إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 فبراير 2026

الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَمَنْهَجُهُ فِي كِتَابِهِ "الصَّحِيحِ"

 

الكَنْزُ الثَّمِينُ فِي فَنِّ التَّخْرِيجِ وَمَنَاهِجِ المُحَدِّثِينَ (3)


    الحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:
   فَقَدْ كُلِّفْتُ بِتَدْرِيسِ مَادَّةِ الحَدِيثِ لِطَلَبَةِ مَعْهَدِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، فَدَرَسْنَا العَامَ المَاضِيَ فِي عِلْمِ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ كِتَابَ «المُوقِظَةِ» لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
   وقَدْ اعْتَمَدْنَا طَرِيقَةً غَيْرَ تَقْلِيدِيَّةٍ فِي تَدْرِيسِ المُصْطَلَحِ، وَهِيَ تَطْبِيقُ مَسَائِلِ الكِتَابِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ؛ إِذْ إِنَّ عِلْمَ المُصْطَلَحِ إِنَّمَا وُضِعَ لِتَقْرِيبِ عِلْمِ وَطَرِيقَة هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يُدْرِكْهُمْ.
    فَكَانَ لِهَذَا المَنْهَجِ أَثَرٌ بَيِّنٌ فِي إِبْرَازِ التَّبَايُنِ بَيْنَ مَا فِي بَعْضِ كُتُبِ المُصْطَلَحِ وَمَا يَدُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ العُلَمَاءِ، وَبَيْنَ مَنْهَجِ الأَئِمَّةِ أَصْحَابِ الكُتُبِ المُسْنَدَةِ.
   وَاتَّضَحَ أَنَّ طَرِيقَةَ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ تَكَادُ تَكُونُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا ظَهَرَ الخِلَافُ بَعْدَ دُخُولِ مَبَاحِثِ عِلْمِ الكَلَامِ وَتَسَرُّبِ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ إِلَى مَبَاحِثِ المُصْطَلَحِ.
   وَأَفْضَى هَذَا الخِلَافُ الحَادِثُ، فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، إِلَى غُمُوضِ مَنْهَجِ الأَئِمَّةِ الأَوَائِلِ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ، فَأَسْفَرَ عَنْ طَعْنٍ فِي بَعْضِهِمْ بِالتَّسَاهُلِ، أَوْ رَخَاوَةِ النَّفْسِ فِي التَّضْعِيفِ، أَوِ التَّنَاقُضِ.

   أَوْ تَخْطِئَتِهِمْ بِمُقْتَضَى مَا اسْتَقَرَّ فِي عِلْمِ المُصْطَلَحِ، فَيُحَاكَمُونَ مَثلًا بمَا استَقرَ عَليّه تَعْرِيف الحَسَنِ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الأَوَائِلِ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي وَصْفِ الحَدِيثِ بِالضَّعْفِ.

   وَهَذَا المَنْهَجُ هُوَ مَا جَعَلْنَاهُ العُمْدَةَ عِنْدَ تَدْرِيسِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ لِطَلَبَةِ هَذَا المَعْهَدِ المُبَارَكِ لِهَذَا العَامِ؛ وَلَمْ أَجِدْ مَن سَارَ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ فِي الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ فِي البَابِ، بَلْ إِنَّ عَامَّةَ مَا كُتِبَ فِي هَذَا البَابِ يَفْتَقِرُ إِلَى البَحْثِ بِجِدِّيَّةٍ وَتَقْرِيبِ عِلْمِ هَؤُلَاءِ الأَوَائِلِ لِطَلَبَةِ العِلْمِ.
   فَأَشْهَرُ كِتَابٍ أُلِّفَ فِي هَذَا البَابِ يَكَادُ يَقْتَصِرُ عَلَى تَصَوُّرٍ عَامٍّ لِفِكْرَةِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ، ثُمَّ مَبَاحِثَ لَيْسَ لَهَا فَائِدَةٌ تُذْكَرُ، كَإِحْصَاءِ أَحَادِيثِ كِتَابٍ مَّا: بِالمُكَرَّرِ كَذَا، وَبِغَيْرِ المُكَرَّرِ كَذَا؛ وَهُوَ كَلَامٌ شَائِعٌ فِي طَرِيقَةِ تَأْلِيفِ الرَّسَائِلِ الجَامِعِيَّةِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ مُلْحِ العِلْمِ لَا مِنْ صُلْبِهِ.
    وَأَمَّا سَائِرُ المُؤَلَّفَاتِ فَتَدُورُ فِي هَذَا الفَلَكِ، فَلَا تَبْحَثُ مَنْهَجَ الأَئِمَّةِ أَصْحَابِ الكُتُبِ المُسْنَدَةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا هَذَا العِلْمُ، وَإِنْ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنْهُ فَسَطْحِيٌّ خَالٍ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ، وَهُوَ غَالِبًا نَقْلٌ عَنْ أَحَدِ المُتَأَخِّرِينَ كَالذَّهَبِيِّ أَوِ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ.
    وَلِهَذَا جَعَلْتُ بَحْثَ مَنْهَجِ الأَئِمَّةِ أَصْحَابِ الكُتُبِ المُسْنَدَةِ رَأْسَ هَذِهِ المَادَّةِ؛ إِذْ لَا يَتَيَسَّرُ لِلطَّالِبِ إِخْرَاجُ الحَدِيثِ وَالبَحْثُ عَنْهُ إِلَّا بِفَهْمِ طَرِيقَةِ المُؤَلِّفِ وَأُسْلُوبِهِ فِي كِتَابِهِ.
   فَبَدَأْنَا بِالكَلَامِ عَلَى مَنَاهِجِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ فِي التَّأْلِيفِ عَلَى المَسَانِيدِ وَالجَوَامِعِ وَالسُّنَنِ، وَبَيَانِ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ المُصَنَّفَاتِ، فَكَانَ ذَلِكَ فَرْشَةً لِعِلْمِ التَّخْرِيجِ وَتَصَوُّرًا عَامًّا لَهُ.

   ثُمَّ انْتَقَلْنَا إِلَى الكُتُبِ الَّتِي اشْتَرَطَ أَصْحَابُهَا الصِّحَّةَ؛ إِذِ الغَايَةُ المَقْصُودَةُ مِنْ عِلْمِ التَّخْرِيجِ هِيَ الوُصُولُ إِلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ، فَإِذَا تَكَفَّلَ عَالِمٌ بِهَذِهِ المَهَمَّةِ فَقَدْ قَصَّرَ الطَّرِيقَ عَلَى المُحَقِّقِ.

   فَبَدَأْنَا بِصَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَبَيَّنَّا طَرِيقَةَ تَأْلِيفِهِ لِكِتَابِهِ، مُوَسِّعِينَ فِي إِيْضَاحِ أَنَّ مَا يُعْرَفُ بِـ«شَرْطِ البُخَارِيِّ» فِي صَحِيحِهِ لَيْسَ شَرْطًا قَابِلًا لِلتَّحَقُّقِ العَمَلِيِّ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ نَظَرِيٌّ لَا يَتَعَدَّاهُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ البُخَارِيُّ وَلَا صَرَّحَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.

   وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ فَهُوَ شَرْطُ جَمِيعِ المُحَدِّثِينَ؛ إِذْ مِنْ شُرُوطِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ اتِّصَالُ السَّنَدِ.

   ثُمَّ تَحَدَّثْنَا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَطَرِيقَةِ الْإِمَامِ فِي تَأْلِيفِ كِتَابِهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ ظِلًّا لِلْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ كَمَا هُوَ شَائِعٌ، بَلْ هُوَ إِمَامٌ مُخَضْرَمٌ، صَاحِبُ بَصِيرَةٍ وَعُلُوِّ كَعْبٍ فِي هَذَا الْعِلْمِ، زَهِدَ فِي حَديثِ "مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهَلِيِّ" لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ ظُلْمِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجْ لِعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي خَرَّجَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ لَهُمَا، كَمَا أَنَّ عَامَّةَ مَا يُؤْخَذُ عَلَى صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ يُوجَدُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ، فَرِجَالُ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ الَّذِينَ أُخِذَ عَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجُ حَدِيثِهِمْ فِي صَحِيحِهِ، أَحَادِيثُهُمْ مَوْجُودَةٌ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ، غَيْرَ أَنَّ طَرِيقَةَ تَرْتِيبِ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ هِيَ مَا تَجْعَلُهُمْ ظَاهِرِينَ بِخِلَافِ طَرِيقَةِ الْبُخَارِيِّ، وَنَاقَشْنَا زَعْمَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ يُخْرِجُ أَحَادِيثَ مُعَلَّةً فِي صَحِيحِهِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَخَرُّصَاتٍ، وَمَا هُوَ الصَّوَابُ فِيهِ؟.

   ثُمَّ تَلَى صَحِيحَ مُسْلِمٍ، صَحِيحُ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ.

   وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ مَرْجِعًا أَحِيلُ عَلَيْهِ فِي صَحِيحِ هَذَا الإِمَامِ إِذْ لَمْ يُخْدَمْ كِتَابُهُ كَمَا خُدِمَ الصَّحِيحَانِ اجْتَهَدْتُ فِي تَقْرِيبِ الكِتَابِ وَبَيَانِ مَنْهَجِهِ، وَكَانَ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ التَّعْرِيفُ بِالإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَإِيْضَاحُ مُعْتَقَدِهِ.
   فَقَسَمْتُ البَحْثَ فَصْلَيْنِ:

 الأَوَّلُ: فِي التَّعْرِيفِ بِالإِمَامِ وَحَقِيقَةِ مُعْتَقَدِهِ، وَرَدِّ الشُّبُهَاتِ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَهُ.             

   الثَّانِي: فِي طَرِيقَةِ تَأْلِيفِهِ لِهَذَا الصَّحِيحِ وَمَنْزِلَتِهِ بَيْنَ كُتُبِ السُّنَّةِ، وَالكَشّفِ عَن خَبَايَا هَذَا الكتَابِ.  

   وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

وَكَتَبَ

أَبُو صُهَيْبٍ وَلِيدُ بْنُ سَعْدٍ

القَاهِرَةُ / رَبِيعُ الآخِرِ / ١٤٤٧هـ

٢ / ١١ / ٢٠٢٥م

اَلفَصلُ الَأَوَلُ
التَّعْرِيفُ بِالإِمَامِ
ابْنِ خُزَيْمَةَ وَحَقِيقَةِ مُعْتَقَدِهِ، وَرَدِّ الشُّبُهَاتِ الَّتِي أُثِيرَتْ حَوْلَهُ

   فَإِنَّ دِرَاسَةَ صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ تَأْتِي فِي المَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَفْقَ المَنْهَجِ الَّذِي وُضِعَ لِتَدْرِيسِ هَذِهِ المَادَّةِ، لأنه كما بينا أَنَّ الغَايَةَ مِنْ دِرَاسَةِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ هِيَ الوُصُولُ إِلَى صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ.

