيُّ، وصحَّح
حديثَ ثوبان أيضًا، ولم يتخلَّف عنهم الإمامُ أبو زُرعةَ الرازيُّ، فقال: «المرفوعُ
صحيح»[30].
وينضمُّ إليهم الإمامُ أحمدُ -رحمهُ اللهُ-؛ فقد
سأله ولدُه عبدُ الله عن هذه الأيَّامِ التي تُصامُ بعد رمضان، فقال: «لا بأسَ بصيامِها؛
إنَّما قال النبيُّ ﷺ: ستَّةُ أيَّامٍ من شوَّال؛ فإذا صامَ ستَّةَ أيَّامٍ من
شوَّال، لا يُبالي فرَّق أو تابع»[31].
وقد مرَّ
تصحيحُ البيهقيِّ للحديث، وذكر أنَّ مذهبَ الشافعيِّ العملُ به.
ووافقهم العقيليُّ -تلميذُ البخاريِّ- على ذلك،
وهو ما ذهب إليه أيضًا الطحاويُّ -رحمهم اللهُ جميعًا-.
وأمَّا الإمامُ الدارقطنيُّ -الذي مدحه الدكتورُ
بشَّارُ عوَّاد، وقرَّر أنَّه من أعظمِ علماءِ العلل- فقد ذهب أيضًا إلى صحَّةِ الحديثِ
المرفوع، وأنَّ الاختلافَ إنَّما وقع في الموقوف، والمرفوعُ أصحُّ.
وهذا
بخلافِ ما زعمه الدكتورُ بشَّار!
بل إنَّ الحديثَ الموقوفَ -في هذه الحال- يزيدُ
المرفوعَ قوَّةً؛ إذ لا يُقالُ مثلُ هذا بمجرَّدِ الرأي، ولا يصحُّ حملُه على الاجتهادِ
المحضِ من الصحابيِّ كما زعم.
كما أنَّ
دعوى العِلَّةِ هنا بالاختلافِ في رفعِ الحديثِ ووقفِه دعوى ممتنعة؛ إذ إنَّ الموقوفَ
جاء من طُرُقٍ اختلف عليها، بخلافِ المرفوعِ الذي اجتمعَ عليه اثنا عشرَ ثقةً، ولم
يقع فيه اختلافٌ.
وأمَّا زعمُه أنَّ الحديثَ معلولٌ -مع كونِه في
«صحيحِ مسلم»- لأنَّ البخاريَّ لم يُخرِّجه في «صحيحه»، فهذا -واللهِ- عجيبٌ جدًّا،
بل مجرَّدُ التفكيرِ فيه مستنكَر، فضلًا عن الاحتجاجِ به!
أفيَلزمُ
من ذلك أن يكونَ كلُّ ما أخرجه مسلمٌ ولم يُخرِّجه البخاريُّ معلولًا؟! أم ماذا يُراد؟!
فإن كان
هذا مراده كما هو ظاهر ما في المقطع المصور، فهو غلوٌّ وجهلٌ بيِّن، يفوق ما تخرص
به الحدادية في هذا الباب.
وقد أحسنَ الإمامُ ابنُ حجرٍ -رحمهُ اللهُ- إذ
قال: «مَن تكلَّم في غيرِ فنِّه أتى بالعجائب».
وأمَّا ما ذكره أخيرًا من تعليلِ الحديثِ بأنَّ
الإمامَ مالكًا -رحمهُ اللهُ- لم يبلُغْه عملُ أحدٍ به، فهذا أيضًا ممَّا لا يَنهضُ
حجَّةً.
بل العجبُ من أصلِ إثارةِ هذا الإشكال؛ فإنَّ
الإمامَ مالكًا نفسَه هو القائلُ: «كلٌّ يُؤخذُ من قولِه ويُردُّ، إلَّا صاحبَ هذا
القبر ﷺ».
فالحديثُ صحيحٌ، قال بصحَّتِه أئمَّةُ السُّنَّة،
وأخرجوه في مصنَّفاتِهم، ولا نعلمُ أحدًا منهم قال بضعفِه.
فهل نحتاج بعد ذلك لقول فلان؟، فالأمر منتهى.
ومع ذلك، ننقلُ كلامَ الإمامِ مالكٍ ليتبيَّنَ
وجهُه، وأنَّ الخللَ في فهمِه لا في أصلِ قولِه.