   فَإِذَا وُجَدَ عَالِمٌ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ فِي كِتَابِهِ، فَقَدْ سَهَّلَ بِذَلِكَ السَّبِيلَ عَلَى المُحَقِّقِ.

   وَهَذَا مَا جَعَلَنَا نُقَدِّمُ كِتَابَ هَذَا الإِمَامِ، مَعَ تَأَخُّرِهِ زَمَانِيًّا عَنْ أَئِمَّةٍ كِبَارٍ مِثْلَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

    قَالَ أَبُو عُمَرَو بْنُ الصَّلَاحِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ:

   "إِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّحِيحِ عَلَى مَا فِي الكِتَابَيْنِ، يَتَلَقَّاهَا طَالِبُهَا مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ أَحَدُ المُصَنَّفَاتِ المُعْتَمَدَةِ المَشْهُورَةِ لِأَئِمَّةِ الحَدِيثِ[1]؛ ... وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ مَجَرَّدُ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ، وَكِتَابِ النَّسَائِيِّ، وَسَائِرِ مَنْ جَمَعَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ؛ وَيَكْفِي مَجَرَّدُ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي كُتُبِ مَنِ اشْتَرَطَ مِنْهُمُ الصَّحِيحَ فِيمَا جَمَعَ، كَكِتَابِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"[2].
    وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

   "الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ، المُلَقَّبُ بِإِمَامِ الأَئِمَّةِ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ وَبُحُورِهِ، وَمِمَّنْ طَافَ البِلَادَ، وَرَحَلَ إِلَى الآفَاقِ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَسَمَاعِ الحَدِيثِ، وَكَتَبَ الكَثِيرَ وَصَنَّفَ وَجَمَعَ، وَلَهُ كِتَابُ "الصَّحِيحِ" مِنْ أَنْفَعِ الكُتُبِ وَأَجَلِّهَا، وَهُوَ مِنَ المُجْتَهِدِينَ فِي دِينِ الإِسْلَامِ"[3].
   وقَالَ الإمامُ العَلَائِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: "وَهَذَا الكِتَابُ مِنْ أَحْسَنِ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ عَلَى الأَبْوَابِ وَأَنْفَسِهَا، وَفِيهِ مِنَ المُوَافَقَاتِ لِلْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا، لِأَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ هَذَا شَارَكَهُمْ فِي غَالِبِ شُيُوخِهِمْ وَشَرْطُهُ فِيهِ قَرِيبٌ مِنْ شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ"[4]   

   قُلْتُ: وَالكَلَامُ عَنْ قِيمَةِ هَذَا الكِتَابِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ سَيَظْهَرُ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عِنْدَ تَنَاوُلِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ وَالكَلَامِ عَنْ مَبَاحِثِهِ، وَسَيَكُونُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّوَسُّعِ، لِقُصُورِ المُؤَلَّفَاتِ فِي هَذَا البَابِ مَعَ أَهَمِّيَّةِ الكِتَابِ.
   فَلَا أَعْلَمُ مَنْ قَامَ بِحَقِّ هَذَا الْإِمَامِ، وَدَرَسَ مَنْهَجَهُ بِتَعَمُّقٍ، وَأَبَانَ ذَلِكَ وَوَضَّحَهُ، فهُنَاكَ قُصُورٌ شَدِيدٌ فِي دِرَاسَةِ مَنْهَجِ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-.

   وهَذَا القُصُورَ يَشْمَلُ عِلْمَ التَّخْرِيجِ، وَدرَاسة مَنَاهِجِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ كَكُل، وَلِهَذَا نُحَاوِلُ بَذْلَ الجُهْدِ فِي هَذَا البَابِ لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ بِهَذَا العَمَلِ.

 

     وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ المَعْمَعَةِ، نَتَرْجِمُ لِلْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ صَاحِبِ هَذَا الكِتَابِ الصَّحِيحِ.

   وَالتَّعَرُّفُ عَلَى تَرْجَمَةِ العَالِمِ، وَالعَصْرِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ، وَمَنْ شُيُوخِهِ وَتَلَامِذِتهِ وَأَقْرَانِهِ، وَثَنَاءِ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ، كُلُّ هَذَا لَهُ أَثَرٌ قَوِيٌّ عِنْدَ التَّعَامُلِ مَعَ مُؤَلَّفَاتِهِ، لَا سِيَّمَا إِنْ وُجِدَ حَوْلَ مُؤَلَّفَاتِهِ كَلَامٌ، أَوْ احْتَجْنَا إِلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ مُعَاصِرِيهِ أو مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ.

    هُوَ: الحَافِظُ، الحُجَّةُ، الفَقِيهُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، إِمَامُ الأَئِمَّةِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ صَالِحٍ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، الشَّافِعِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ[5].
   وُلِدَ
-رَحِمَهُ اللَّهُ- سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، فكانَتْ وَلادَتُهُ في القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ، وَوَفاتُهُ في القَرْنِ الرَّابِعِ كما سَيَأْتي.

   كُنْيَتَهُ:
   وَ"أَبُو بَكْرٍ" هِيَ كُنْيَةُ هَذَا الإِمَامِ، وَهِيَ الكُنْيَةُ الَّتِي تَبْدَأُ بِهَا جَمِيعُ تَعْلِيقَاتِهِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ، فَبَعْدَ تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ، تَبْدَأُ التَّعْلِيقَاتُ بِقَوْلِ: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ".
   وَابْنُهُ بَكْرٌ هَذَا يُكْنَى بِأَبِي النَّضْرِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ، حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ[6]، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي شَيْخُ الْحَاكِمِ[7].
   هذا؛ وَقَدِ اشْتَرَكَ مَعَ الإِمَامِ فِي الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ شَارَكَهُ فِي طَبَقَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَالتَّعَرُّفُ عَلَى هَذَا الْبَابِ مِنَ الْعِلْمِ هَامٌّ جِدًّا لِتَمَايُزِ الْأَسَانِيدِ وَعَدَمِ تَدَاخُلِهَا، مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ:

   1 ـ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَكَّائِيُّ[8]، وَهُوَ كُوفِيٌّ.

   مِنْ شُيُوخِ ابْنِ مَاجَهْ وَأَبِي عَوَانَةَ صَاحِبِ الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَإِخْرَاجُ أبو عَوَانَّةَ لهُ تَقُوية لحَالِه.

وَتُوُفِّيَ ٢٦٤ هـ، فَهُوَ مُتَقَدِّمُ الْوَفَاةِ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ.

 

2   ـ  أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وَهُوَ خُرَاسَانِيُّ الْأَصْلِ[9].

   ثِقَةٌ ثَبَتٌ، قَالَ الْمِزِّيُّ: أَحَدُ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ الرِّحَالِينَ، وَأَعْيَانُ الْجَوَّالِينَ.

   قُلتُ: حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَابْنُ الْجَارُودِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَأَكْثَرَ عَنْهُ، وَكَذَا حَدَّثَ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ.

تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٧٠ هـ، فَتَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ وَلَكِنَّهُ اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي الطَّبَقَةِ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ مَنْ هُمْ فِي طَبَقَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِمِ وَمَنْ دُونَهُمْ.

 

   فَالَّذِي يَأْتِي فِي أَسَانِيدِ الْحَاكِمِ، هُوَ:

3 ـ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ[10]، فَالْفَقِيهُ هُوَ شَيْخُ الْحَاكِمِ، وَإِنْ ذُكِرَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، كَقَوْلِهِ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ.

أَمَّا الْحَاكِمُ إِذَا ذَكَرَ ابْنَ خُزَيْمَةَ فِي الْأَسَانِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ، قَالَ حَدَّثَنَا إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ، أَوْ قَالَ حَدَّثَنَا الْإِمَامُ، وَكَهَذَا..

 

4 ـ وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الَّذِي فِي أَسَانِيدِ الدَّارَقُطْنِيِّ، فَهُوَ السُّوسِيُّ[11].
    قَدِمَ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَأَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ، وَهُوَ بِهَذَا مُتَأَخِّرُ الْوَفَاةِ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَالْفَقِيهِ شَيْخِ الْحَاكِمِ.

 

وَمِمَّنْ وَجَدْتُ ذِكْرَهُمْ فِي الْأَسَانِيدِ وَيَشْتَرِكُونَ مَعَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ:
5 ـ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعُقَيْلِيُّ الْفَابَزَانِيُّ.
    وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ كُلِّ هَؤُلَاءِ، خَرَّجَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي أَخْبَارِ أَصْبَهَانَ[12]

6 ـ وأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُخْلَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْقُرَشِيُّ[13].
    رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَابْنِ أَبِي السَّرِيِّ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ اللَّخْمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَحَادِيثُهُ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ".

7 ـ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مِهْرَانَ الْمُقْرِئِ، يُعْرَفُ بِشَامُوخَ.
   حَدَّثَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْتِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ الْحَبَابِ الدَّقَّاقِ، وَأَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الضَّحَّاكِ الْفَقِيهِ،

   وَعَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ الْخَشَّابِ.
 قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: «وَحَدِيثُهُ كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ»."[14].

 

   هذا؛ وَقَدْ عُنِيَ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدَاثَتِهِ بِالحَدِيثِ وَالفِقْهِ، حَتَّى صَارَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي سَعَةِ العِلْمِ وَالإِتْقَانِ، فَلُقِّبَ بِإِمَامِ الأَئِمَّةِ.
وَقِيلَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا اللَّقَبِ أَنَّ تَلَامِيذَ هَذَا الْإِمَامِ أَصْبَحُوا أَئِمَّةً كَالْإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ صَاحِبِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ[15].

  وَيُعَدُّ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ مَعْنَى هذا أَنَّهُ كَانَ مُقَلِّدًا لِلمَذْهَبِ، بَلْ طَلَبَ الفِقْهَ عَلَى أُصُولِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.

   جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ مَنْ مَارَسَ الْبَزَّ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَرَأَ لِعَاصِمٍ فَقَدْ كَمُلَ ظَرْفُهُ"[16].

   قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، الإِمَامُ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ: "كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ، ...، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَلَى بَابِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِمِصْرَ نَسْمَعُ مِنْهُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ"[17].

   قُلتُ: وَمَعَ أنّهُ كَان يَسْمَعُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ مِنَ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، إلا أن الرَّبِيعُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ: "اسْتَفَدْنَا مِنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَادَ مِنَّا"[18].


مَذْهَبُهُ الْفِقْهِيُّ:


 وَأَمَّا مَنْهَجُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ مَنْهَجُ أَهْلِ الحَدِيثِ، اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ، وَالتَّدَيُّنُ بِصَحِيحِ السُنَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي كُتُبِهِ وَفِي طَرِيقَةِ بَحْثِهِ.

   ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَا قَلَّدْتُ أَحَدًا مُنْذُ بَلَغْتُ سِتَّةَ عَشَرَ سَنَةً"[19].

   وَكَانَ يَقُولُ: "لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَوْلٌ إِذَا صَحَّ الخَبَرُ"[20].

   وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَقُولُ مَا لَا أَحْصِي مِنْ مَرَّةٍ: «أَنَا عَبْدٌ لِأَخْبَارِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»[21].
   وكان يقول: "حَرَجٌ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ مِنِّي مَسْأَلَةً يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَبَرٌ صَحِيحٌ خِلَافُهَا، لَمْ يَبْلُغْنِي أَوْ لَمْ أَحْفَظْهُ فِي وَقْتِ جَوَابِي، أَنْ يَحْكِيَ عَنِّي تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي خِلَافُ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
    وَكُلُّ قَوْلٍ قُلْتُ خِلَافَ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَحِيحًا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خِلَافُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَاشْهَدُوا عَلَى رُجُوعِي عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَأَنَا أَتُوبُ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ قُلْتُ خِلَافَ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"[22].

 

    قُلْتُ: وَلِهَذَا نَجِدُهُ -وَهُوَ الشَّافِعِيُّ الْمَذْهَبِ- يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَحْيَانًا. كَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِسْرَارِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَّبِعِ الْمَذْهَبَ وَاتَّبَعَ صَرِيحَ السُّنَّةِ.

    رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"[23].
   وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
   قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
   قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ السُّورَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى: أَنْ يُبْدَأَ بِـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وَأَنْ يُجْهَرَ بِهَا إِذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ.[24].
   قُلْتُ: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّة الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَدَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْبَابِ فِي صَحِيحِهِ.

   فَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ أَنَسًا إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)».

    أَيْ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ جَهْرًا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي الصَّلَاةِ».

   ثُمَّ خَرَّجَ سَبعة أَحَادِيثَ، مِنْهَا:
   1 ـ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَجْهَرُوا بِـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)».
   2 ـ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَجْهَرْ بِـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ، وَلَا عُثْمَانُ».

   3 ـ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَلَمْ يَجْهَرُوا بِـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)».

   4 ـ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُسِرُّ بِـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي الصَّلَاةِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ».

   ثُمَّ قَالَ: «هَذَا الْخَبَرُ يُصَرِّحُ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَتَبَحَّرِ الْعِلْمَ وَادَّعَى أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) وَبِقَوْلِهِ: «لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) جَهْرًا وَلَا خَفْيًا. وَهَذَا الْخَبَرُ يُصَرِّحُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ بِهِ وَلَا يَجْهَرُونَ بِهِ عِنْدَ أَنَسٍ"[25].

   قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ دَيْدَنُ الْإِمَامِ فِي صَحِيحِهِ، لَا يَكْتَفِي بِحَدِيثٍ أَوِ اثْنَيْنِ تَحْتَ كُلِّ بَابٍ، وَإِنَّمَا يَرْوِي جُمْلَةً مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهُ رَوَى تَحْتَ أَبْوَابِ سِتْرَةِ الْمُصَلِّي نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، وَرَوَى فِي بَابِ الْحِجَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْعَدَدِ.
   وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِ هَذَا الْإِمَامِ وَسِعَةِ مَحْفُوظِهِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ الصَّحِيحَ يَخْدُمُ بَعْضَ الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ بِصُورَةٍ لَا تُوجَدُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ، مَعَ نَقْدٍ لِلْأَقْوَالِ، وَتَصْحِيحٍ وَتَضْعِيفٍ لِلْآثَارِ.

   هَذَا، وَمَعَ أَنَّهُ كَمَا أَسْلَفْنَا أَنَّ الْإِمَامَ يَرُدُّ أَحْيَانًا عَلَى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ مِمَّنْ يُذْكَرُ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ[26]، وَتَنْقَلُ عَنْهُ كُتُبُ الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ انْفَرَدَ بِهَا اجْتِهَادًا مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلُوهَا مِنْ قَوْلِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ ذَهَبَ إِلَيْهَا هَذَا الْإِمَامُ لِأَنَّهَا تَتَوَافَقُ مَعَ أُصُولِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
   قَالَ أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ: «وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِذَا رَجَعَ فِي أَذَانِهِ ثَنَّى الْإِقَامَةَ لِهَذَا الْخَبَرِ. وَحَكَاهُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ نَاصِرٌ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ».[27].
   وَقَالَ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ: «أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، تَفَقَّهَ عَلَى الرَّبِيعِ وَالْمُزَنِيِّ، وَصَارَ إِمَامَ زَمَانِهِ   

   بِخُرَاسَانَ، رَحَلَتْ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْآفَاقِ، قَالَ شَيْخُهُ الرَّبِيعُ: «اسْتَفَدْنَا مِنَ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَادَ مِنَّا»؛ وَكَانَ مُتَقَلِّلًا لَهُ قَمِيصٌ وَاحِدٌ دَائِمًا، فَإِذَا جَدَّدَ آخَرَ وَهَبَ مَا كَانَ عَلَيْهِ.

   نَقَلَ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ فِي الْأَذَانِ ثَنَّى الْإِقَامَةَ وَإِلَّا أَفْرَدَهَا.

   وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُدْرَكُ بِالرُّكُوعِ، وَلِدَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ فِي «الطَّبَقَاتِ»: سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ»[28].
   وَقَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: "ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، نَقَلَهُ الْحَاكِمُ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيِّ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرُوَيْهِ الْمُقْرِئِ، عَنْهُ.
    وَقَالَ: إِنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
   وَإِنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ يُعِيدُ، نَقَلَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَغَيْرُهُ"[29].

 

    الْخُزَيْمِيَّةُ:
    قُلْتُ: فَالْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- يُعَدُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَ مَنْهَجُهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَنْهَجِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ.
   وهُوَ إِمَامٌ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، وَأَصْبَحَ لَهُ أَصْحَابٌ يَتَّبِعُونَ قَوْلَهُ وَمَذْهَبَهُ، ويَنْتَسِبُونَ إِلَى اسْمِهِ كَالْمَالِكِيَّةِ نِسْبَةً لِلْإِمَامِ مَالِكٍ، وَالْحَنَابِلَةِ نِسْبَةً لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
   قَالَ السَّمْعَانِيُّ: "«الْخُزَيْمِيُّ»: بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمَنْقُوطَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا وَفِي آخِرِهَا الْمِيمُ، هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ الْخُزَيْمِيِّ، إِمَامِ الْأَئِمَّةِ، اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِهِ عَلَى تَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ، حَدَّثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ وَعَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ الْمَرْوَزِيِّينَ، وَرَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، وَجَمَاعَةٌ يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ «الْخُزَيْمِيُّ»، وَكَانَ أَدْرَكَ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِمْ، وَمَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ»[30].

   وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «قال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ؛ وَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لَهُ أَصْحَابٌ يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا، بَلْ إِمَامًا مُسْتَقِلًّا؛ كَمَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «مَدْخَلِهِ». عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: طَبَقَاتُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ خَمْسَةٌ: الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنْبَلِيَّةُ، وَالرَّاهَوِيَّةُ، وَالْخُزَيْمِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ»[31].

  قُلْتُ: وَقَدْ حَضَرَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مُنَاظَرَةً لِلْمُزَنِيِّ، فَسَأَلَهُ بَعْضُ العِرَاقِيِّينَ عَنِ القَتْلِ شِبْهِ العَمْدِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ المُزَنِيُّ بِحَدِيثٍ مِنْ رِوَايَةِ "عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ"، فَقَالَ السَّائِلُ: "وَهَلْ تَحْتَجُّونَ بِعَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ؟" فَسَكَتَ المُزَنِيُّ.

   فَتَكَلَّمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْأُخْرَى، فَقَالَ السَّائِلُ لِلْمُزَنِيِّ: "أَنْتَ تُنَاظِرُ أَمْ هَذَا؟" قَالَ الْمُزَنِيُّ: "إِذَا جَاءَ الحَدِيثُ فَهُوَ يُنَاظِرُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ أَتَكَلَّمُ أَنَا"[32].

   قلت: وَالإِمَامُ المُزَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِنْ رُؤُوسِ المَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيَشْهَدُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ بِتَقَدُّمِهِ وَفَضْلِهِ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ.

 وَسَأَلَهُ الأَمِيرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، لَمَّا دَخَلَ نَيْسَابُورَ، عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِ، فَأَجَابَ.

   قَالَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ: "فَعَدَدْنَا مِائَةً وَنَيِّفًا وَسَبْعِينَ حَدِيثًا سَرَدَهَا مِنْ حِفْظِهِ فِي الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِ"[33].

   قَالَ الذَّهَبِيُّ: "سَمِعَ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ كَتَبَ عَنْهُمَا فِي صِغَرِهِ وَقَبْلَ فَهْمِهِ وَتَبَصُّرِهِ"[34]

   قُلْتُ: وَالْخَوْفُ وَالْوَرَعُ مِنْ أَبْرَزِ سِمَاتِ هَذَا الْإِمَامِ، فَكَانَ يَحْذَرُ الْهَفْوَةَ تَكُونُ مِنْهُ وَهُوَ يَرْوِي حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلِهَذَا يَتَوَرَّعُ أَحْيَانًا عَند التَّحْدِيثِ فيُنَبِّهُ عَلَى هَذَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بِحَدِيثٍ قَالَ: «أَمْلَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ ... الْأَنْصَارِيُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَنَا حَاضِرُ الْمَجْلِسِ فَكَتَبْتُهُ بِخَطِّي، إِلَّا أَنِّي خَائِفٌ أَنْ أَكُونَ أَخَذْتُ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي»[35].
   وَهَذَا يَذْكُرُهُ الْإِمَامِ تَوَرُّعًا وَخَوْفًا مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يَقُولَ سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنَا وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ، وَمِثَالُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي مُقَاتَلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ: «أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: «إِلَى حُكْمِكَ»[36].
 قُلْتُ: فَهَذَا الْجُزْءُ مِنَ الْحَدِيثِ لَمْ يَسْمَعْهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ شَيْخِهِ أَبِي الْوَلِيدِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَاهِلِيِّ بِوُضُوحٍ فَأَفْهَمَهُ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ.


   ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:

وَقَدْ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ عن ابْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: "وَيْحَكُمْ! هُوَ يُسْأَلُ عَنَّا، وَلَا نُسْأَلُ عَنْهُ، وَهُوَ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ"[37].

   وَقَالَ أيضًا: "رَوَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ"[38].

   قُلْتُ: فَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ رَوَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ الذَّهَبِيِّ هُنَا؛ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ فِي مَرْوِيَّاتِهِ رِوَايَةً عَنِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ أَوْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

   وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ التِّلْمِيذُ النَّجِيبُ لِهَذَا الإِمَامِ: "مَا رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَنْ يُحْسِنُ صِنَاعَةَ السُّنَنِ وَيَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا الصِّحَاحَ وَزِيَادَاتِهَا، حَتَّى كَأَنَّ السُّنَنَ كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ فَقَطْ"[39].

وَقَالَ أَيْضًا: «وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ أَحَدَ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا عِلْمًا وَفِقْهًا وَحِفْظًا وَجَمْعًا وَاسْتِنْبَاطًا حَتَّى تَكَلَّمَ فِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ لَا نَعْلَمُ سَبَقَ إِلَيْهَا غَيْرَهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا مَعَ الْإِتْقَانِ الْوَافِرِ وَالدِّينِ الشَّدِيدِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ، اعْتَلَّ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ وَمَاتَ لَيْلَةَ السَّبْتِ»[40].

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: "كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ثَبْتًا مَعْدُومَ النَّظِيرِ"[41].

  وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظُ: "لَمْ أَرَ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَحْفَظُ الفِقْهِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا يَحْفَظُ القَارِئُ السُّورَةَ.

   وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ: "ابْنُ خُزَيْمَةَ يُخْرِجُ النُّكَتَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمِنْقَاشِ"[42].
   قُلْتُ: وَالنُّكَتُ هِيَ الفَوَائِدُ العَزِيزَةُ، وَمِنْهَا كِتَابُ ابْنِ حَجَرٍ "النُّكَتُ عَلَى مُقَدِّمَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ".
    وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ -وَسُئِلَ: مِنْ أَيْنَ أُوتِيتَ هَذَا العِلْمَ؟- فَقَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ"، وَإِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ مَاءَ زَمْزَمَ سَأَلْتُ اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا"[43].
   وَقَالَ الحَاكِمُ صَاحِبُ "المُسْتَدْرَكِ": "كَانَ إِمَامَ أَهْلِ المَشْرِقِ فِي زَمَانِهِ عِلْمًا وَإِتْقَانًا وَمَعْرِفَةً".  
  وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: "كَانَ يُقَالُ لَهُ: إِمَامُ الأَئِمَّةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ ا
لفِقْهِ وَالحَدِيثِ"[44].

   وقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي «الْعَرْشِ»: «وَلَا أَعْلَمُ فِي وَقْتِهِ مِثْلَهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَرُبَّمَا فِي وَقْتِهِ أَفْقَهُ مِنْهُ مَنْ غَيْر عِلْمٍ بِالْحَدِيثِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَمَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ فَلَا أَعْلَمُ، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ»[45].

   وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ": "أَكْثَرَ وجَوَد وَصَنَّفَ وَاشْتَهَرَ اسْمُهُ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الإِمَامَةُ وَالحِفْظُ فِي عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الشَّيْخَانِ خَارِجَ صَحِيحَيْهِمَا"[46]

    قُلْتُ: مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ البُخَارِيَّ نَقَلَ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ خَبَرًا فِيهِ شَكْوَى أَبِي الإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بِمَكْوثِ وَلَدِهِ عِنْدَ سُفْيَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي لِرُؤْيَتِهِ إِلَّا سَاعَةً.

   وَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ قَرَأَ بِخَطِّ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: "حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُنَا، حدثنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ" -بِحَدِيثٍ فِي الاسْتِسْقَاءِ"[47].

   وَفِي "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ"، قَالَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: "مُسْلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ  كَانَ سَأَلَنِي عَنْ هَذَا؟"[48].

    وَقَدْ أَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ الكُبْرَى" عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَافِظِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: "جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ (يَقْصِدُ حَدِيثَ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ)، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوَى بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوَى بَدَنَةً؟! بَلْ هُوَ يَسْوَى بَدْرَةً"[49].
    وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ فِي "الصَّحِيحِ"، فَقَالَ فِي حَدِيثِ "المَاءُ مِنَ المَاءِ": "حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الحَمَّالُ"[50].

   وَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي "مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ"، قَالَ: أَخْبَرَنِي الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّارَمِيُّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: "إِنَّمَا كَانَتِ الفُتْيَا المَاءُ مِنَ المَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا".
   قَالَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: "فَسَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ الحَجَّاجِ يَقُولُ: حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فِي تَرْكِ الغُسْلِ مِنَ الإِكْسَالِ، وَقَوْلُهُ "المَاءُ مِنَ المَاءِ" ثَابِتٌ مُتَقَدِّمٌ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ  

    وَسَلَّمَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شِعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ" "[51].
   وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ القَفَّالُ: "كَتَبَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ يَسْتَجِيزُهُ كِتَابَ الجِهَادِ فَأَجَازَهُ لَهُ"[52].
   قُلْتُ: وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى جُمْلَةٍ وَافِرَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي كُتُبِ السُّنَنِ، يَرْوِي فِيهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ الشَّيْخَيْنِ وَالْعَكْسِ، وَلَكِنَّهُ أَكْثَرُ عَنْ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ، وَلَعَلِّي أَذْكُرُ فِي مَلْحَقٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا مِمَّا لَيْسَ فِي صَحِيحِهِ أَوْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
   وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَنِ الحَافِظِ أَبِي الفَضْلِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ الهَمَذَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ "سُنَنِ التَّحْدِيثِ": "وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فَتَحَ أَقْفَالَ مُتُونِ الأَخْبَارِ، وَمَيَّزَ الإِسْنَادَ وَنَاقِلِيهَا، وَأَوْرَدَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ فِي المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ وَالطُّرُقِ وَتَمْيِيزِ فِقْهِ المُتُونِ وَاخْتِلَافِ العُلَمَاءِ وَشَرَائِطِ التَّحْدِيثِ مَا لَمْ يُرْزَقْ غَيْرُهُ.

    وَكَانَ إِمَامَ زَمَانِهِ، وَوَرَدَ الخَبَرُ عَنِ المُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا"[53].

    ثُمَّ ذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: "سَمِعْتُ المَشَايِخَ فِي القَدِيمِ يَقُولُونَ: إِنَّ رَأْسَ المِائَةِ السَّنَةِ فِي التَّارِيخِ مِنَ الهِجْرَةِ قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَرَأْسَ المِائَتَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، وَرَأْسَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ"[54].
   وَقَالَ مُحَمَّدُ حَسَنْ خَانْ: «كَانَ قَوِيَّ الْبَادِرَةِ، كَثِيرَ الْإِطْلَاعِ، غَزِيرَ الْمَادَّةِ، صَنَّفَ كَثِيرًا، وَأَفَادَ وَكَانَ يُنْعَتُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، وَذَكَرَ لَهُ حَاجِّي خَلِيفَةَ كِتَابَ «الصَّحِيحِ»، مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَكِتَابًا فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ.
   ذَكَرَ تَرْجَمَتَهُ الْخَوْرِيُّ فِي «الْآثَارِ»، فقال: وَكَانَ عَالِمًا بِالدَّلِيلِ، تَارِكًا لِلتَّقْلِيدِ، صَاحِبَ السُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِلِابْتِدَاعِ»[55].
    وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحِيرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: «كُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُصَنِّفَ الشَّيْءَ دَخَلْتُ الصَّلَاةَ مُسْتَخِيرًا حَتَّى يُفْتَحَ لِي فِيهَا، ثُمَّ أَبْتَدِئُ التَّصْنِيفَ»[56].
   قُلْتُ: وَهَذِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ كَانَتْ مَسْلَكَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَسَتَأْتِي مَعَنَا مَنْزِلَتُهَا الرَّفِيعَةُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي تَحْقِيقِهِ أَحْوَالَ الرُّوَاةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْبَيْهَقِيِّ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.
  هَذَا، وَقَدْ وَقَعَ لِلْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَرَامَةٌ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى مِصْرَ، فَإِنَّهُ -كَمَا ذُكِرَ آنِفًا- رَافَقَهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ "تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ"، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ صَاحِبُ "المُسْنَدِ" المَشْهُورِ.

  وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ بَعْدَ نَفَادِ الزَّادِ مِنْهُمْ، فَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَطْعَمُونَ شَيْئًا حَتَّى حَلَّتْ لَهُمُ المَسْأَلَةُ. فَاسْتَحْيَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْأَلَ، فَاقْتَرَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: "دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ." وَسَجَدَ يَدْعُو بِدُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ، فَقُرِعَ البَابُ، فَإِذَا بِخَادِمٍ لِأَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ أَمِيرِ مِصْرَ، وَمَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ: "اسْتَنْفِقُوا هَذَا، فَإِذَا فَنِيَتْ بَعَثْنَا إِلَيْكُمْ مِثْلَهَا." قَالُوا: "لَا نَقْبَلُ هَذَا مِنْكَ حَتَّى تُخْبِرَنَا بِالقِصَّةِ"، فأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الأَمِيرَ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ رَأَى رُؤْيَا أَنَّ أَرْبَعَةً مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ طَوَوْا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَطْعَمُوا شَيْئًا، فَقَالَ: "مَا حُجَّتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ غَدًا؟" فَكَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِالمَالِ".

ذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ هَذِهِ القِصَّةَ مِنْ وَجْهَيْنِ[57].

 

  قُلْتُ: وَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ كَانَ فَقِيرًا، فَقَدْ ذَكَرَ الحَاكِمُ أَنَّهُ صَنَعَ وَلِيمَةً دَعَا لَهَا الفُقَرَاءَ وَالأَغْنِيَاءَ، وَكَانَ يَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ يَعْزِمُ عَلَى النَّاسِ وَيُشَدِّدُ فِي الحُضُورِ.

 قَالَ الحَاكِمُ: "وَنُقِلَ كُلُّ مَا فِي البَلَدِ مِنَ الأَكْلِ وَالشِّوَاءِ وَالحَلْوَى، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِكَثْرَةِ الخَلَائِقِ، وَلَا يَتَهَيَّأُ مِثْلُهُ إِلَّا لِسُلْطَانٍ كَبِيرٍ، وَحَمَلَ النَّاسُ الطَّعَامَ مَعَهُمْ لِلْبُيُوتِ"[58].
  وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَهَا مَوْتُ عَظِيمٍ لِأَهْلِ البِدَعِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ.


  وجَاءَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ: «كَانَ حَافِظًا، جَمَعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ فِي الْأَبْوَابِ وَالشُّيُوخِ، وَصَنَّفَ «التَّفْسِيرَ الْكَبِيرَ»، وَخَرَّجَ عَلَى «صَحِيحِ» مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَضَافَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ: أَيَّ حَلَاوَةٍ نَتَّخِذُ لَكُمْ؟ اشْتَهُوا مَا شِئْتُمْ، فَسَكَتُوا، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَخْتَارُ مِنَ الْحَلَاوَاتِ: الْفَالُوذَ، أَوِ الْخَبِيصَ، أَوِ الْعَصِيدَةَ؟ فَقُلْتُ: كُلُّهَا، فَقَالَ لِلطَّبَّاخِ: امْتَثِلْ مَا قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ»[59].

   قلت: فَلَمْ يَكُنْ فَقِيرًا -رَحِمَهُ اللَّهُ-، بَلْ كَانَ سَخِيًّا جَوَادًا كَرِيمًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ، مَعَ زُهْدٍ فِي نَفْسِهِ، فَقَدْ كَانَ مُتَقَلِّلًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا.

   أسانيدُ كتابِهِ الصَّحيحِ.
   قَالَ الخَلِيلِيُّ فِي "الإِرْشَادِ": "وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِنَيْسَابُورَ سِبْطُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ"[60].

   قُلْتُ: وَالسِّبْطُ هُوَ ابْنُ البِنْتِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْحَسَنِ وَالحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُمَا ابْناء فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-.

    وَمُحَمَّدٌ هَذَا هُوَ: أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَلَهُ قِصَّةٌ سَتَأْتِي.

   وَهُوَ الَّذِي تَبْدَأُ بِكُنْيَتِهِ أَغْلَبُ أَسَانِيدِ "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"، فَتَبْدَأُ بِـ "أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ" يَعْنِي ابْنَ خُزَيْمَةَ، فَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ.

   وَالَّذِي حَدَّثَ بِهَذِهِ النُّسْخَةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ هَذَا، الإِمَامُ الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ "عَقِيدَةِ السَّلَفِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ".

   وَأما نُسْخَةُ الكِتَابِ أَخْرَجَهَا مِنْ عَالَمِ المَخْطُوطَاتِ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ مُصْطَفَى الأَعْظَمِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الهِنْدِ، تَخَصَّصَ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ.

   قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ تَحْقِيقِهِ: "حَاوَلْتُ أَنْ أَحْكُمَ عَلَى أَحَادِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ تَصْحِيحًا وَتَحْسِينًا وَتَضْعِيفًا -إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ الحَدِيثُ مُخَرَّجًا فِي "الصَّحِيحَيْنِ"-، ثُمَّ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَأَكَّدَ وَأَسْتَوْثِقَ فِي حُكْمِي عَلَى الحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ طَلَبْتُ مِنَ المُحَدِّثِ الكَبِيرِ الأُسْتَاذِ الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ - حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنْ يُرَاجِعَ الكِتَابَ وَخَاصَّةً تَعْلِيقَاتِي، فَقَبِلَ فَضِيلَتُهُ مَشْكُورًا وَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.

   فَإِذَا خَالَفَنِي الأُسْتَاذُ نَاصِرُ الدِّينِ فِي التَّصْحِيحِ وَالتَّضْعِيفِ، أَثْبَتُّ رَأْيَهُ، ثِقَةً مِنِّي بِهِ عِلْمًا وَدِينًا، وَلِلْأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ وُضِعَ كَلَامُهُ بَيْنَ قَوْسَيْنِ مَعَ ذِكْرِ كَلِمَةِ "نَاصِرٌ" فِي الآخِرِ لِيُمْكِنَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ قَوْلِي وَقَوْلِهِ.

    وَمِنَ الجَائِزِ جِدًّا أَنْ يَقَعَ بَعْضُ الأَخْطَاءِ فِي هَذَا التَّنْسِيقِ، نَظَرًا لِوُجُودِ المُحَقِّقِ بِمَكَّةَ وَالمُرَاجِعِ بِالشَّامِ وَالطَّابِعِ بِبَيْرُوتَ، وَبَيْنَهُمْ مِنَ المَسَافَاتِ مَا بَيْنَهُمْ"[61].

   قلت: وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّيْخُ الأَعْظَمِيُّ فِي هَذَا جِدًّا، فَلَا يَعْرِفُ الفَضْلَ لِأَهْلِ الفَضْلِ إِلَّا ذَوُو الفَضْلِ، وَالمَرْءُ قَلِيلٌ بِنَفْسِهِ كَثِيرٌ بِإِخْوَانِهِ، وَلِلْعِلْمِ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ.

    وَعَلَى المَرْءِ أَنْ يَتَحَسَّسَ نَفْسَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَوَاضِعِ، فَالشَّيْخُ الأَعْظَمِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَخْرَجَ مِنْ عَالَمِ المَخْطُوطَاتِ كِتَابًا بِهَذِهِ الأَهَمِّيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرَى نَفْسَهُ، وَيُقَدِّمُ مِنْ إِخْوَانِهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَتْقَنُ لِهَذَا البَابِ، لِأَنَّ الغَايَةَ خِدْمَةُ السُّنَّةِ وَنَفْعُ المُسْلِمِينَ، فَرَحْمَةُ   

   اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى جَمِيعِ عُلَمَاءِ الأمة.

     سَبَبُ مِحْنَةِ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ:


    وَقَدْ حَدَثَتْ لِهَذَا الإِمَامِ مِحْنَةٌ بِسَبَبِ تَحْرِيشِ أَهْلِ البِدَعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَبَتِهِ.
    فكانَ نَهَى عَنِ الجُلُوسِ مَعَ الكُلَّابِيَّةِ، وَهِيَ فِرْقَةٌ كَلَامِيَّةٌ تُنْسَبُ إِلَى ابْنِ كُلَّابٍ، وَهِيَ عَلَى أُصُولِ الجَهْمِيَّةِ فِي نَفْيِ صِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ تَأْوِيلِهَا، وَالكَلَامِ فِي القُرْآنِ، كَحَالِ الأَشَاعِرَةِ.

   فَحَصَلَتْ وَحْشَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَبَتِهِ لِمَا بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُجَالِسُ هَؤُلَاءِ وَيَتَعَاطَى عِلْمَ الْكَلَامِ، فَتَكَلَّمَ فِيهِمْ عَلَى هَذَا الأَصْلِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: "مَنْ خَفِيَتْ عَنَّا بِدْعَتُهُ لَمْ تَخْفَ عَلَيْنَا أُلْفَتُهُ".

   وَهُمْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِسَبَبِ هَذَا أَيْضًا، وَالحَقُّ أَنَّهُمْ كَانوا ضَحَايَا مَكْرِ المُبْتَدِعَةِ، وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا كَانُوا عَلَى خَيْرٍ، والله أعلم.

 

    مُعْتَقَدُهُ:

   وَلَعَلَّ هَذِهِ الحَادِثَةَ كَانَتْ سَبَبًا فِي وَضْعِهِ لِكِتَابِهِ "التَّوْحِيدِ"، وَهَذِهِ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ المَوْجُودَةِ فِي صَحِيحِهِ وَالَّتِي فِيهَا الرَّدُّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ وَالجَهْمِيَّةِ وَصُفُوفِ المُبْتَدِعَةِ، وَالتي يَجْعَلُهَا أحيانًا فِي التَّبْوِيبِ لِلْأَحَادِيثِ كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ البُخَارِيِّ.

     فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِهِ: "بَابُ اسْتِحْبَابِ مَسْأَلَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الهِدَايَةَ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ عِنْدَ افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ؛ وَالدَّلِيلِ عَلَى جَهْلِ مَنْ زَعَمَ مِنَ المُرْجِئَةِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى المُشَمِّتِ فَيَقُولَ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ، وَالنَّبِيُّ المُصْطَفَى الَّذِي قَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ قَدْ سَأَلَ اللَّهَ الهِدَايَةَ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْأَلَ المُسْلِمُ الهِدَايَةَ"[62].

   وَبَوَّبَ فِي كِتَابِ "التَّوْحِيدِ": "بَابُ ذِكْرِ قِصَّةٍ ثَابِتَةٍ فِي إِثْبَاتِ يَدِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا أَنَّ اللَّهَ خَطَّ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ لِكَلِيمِهِ مُوسَى، وَإِنْ رَغِمَتْ أَنُوفُ الجَهْمِيَّةِ"[63].

    وَقَالَ فِي كِتَابِهِ "التَّوْحِيدِ"، بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الخَوَارِجِ: "أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ"، وَذِكْرِ أَحَادِيثِ المِعْرَاجِ، قال: "فَتِلْكَ الأَخْبَارُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الخَالِقَ البَارِئَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ، لَا عَلَى مَا زَعَمَتِ المُعَطِّلَةُ: أَنَّ مَعْبُودَهُمْ هُوَ مَعَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ،

 وَكَفَنَهُمْ، مَا هُوَ عَلَى عرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى"[64].

   وَقُلْ أَيْضًا: «قَدْ ثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَفْظَةٍ لَوْ حُمِلَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا حَمَلَتِ الْمُرْجِئَةُ الْأَخْبَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَلَى ظَاهِرِهَا لَكَانَ الْعَالِمُ بِقَلْبِهِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَحِقًّا لِلْجَنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْرُرْ بِذَلِكَ بِلِسَانِهِ، وَلَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْإِقْرَارِ بِهِ، وَلَا آمَنَ بِقَلْبِهِ بِشَيْءٍ أَمَرَ اللهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَلَا عَمِلَ بِجَوَارِحِهِ شَيْئًا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَلَا انْزَجَرَ عَنْ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللهُ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتِحْلَالِ حُرُمِهِمْ فَاسْمَعِ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، كَمَا حَمَلَتِ الْمُرْجِئَةُ الْأَخْبَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى ظَاهِرِهَا»[65].

   وَقَالَ: "أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ المُقْرِئُ سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ: شَيْءٌ مِنْهُ مَخْلُوقٌ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي الأَزَلِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآنَ مُحْدَثٌ، فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِي بِأَنَّ لَهُ الكَلَّابِيَّةَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ كَذِبَةً فِيمَا يَحْكُونَ عَنِّي بِمَا هُوَ خِلَافُ أَصْلِي وَدِيَانَتِي"[66]

   وَقَالَ الحَاكِمُ: "سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ، وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا"[67].