ففي «الموطأ» من روايةِ يحيى بنِ يحيى قال: سمعتُ
مالكًا يقول في صيامِ ستَّةِ أيَّامٍ بعد الفطر من رمضان: «إنَّه لم يَرَ أحدًا من
أهلِ العلمِ والفقهِ يصومُها، ولم يبلُغني ذلك عن أحدٍ من السَّلف، وإنَّ أهلَ العلمِ
يكرهون ذلك، ويخافون بدعتَه، وأن يُلحَق برمضانَ ما ليس منه أهلُ الجهالةِ والجفاء،
لو رأوا في ذلك رخصةً عند أهلِ العلم، ورأوهم يعملون بذلك»[32].
قلتُ: فليس في كلامِ الإمامِ -رحمهُ اللهُ- تعرُّضٌ
لتصحيحِ الحديثِ أو تضعيفِه، وإنَّما غايتُه تركُ العملِ به سدًّا للذريعة، خشيةَ أن
يُلحِق أهلُ الجهالةِ والجفاءِ برمضانَ ما ليس منه.
وهذا نظيرُ ما جاء في السُّنَّةِ من النهيِ
عن وصلِ النافلةِ بالفريضةِ في الصلاة، حتَّى يُفصلَ بينهما بكلامٍ أو انتقال.
فهذا من هذا، وهو اجتهادٌ فقهيٌّ، وقد مرَّ أنَّ
مذهبَ الشافعيِّ وأحمدَ على خلافِه.
بل إنَّ محقِّقي المالكيَّةِ لا يذهبون هذا المذهب،
لصحَّةِ الحديثِ وشهرتِه؛ فهذا الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ -رحمهُ اللهُ- يقول في «الاستذكار»
بعد ذكرِ كلامِ مالكٍ السابق:
«في هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ حديثٌ انفرد به عمرُ
بنُ ثابتٍ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، أنَّه قال: مَن صامَ رمضانَ وأتبعه بستٍّ من شوَّال،
فكأنَّما صامَ الدَّهر»... ثمَّ ذكر أسانيدَه.
ثمَّ قال: «انفرد بهذا الحديثِ عمرُ بنُ ثابتٍ
الأنصاريُّ، وهو من ثقاتِ أهلِ المدينة».
ونقل عن أبي حاتمٍ توثيقَه، وذكر مَن روى عنه من
الأئمَّة.
ثمَّ قال:
«لم يبلُغ مالكًا حديثُ أبي أيوبَ، على أنَّه حديثٌ مدنيٌّ!، والإحاطةُ بعلمِ الخاصَّةِ
لا سبيلَ إليها، والذي كرهه مالكٌ أمرٌ قد بيَّنه، وهو خشيةُ أن يُضافَ إلى فرضِ رمضان،
وأن يلتبسَ ذلك على العامَّة، وكان -رحمهُ اللهُ- شديدَ الاحتياطِ للدِّين.
«وأمَّا صيامُ السِّتَّةِ الأيَّامِ مِن شوَّالٍ
على طلبِ الفضلِ، وعلى التأويلِ الذي جاء به ثوبانُ رضيَ اللهُ عنه، فإنَّ مالكًا لا
يكرهُ ذلك -إن شاءَ اللهُ-؛ لأنَّ الصومَ جُنَّةٌ، وفضلُه معلومٌ لِمَن ردَّ طعامَه
وشرابَه وشهوتَه للهِ تعالى، وهو عملُ برٍّ وخير.
وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ}،
ومالكٌ لا يجهلُ شيئًا مِن هذا، ولم يكرهْ مِن ذلك إلَّا ما خافَه على أهلِ الجهالةِ
والجفاءِ إذا استمرَّ ذلك، وخشيَ أن يَعُدُّوه مِن فرائضِ الصيامِ مضافًا إلى رمضان.
وما أظنُّ مالكًا جهلَ الحديثَ، واللهُ أعلم؛
لأنَّه حديثٌ مدنيٌّ انفرد به عمرُ بنُ ثابتٍ، وقد قيل: إنَّه روى عنه مالك، ولولا
علمُه به ما أنكرَه، وأظنُّ الشيخَ عمرَ بنَ ثابتٍ لم يكن عنده ممَّن يُعتمدُ عليه،
وقد ترك مالكٌ الاحتجاجَ ببعضِ ما روى عن بعضِ
شيوخِه إذا لم يثقْ بحفظِه ببعضِ ما روى، وقد يمكنُ أن يكون جهلَ الحديثَ، ولو علمَه
لقال به، واللهُ أعلم»[33].