   وَقَالَ أَبُو الوَلِيدِ الفَقِيهُ: "سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: القُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ".[68]

  قُلْتُ: فَهَذِهِ هِيَ عَقِيدَةُ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، عَقِيدَةٌ صَرِيحَةٌ وَاضِحَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.

   غَيْرَ أَنَّهُ نُسِبَ إِلَيه مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ من بَعْضِهِمْ، وَأُحِبُّ تَنَاوُلَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ نُصْرَةً لِهَذَا الإِمَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقُّهُ عَلَيْنَا، وَأَيْضًا هُوَ مِنَ التَّدْرِيبِ العَمَلِيِّ لِطَالِبِ الحَدِيثِ عَلَى عِلْمِ التَّحْقِيقِ.

   فَإِنَّ الأَصْلَ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ: التَّأَكُّدُ مِنْ صِحَّةِ الأَخْبَارِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي كُتُبِ التَّرَاجِمِ، لِتَعَلُّقِ هَذَا بِعِلْمِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَالَّذِي لَهُ تَأْثِيرٌ قَوِيٌّ فِي الحُكْمِ عَلَى الأَحَادِيثِ.

   فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ خَبَرٌ نَقَلَهُ ضَعِيفٌ أَوْ مُتَّهَمٌ عَنْ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَوْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَفِيهِ تَوْثِيقٌ لِأَحَدِ الرُّوَاةِ، فَالكَذِبُ هُنَا مُتَعَدٍّ هَذَا الإِمَامِ إِلَى الحُكْمِ بِصِحَّةِ حَدِيثٍ بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّوْثِيقِ.

   فَمِثْلُ هَذَا البَحْثِ لَهُ ثَمَرَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ طَالِبِ العِلْمِ المُبْتَدِئِ، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَهُولُهُ كُلُّ قَوْلٍ يَقِفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ، وَأن لَا يُكَرِّرُ كُلَّ مَا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ غَيْرِ النَّظَرِ فِيهِ وَالتَّحَقُّقِ مِنْهُ.

     وَالرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"[69].

 

    شُبُهَاتٌ حَوْلَ مُعْتَقَدِ الْإِمَامِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا:


   ١ ـ شبهة: إِنْكَارُهُ لِصِفَةِ الْوَجْهِ:

   فَمِمَّا قِيلَ فِي الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، إِنْكَارُهُ لِصِفَةِ الوَجْهِ، لِأَنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيثَ "لا يُقْبَّحُ الْوَجْهُ فإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ"[70]، وَمَنْ نَسَبَ هَذَا الإِمَامَ إِلَى هَذَا القَوْلِ يَرَى صِحَّةَ الحَدِيثِ.

 

   وَالحَقُّ أَنَّ هُنَاكَ مَشْكَلَةً عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، أَنَّهُمْ يُلْزِمُونَ أَحْيَانًا العُلَمَاءَ بِشُرُوطٍ تَوَهَّمُوهَا مِنْ أَسْمَاءِ كُتُبِهِمْ أَوْ مِنْ كَلِمَةٍ مُخْتَصَرَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِمْ، تَوَهَّمُوا أَنَّهَا شَرْطٌ لِكِتَابِهِمْ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَنِيعِ المُؤَلِّفِ فِي كِتَابِهِ.
    فَإِنْ خَالَفَ مَا تَوَهَّمُوهُ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ مَنْهَجَ الكِتَابِ يَسِيرُ عَلَى خِلَافِ مَا يَتَوَهَّمُونَ، ثُمَّ يَرْمُونَ هَذَا العَالِمَ بِالتَّنَاقُضِ وَمُخَالَفَةِ مَنْهَجِهِ، أَوْ يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ.
   أَوْ أَنْ يَتْرُكَ الْبَاحِثُ أَوِ الْمُحَقِّقُ الْمَصْدَرَ الْأَصْلِيَّ وَيَبْدَأَ التَّحْقِيقَ مِنْ مَصْدَرٍ فَرْعِيٍّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وْنَصِّ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ يُهْمِلُ ذَلِكَ وَيَبْدَأُ بِكِتَابٍ نَقَلَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ مَصْدَرِهِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ يَكْتَفِي بِتَعْلِيقِ عَالِمٍ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَيَجْعَلُ هَذَا التَّعْلِيقَ هُوَ الْأَصْلَ الَّذِي يَنْطَلِقُ مِنْهُ، ثُمَّ نَسْمَعُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ فُلَانًا هَذَا صَاحِبُ اسْتِقْرَاءٍ تَامٍّ، وَأَنَّهُ خَاتِمَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ، وَكَلَامٌ يَدُورُ فِي هَذَا الْفَلَكِ.
   وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ وَجْهَةِ نَظَرِي مِنْ أَكْبَرِ الْأَخْطَاءِ الْمَنْهَجِيَّةِ الَّتِي يُعَانِي مِنْهَا عِلْمُ التَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْعَصْرِ بَل وَالْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ، أَعْنِي الزُّهْدَ فِي الْمَصْدَرِ الْأَصْلِيِّ وَبَدْءَ الْبَحْثِ وَإِصْدَارَ الْحُكْمِ مِنْ مَصْدَرٍ ثَانَوِيٍّ أَوْ فَرْعِيٍّ نَقَلَ مِنَ الْمَصْدَرِ الْأَصْلِيِّ، مَعَ إِمْكَانِيَّةِ الرُّجُوعِ    

   إِلَى الْمَصْدَرِ الْأَصْلِيِّ؛ وأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ الْأَصْلِيُّ مَفْقُودًا وَلَا نَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، فَنَسْتَعِينُ هُنَا بِالْمَصْدَرِ الَّذِي نَقَلَ مِنْهُ، وَلَكِنَّ مِنْ غَيْرِ جَرْمٍ، فَيُقَالُ: نَقَلَ فُلَانٌ كَذَا مِنْ كِتَابِ كَذَا؛ فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا، فَيُعَلِّقُ الْحُكْمَ وَلَا يَجْزِمُ بِهِ.
   وَكِتَابُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ الَّذِي فِيهِ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَمَا هُوَ عُذْرُ مَنْ يَزْهَدُ فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَحْكُمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ بِنَاءً عَلَى كَلِمَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ عَالِمٍ آخَرَ فِيهَا خِلَافُ الْوَاقِعِ؟

   وتَضْعِيفُ الْإِمَام ابْنِ خُزَيْمَةَ لِلحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِصِفَةِ الوَجْهِ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِنُصُوصِ القُرْآنِ، وَلَكِنْ مِنْ أَمَانَةِ العِلْمِ عَدَمُ السُّكُوتِ عَلَى مَا لَمْ يَصِحَّ عن رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَإِنْ كَانَ صَحَّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كالقرآن.

    وَهَذَا مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ فِي رَدِّ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَى الرَّوَافِضِ، فَيُضَعِّفُ الحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى "عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ"، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ يُصَحِّحُ مَعْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْصُرُ الدِّينَ بِالكَذِبِ.

   وَالعَالِمُ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِقَامَةَ بَيِّنَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى قَوْلِهِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا القَوْلَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَنَا الدِّينَ وَبَيَّنَ لَنَا المَحَجَّةَ.
   وَحَتَّى تُفْهَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ، أَخْطَأَ كُلُّ مَنْ صَحَّحَهُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ بَيَّنَ أَنَّ لَهُ ثَلَاثَ عِلَلٍ، أَحَدُهَا: الشُّذُوذُ.

   وَلِذَا لَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فَقَالَ: «وَقَدِ افْتُتِنَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ عَطَاءٍ عَالِمٌ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ إِضَافَةِ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَغَلِطُوا فِي هَذَا غَلَطًا بَيِّنًا، وَقَالُوا مَقَالَةً شَنِيعَةً مُضَاهِيَةً لِقَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَكُلَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ»[71].
   قُلْتُ: فَبَدَلًا مِنْ تَأَمُّلِ كَلَامِ هَذَا الْإِمَامِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَالتَّحَقُّقِ مِنْ صِحَّةِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا؛ تُرِكَ كُلُّ هَذَا وَأَصْبَحَ بَدْءُ الْبَحْثِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا
أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِقِوَامِ السُّنَّةِ -رَحِمَهُ اللهُ- صَاحِبُ كِتَابِ «الْتَّرْهِيبِ وَالْتَّرْغِيبِ»،
حَيْثُ قَالَ: «أَخْطَأَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ وَلَا يُطْعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَلْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْبُ»[72].

   قُلْتُ: فَجُعِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ الْأَصْلَ، وَأَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ "قِوَامُ السُّنَّةِ" مِنَ الْحُكْمِ بِتَخْطِئَةِ هَذَا الْإِمَامِ هُوَ الصَّوَابُ، وَبَدَأَ تَنَاقُلُ النَّاسِ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إِلَى كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مَعَ تَوَافُرِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.

   فَنَجِدُ الْإِمَامَ الذَّهَبِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- يُكَرِّرُ هَذَا الْكَلَامَ كَأَنَّهُ مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ، فَقَالَ:

    «وَكِتَابُهُ فِي «التَّوْحِيدِ» مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الصُّورَةِ، فَلْيُعْذَرْ مَنْ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ.
   وَأَمَّا السَّلَفُ، فَمَا خَاضُوا فِي التَّأْوِيلِ، بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ -مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ، وَتَوَخِّيهِ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ- أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعْنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الْجَمِيعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ»[73].
  

   قُلْتُ: فَالذَّهَبِيُّ هُنَا قَضَى بِأَنَّ هَذَا الْإِمَامَ قَدْ تَأَوَّلَ هَذه الصِّفَةَ، وَأَوْجَبَ عَذْرَهُ، إِذْ لَوْ أَهْدَرْنَا كُلَّ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ مَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ وَإِخْلَاصِهِ لِلْحَقِّ لَمْ يَسْلَمْ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ الْأَئِمَّةِ (هَكَذَا). وَأَمَّا السَّلَفُ، فَلَمْ يَخُوضُوا فِي التَّأْوِيلِ، بَلْ آمَنُوا وَكَفُّوا، وَفَوَّضُوا عِلْمَهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ (هَكَذَا).
   وَهَذِهِ إِطْلَاقَاتٌ غَرِيبَةٌ لَا يَلِيقُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، فَالسَّلَفُ لَمْ يُفَوِّضُوا الْعِلْمَ، بَلْ فَوَّضُوا الْكَيْفِيَّةَ، وَسَيَأْتِي مِنَ الذَّهَبِيِّ مَا هُوَ أَدْهَى وَأَمَرُّ فِي حَقِّ هَذَا الْإِمَامِ.