قلتُ: فهذا إمامٌ من كبارِ المالكيَّةِ ومحقِّقيهم،
يسعى في توجيهِ كلامِ مالكٍ، مع إقرارِه بصحَّةِ الحديثِ وشهرتِه؛ فتارةً يحملُ كلامَه
على معنىً غيرِ الظاهر، وتارةً يقول: لعلَّه لم يبلُغْه الحديث، وتارةً يُعلِّلُ بتركِه
الاحتجاجَ ببعضِ ما لا يطمئنُّ إليه.
وهذا كلُّه يدلُّ على رسوخِ الحديثِ عندهم، وأنَّ
الإشكالَ إنَّما هو في فهمِ موقفِ مالكٍ، لا في ثبوتِ الحديث.
ولا أدري كيف غاب مثلُ هذا عن الدكتورِ بشَّار،
مع عنايتِه بتحقيقِ «الاستذكار»!
وفي هذا القدرِ كفايةٌ، وقد ظهر -بحمدِ اللهِ-
صحَّةُ الحديثِ، وصدقُ أئمَّةِ الصَّنعةِ فيه، ووهمُ مَن خالفهم.
وصلَّى
اللهُ على محمَّدٍ، وعلى آله وصحبِه وسلَّم.
[1] ـ الصحيح ، حديث
رقم: (1164)، وما بعده.
[2] ـ ومن طريقه أخرجه
ابن ماجة.
[3] ـ المستخرج
على صحيح مسلم، انظر من رقم: 2898 : 2903 .
[4] ـ وهو نفس
طريق عبد الرزاق في المصنف.
[5] ـ وقد صرح بالتحديث،
غير أن رواية أبي عوانة من طريق: إسحاق بن
إبراهيم الدبري، والدبري ممن سمع من عبد الرزاق باخرة بعد الاختلاط، ولكن الحديث موجود
في المصنف بنفس الإسناد، ولذا سلم هذا الطريق.
[6] ـ قال الدارقطني
في العلل، رقم: (1009): " ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه؛
فرواه حفص بن غياث،
عن يحيى، عن أخيه سعد بن سعيد.
وخالفه إسماعيل
بن إبراهيم الصائغ، وعبد الملك بن أبي بكر الحضرمي، فروياه عن يحيى بن سعيد، عن عمر
بن ثابت، لم يذكر في إسناده سعد بن سعيد.
ورواه إسحاق بن
أبي فروة، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء، ووهم فيه وهما قبيحا، والصواب
حديث أبي أيوب.
[7] ـ سيأتي هذا الحديث
قريبًا.
[8] ـ انظر الهامش
رقم: 6.
[9] ـ قال الدارقطني
في العلل رقم : (1957) ، غير محفوظ.
[10] ـ رقم: (2114).
[11] ـ حديث رقم:
(2115).
[12] حديث رقم:
(1778)، تحقيق مرزوق الزهراني. الشاملة.
[13] ـ حديث رقم:
(2873).
[14] ـ حديث رقم: (3635).
[15] ـ انظر العلل لابنه
(3 / 124)، رقم: (744).
وكذا صححه من حديث شداد بن أوس، رقم: (745) ، وإسناده عنده: عن مروان الطاطري، عن يحيى بن حمزة، عن يحيى بن الحارث،
عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام
رمضان وأتبعه بست من شوال".
[16] ـ حديث رقم: (2433).
[17] حديث رقم: (385).
[18] حديث رقم:
(759).
[19] حديث رقم:
(9058).
[20] ـ حديث رقم:
(9057).
[21] حديث رقم: (14302، 14477 ،14710).
[22] ـ الضعفاء الكبير، ترجمة رقم: (1269).
[23] ـ حديث رقم: (23556).
[24] ـ حديث رقم: (595).
[25] ـ حديث رقم:
(2345).
[26] ـ حديث رقم: (3907).
[27] ـ حديث رقم: (3909).
[28] حديث رقم:
(2878).
[29] ـ حديث رقم: (384).
[30] ـ علل ابن أبي
حاتم (3 / 185)، رقم: 775.
[31] ـ مسائل أحمد بن
حنبل رواية ابنه عبد الله، رقم: (722).
[32] ـ الموطأ (1 / 310)، ط/ عبد الباقي.
[33] ـ الاستذكار لمذاهب
علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار (3 / 379 : 380) ط/ العلمية.