   وَلَا يَحْسَبَنَّ الْقَارِئُ أَنَّ هَذَا طَعْنٌ فِي الذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، بَلْ هُوَ دِفَاعٌ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَعْلَامِ الْأُمَّةِ، وَتَبْرِئَةٌ لَهُ مِنْ بِدْعَةٍ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، وَلَا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى صَفِّ قَوْمٍ قَضَى عُمْرَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَيُبَيِّنُ انْحِرَافَهُمْ عَنِ السُّنَّةِ وَصَرِيحِ الدِّينِ.

   فَهَذَا مِنْ هَذَا، لَيْسَ فِي الْكَلَامِ طَعْنٌ فِي الذَّهَبِيِّ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ وَفَاءٌ لِحَقِّ عَالِمٍ جَلِيلٍ.

   وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يُفْضِي إِلَى انْتِشَارِ الْبَاطِلِ، وَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ الصَّوَابُ، وَتَصِيرُ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ كَلِمَةُ الذَّهَبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَخْطَأُوا فِي حَقِّ هَذَا الْإِمَامِ.

   وَقَدْ أَلَّفَ الشَّيْخُ التُّوَيْجَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- كِتَابًا أَسْمَاهُ: «عَقِيدَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ».

   فَذَهَبَ فِيهِ إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ الْبَاطِلِ، وَنَسَبَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ مُعْتَقَدًا لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ، تَوَهُّمًا مِنْ كَلَامِ الذَّهَبِيِّ وَقِوَامِ السُّنَّةِ السَّابِقِ، فَالشَّرُّ هُنَا مُتَعَدٍّ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

   والخَطَأُ عِنْدِي فِي طَرِيقَةِ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَفَ عَلَى أَصْلِ كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَوَقَفَ عَلَى كَلِمَةِ «قِوَامِ السُّنَّةِ» فِي تَخْطِئَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، كَانَ يَكْفِيهِ نِسْبَةُ الْقَوْلِ لِصَاحِبِهِ، فَيَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَيَقُولُ: وَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ لِكَذَا وَكَذَا، وَيَذْكُرُ مَا يُرِيدُ.
    وَلَكِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَمْ يَحْدُثْ كَمَا سَيَأْتِي.
    وَلَوْ نَظَرْنَا لِصَنِيعِ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، نَجِدُهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصِّ كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فيمَا يَبدو، وَلَكِنَّهُ مَالَ إِلَى تَنْزِيهِ هَذَا الْإِمَامِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، وَأَنَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ أَخْطَأَ مَنْ نَقَلَهَا عَنْهُ، وَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ صِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ وَسَلَامَةِ الْمَنْهَجِ، وَلَمْ يَسْلُكْ ابْنِ تَيْمِيَةَ طَرِيقَةَ الذَّهَبِيِّ فيَنْسِبُ هَذَا الْإِمَامَ إِلَى بِدْعَةٍ ثُمَّ يَتَأَوَّلُ لَهُ!.
   قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: "قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرَجِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ "الْفُصُولَ فِي الْأُصُولِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ إِلْزَامًا لِذَوِي الْبِدَعِ وَالْفُضُولِ" ...، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ السَّلَفُ صَحَابِيًّا نَظَرْنَا فِي تَأْوِيلِهِ؛ فَإِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَوَافَقَهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ، تَابَعْنَاهُ وَقَبِلْنَاهُ وَوَافَقْنَاهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا حَقِيقَةً إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُشَابَهَةَ الْإِجْمَاعِ إِذْ هُوَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَافُقُ الْمُتَّفِقِينَ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَلِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ لَمْ يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ؛ فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ وَإِنْ صَدَرَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ عَنْ إِمَامٍ مَعْرُوفٍ غَيْرِ مَجْهُولٍ نَحْوَ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، ... عَلَى أَنِّي سَمِعْتُ عِدَّةً مِنَ الْمَشَايِخِ رَوَوْا أَنَّ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ مَزُورٌ مَرْبُوطٌ عَلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ وَإِفْكٌ افْتُرِيَ عَلَيْهِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ لَا نَقِيلُهُ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، بَلْ نُوَافِقُ وَنَتَابِعُ مَا اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِ"[74].


   قُلْتُ: فَشَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ الْمَنْسُوبَ إِلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ هُوَ مَزُورٌ وَإِفْكٌ افْتُرِيَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
   فالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ابْنُ مَنْدَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ صُنِيعِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ، أَنَّهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ.

   فَإِنَّ حَدِيثَ خَلْقِ آدَمَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ، اثْنَانِ فِي كِتَابِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالثَّالِثِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ،

وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ أَحَادِيثِ وَصْفِ الْجَنَّةِ.

   فَالشَّاهِدُ أَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَبِرَا الْحَدِيثَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَأَدْخَلَاهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ أَدْخَلَاهُ فِي أَحَادِيثِ الزُّهْدِ وَوَصْفِ الْجَنَّةِ.

   وَعِنْدَ تَأَمُّلِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَا الرِّوَايَةِ الَّتِي ضَعَّفَهَا الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ نَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَ فِي حُكْمِهِ، فَنَصُّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُخْرَجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٍ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ»[75].

 

   قُلْتُ: فَالضَّمِيرُ هُنَا فِي الصُّورَةِ عَائِدٌ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ».

   وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ... فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ».

   وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ الْأَنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ»[76].

   قُلْتُ: هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ، فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَشْبِيهٌ لِآدَمَ بِصُورَةِ الرَّحْمَنِ.

   وَأَمَّا الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي تَسَبَّبَ فِي كَلَامِ مَنْ تَكَلَّمَ وَخَطَّأَ الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ ثُمَّ تَوَارَثَ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدُ مِنْ غَيْرِ تَدْقِيقٍ وَلَا تَحْقِيقٍ، وَنُسِبَ هَذَا الْإِمَامُ إِلَى الْقَوْلِ بِتَأْوِيلِ الصِّفَاتِ.

   هو مَا قالهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: «بَابُ ذِكْرِ أَخْبَارٍ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَأَوَّلَهَا بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا فَافْتَتَنَ عَالِمًا مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ، حَمَلَهُمُ الْجَهْلُ -بِمَعْنَى الْخَبَرِ- عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ، جَلَّ وَعَلَا عَنْ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ مِثْلَ وَجْهِهِ، الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَنَفَى الْهَلَاكَ عَنْهُ».

   ثُمَّ بَدَأَ فَأَسْنَدَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي مَرَّتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَحَادِيثَ أُخْرَى، كَحَدِيثِ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، وَلَا يَقُلْ: قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهًا أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[77].

   وَأَخَذَ فِي سَرْدِ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَتَّى قَالَ: «حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: ثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَهُوَ الْأَزْدِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَالِكٍ الْمَرَاغِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».

   ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ أَنَّ قَوْلَهُ: «عَلَى صُورَتِهِ» يُرِيدُ صُورَةَ الرَّحْمَنِ عَزَّ رَبَّنَا وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ، بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، الْهَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْمَضْرُوبِ وَالْمَشْتُومِ، أَرَادَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ هَذَا الْمَضْرُوبِ، الَّذِي أَمَرَ الضَّارِبَ بِاجْتِنَابِ وَجْهِهِ بِالضَّرْبِ، وَالَّذِي قَبَّحَ وَجْهَهُ، فَزَجَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: «وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ»، لِأَنَّ وَجْهَ آدَمَ شَبِيهٌ وُجُوهَ بَنِيهِ، فَإِذَا قَالَ الشَّاتِمُ لِبَعْضِ بَنِي آدَمَ: قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، كَانَ مُقَبِّحًا وَجْهَ آدَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، الَّذِي وُجُوهُ بَنِيهِ شَبِيهَةٌ بِوَجْهِ أَبِيهِمْ، فَتَفَهَّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ مَعْنَى الْخَبَرِ، لَا تَغْلِطُوا وَلَا تُغَالِطُوا فَتَضِلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَتَحْمِلُوا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي هُوَ ضَلَالٌ، وَقَدْ رَوَيْتُ فِيهِ لَفْظَةً أَغْمَضَ -يَعْنِي مِنَ اللَّفْظَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا- فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ»[78].

   قُلْتُ: فَالْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ هُنَا أَخْرَجَ الْحَدِيثَ وَتَكَلَّمَ عَنْ مَعْنَاهُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْ مَجْمُوعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، كَالْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا وَهِيَ مُخْرَجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي مَرَّ قَبْلَهُ.

   ثم قَالَ: وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ».
   قُلْتُ: وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى الثَّوْرِيُّ هَذَا الْخَبَرَ مُرْسَلًا غَيْرَ مُسْنَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُقَبِّحُ الْوَجْهَ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ».

    ثم قَالَ: «وَقَدِ افْتُتِنَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي فِي خَبَرِ عَطَاءٍ عَالِمٌ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَرَّ الْعِلْمَ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ إِضَافَةَ الصُّورَةِ إِلَى الرَّحْمَنِ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ إِضَافَةِ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَغَلِطُوا فِي هَذَا غَلَطًا بَيِّنًا، وَقَالُوا مَقَالَةً شَنِيعَةً مُضَاهِيَةً لِقَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَكُلَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَالَّذِي عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ مَوْصُولًا: فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ عِلَلًا ثَلَاثًا»، ثُمَّ ذَكَرَهَا:

   الْأُولَى: أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَدْ خَالَفَ الْأَعْمَشَ فِي إِسْنَادِهِ، فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ مُرْسَلًا، بِخِلَافِ الْأَعْمَشِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مُتَّصِلًا.

   وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ، لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ.

   وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ أَيْضًا مُدَلِّسٌ، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَطَاءٍ.

   ثُمَّ قَالَ: «وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ لَا يَكَادُ يَحْتَجُّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْخَبَرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجِنْسِ، فِيمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَوْ ثَبَتَ».

   ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى فَرْضِيَّةِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَصِحَّ كَمَا مَرَّ، فَقَالَ: «فَمَا أَضَافَ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِضَافَةُ الذَّاتِ، وَالْآخَرُ: إِضَافَةُ الْخَلْقِ، فَتَفَهَّمُوا هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، لَا تُغَالِطُوا.

   فَمَعْنَى الْخَبَرِ إِنْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ مُسْنَدًا، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَلَقَهَا الرَّحْمَنُ، حِينَ صَوَّرَ آدَمَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ»، ... ثَمَّ خَرَّجَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « ذِرَاعًا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَطُولُهُ سِتُّونَ »[79].


   قُلت: فَهَذَا هُوَ كَلَامُ هَذَا الْإِمَامِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَالَّذِي أَسَاءَ فَهْمَهُ بَعْضُهُمْ وَنَسَبُوهُ إِلَى التَّأْوِيلِ، مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِمُعْتَقَدِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي عَشَرَاتِ الْأَمَاكِنِ، كَقَوْلِهِ:

 «فَنَحْنُ وَجَمِيعُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، مَذْهَبُنَا أَنْ نُثْبِتَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَنُقِرَّ بِذَلِكَ بِقُلُوبِنَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُشَبِّهَ وَجْهَ خَالِقِنَا بِوُجُوهِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَعَزَّ رَبَّنَا أَنْ نُشَبِّهَهُ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَجَلَّ رَبَّنَا عَمَّا قَالَتِ الْمُعَطِّلَةُ»[80].
   فَهَذَا صَرِيحٌ مِنَ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ يُثْبِتُ صِفَةَ الْوَجْهِ وَسَائِرَ الصِّفَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، مُخَالِفًا لِطَرِيقَةِ الْمُعَطِّلَةِ، وَأَنَّهُ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ التَّأْوِيلِ.

   هَذا؛ وَقَبْلَ أَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْمَوْضِعَ نُؤَكِّدُ عَلَى مَسْأَلَةٍ غَايَةٍ فِي الْأَهَمِّيَّةِ يَنْبَغِي عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَفَطَّنَ لَهَا وَيَعْلَمَهَا، أَنَّ طَرِيقَةَ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي عَرْضِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا هِيَ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ أَحَادِيثَ الْبَابِ وَيُمَيِّزُونَ الصَّحِيحَ مِنْهَا مِنَ الضَّعِيفِ، نَجِدُ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ.

   غَيْرَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ هُنَا يَتَكَلَّمُ وَيُوَضِّحُ الْعِلَّةَ، وَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ، وَأَمَّا النَّسَائِيُّ فَيَكْتَفِي بِالتَّرْجِيحِ، وَيَقُولُ الطَّرِيقُ الْفُلَانِيُّ أَصَحُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ أَنَّ الْمَحْفُوظَ كَذَا، وَأَحْيَانًا يَسْكُتُ لِوُضُوحِ الدَّلَالَةِ.

   وَأَمَّا الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِأَنْ يُخْرِجَ الطَّرِيقَ الْخَطَأَ فِي ذَيْلِ تَخْرِيجِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نُورًا»[81]، فَأَخْرَجَ الرِّوَايَةَ الْمُخْتَصَرَةَ الَّتِي تُوهِمُ أَحَدَهُمْ أَنَّ هَذَا الذِّكْرَ يُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ[82]، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَذْكَارِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.

   وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ لِوُضُوحِ الْخَطَأِ، فهُوَ لَا يُخْرِجُ الْأَحَادِيثَ الْمُعَلَّةَ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِلَّتِهَا كَمَا يَزعُم الْبَعْضُ، وَإِنَّمَا هُوَ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَمِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ الْخَطَأُ، وَالَّذِي يُنَبِّهُ عَلَى الْغَلَطِ فِيهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي ذَيْلِ التَّخْرِيجِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

   وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي عَرَضْنَاهَا آنِفًا هِيَ أَصَحُّ طُرُقِ تَحْقِيقِ الْأَحَادِيثِ، فَالْبَابُ إِنْ لَمْ يُجْمَعْ لَا يُفْهَمْ، كَمَا أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يُجْمَعَ لَابُدَّ أَنْ يُحَقَّقَ كُلُّ طَرِيقٍ بِمَفْرَدِهِ، وَيَسْتَقِلَّ كُلُّ حَدِيثٍ بِحُكْمٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي ضَوْءِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَا الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ؟.

   وَأَمَّا أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُقَالُ أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ، هَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ طَرِيقَةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

   وَعَامَّةُ الْخَلَلِ الْمَوْجُودِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذَا السَّبَبِ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

   وَهُنَاكَ فَائِدَةٌ اسْتَفَدْتُهَا مِنَ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَرَّرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَهِيَ إِعْرَاضُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ حَدِيثٍ مُهِمٍّ فِي بَابِهِ، وَإِخْرَاجُ مَا يُخَالِفُهُ، هُوَ إِعْلَالٌ مِنْهُمَا له[83].

    وَهَذَا كَمَا فِي هَذَا الْمِثَالِ، أَنَّ الشَّيْخَيْنِ أَعْرَضَا عَنْ حَدِيثِ خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَأَخْرَجَا حَدِيثَ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ.

  وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ اجْعَلُوهَا كَالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ لَكُمْ فِي آخِرِ بَحْثِكُمْ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْكِلَةِ وَالْمُتَدَاخِلَةِ، فَإِنْ وَافَقَ صُنِيعُ الشَّيْخَيْنِ نَتِيجَةَ مَا تَوَصَّلْتُمْ إِلَيْهِ فِي بَحْثِكُمْ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنْ وَجَدْ خِلَافَ ذَلِكَ، فَعَلَيْكُمْ إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي بَحْثِكُمْ فَسَمَتْ خَطَأً، وَاللهُ أَعْلَمُ.

   وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَوُفِّقَ لِلْحَقِّ فِيهِ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَتَوَهَّمَ صِحَّةَ خِلَافِهَا، فَقَالَ فِي تَحْقِيقِهِ لِكِتَابِ «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ» لِلْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظٍ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا».

   وَأَمَّا رِوَايَةُ الصَّحِيحِ التَّامَّةُ فَهِيَ بِلَفْظٍ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا»[84].

   قَالَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ أَقُولُ: لَقَدْ أَسَاءَ الشَّيْخُ التُّوَيْجَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- إِلَى الْعَقِيدَةِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَعًا بِتَأْلِيفِهِ الَّذِي اسْمَاهُ: «عَقِيدَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»، فَإِنَّ الْعَقِيدَةَ لَا تُثْبَتُ إِلَّا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَقَامَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ حَيْثُ إِسْنَادُهُ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَرْبَعَةِ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ أَحَدُهَا.
    وَالْأُخْرَى مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ خَرَّجَهَا وَصَحَّحَهَا فَهُوَ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ، وَإِلَّا كَيْفَ يَصِحُّ لِعَالِمٍ أَنْ يَقْبَلَ طَرِيقًا خَامِسًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»! مُخَالِفًا لِتِلْكَ الطُّرُقِ الْأَرْبَعَةِ، وَالَّتِي ثَلَاثَتُهَا بِلَفْظٍ: «عَلَى صُورَتِهِ»؟!.
    وَالْأُولَى مِنْهَا فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ إِلَى آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَمَا تَرَى، يُضَافُ إِلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي تَجْعَلُ حَدِيثَهَا شَاذًّا عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَدِيثَ الشَّاذَّ لَوْ كَانَ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا، فَكَيْفَ وَفِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ؟، وَالشَّيْخُ يَعْلَمُ ضَعْفَهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَحَاوِلُ تَوْثِيقَهُ، وَلَوْ بِتَغْيِيرِ كَلَامِ الْحُفَّاظِ وَبَتْرِهِ، فَهُوَ يَقُولُ لَكَ: «قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ»: صَدُوقٌ»! وَتَمَامُ كَلَامِ الْحَافِظِ يَرُدُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: «خَلَطَ بَعْدَ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ أَعْدَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا»!

   وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا![85] فَمَاذَا يُقَالُ فِيمَنْ يَنْقُلُ بَعْضَ الْكَلَامِ، وَيَكْتُمُ بَعْضَهُ؟! وَلَهُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، لَا يَتَّسِعُ هَذَا التَّعْلِيقُ لِبَيَانِ ذَلِكَ.

   وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِاللَّفْظِ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ تَكَلَّفَ الشَّيْخُ جِدًّا فِي الْإِجَابَةِ عَنِ الْعِلَلِ الثَّلَاثِ الَّتِي كُنْتُ نَقَلْتُهَا عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، كَمَا تَجَاهَلَ رَجَاحَةَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُرْسَلَةِ عَلَى رِوَايَةِ جَرِيرٍ الْمُسْنَدَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ! وَلَرُبَّمَا تَجَاهَلَ عِلَّةً رَابِعَةً كُنْتُ ذَكَرْتُهَا فِي «الضَّعِيفَةِ» (٣/٣١٧) وَهِيَ: أَنَّ جَرِيرًا سَاءَ حِفْظُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ اضْطِرَابِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَمَرَّةً رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُنْكَرِ، فَتَشَبَّثَ الشَّيْخُ بِهِ، وَمَرَّةً رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ: «عَلَى صُورَتِهِ» فَتَجَاهَلَهُ الشَّيْخُ!...وَخِتَامًا فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنَبِّهَ الْقُرَّاءَ الْكِرَامَ إِلَى أَنَّ مَا نَسَبَهُ الشَّيْخُ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الْحَدِيثَ، فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا صَحَّحُوهُ بِاللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا اللَّفْظُ الْمُنْكَرُ   

   فَلَا، وَرَاجِعْ «الضَّعِيفَةَ» لِتَتَأَكَّدَ مِنْ صِحَّةِ مَا أَقُولُ»[86].
   وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا فِي «السِّلْسَلَةِ الضَّعِيفَةِ» بعد أَنْ ذَكَرَ رِوَايَتَيْنِ، الْأُولَى: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّمَا صُورَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ».

   وَالثَّانِيَةُ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ».

   وَحَكَمَ عَلَى الْأُولَى بِالنَّكَارَةِ وَالثَّانِيَةِ بِالضَّعْفِ، قَالَ: «وَمَعَنَا تَصْرِيحُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِتَضْعِيفِهِ وَهُوَ عَلَمٌ فِي الْحَدِيثِ وَالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَالتَّسْلِيمِ بِمَا ثَبَتَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَنَا أَيْضًا ابْنُ قُتَيْبَةَ حَيْثُ عَقَدَ فَصْلًا خَاصًّا فِي كِتَابِهِ «مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ» (ص ٢٧٥ - ٢٨٠) حَوْلَ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلِهِ،...
   وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: إِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ بِلَفْظَيْهِ وَطَرِيقَيْهِ، وَأَنَّهُ إِلَى ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا». أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
   ثُمَّ قَالَ: (تَنْبِيهٌ هَامٌّ): بَعْدَ تَحْرِيرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثَيْنِ بِزَمَنٍ بَعِيدٍ وَقَفْتُ عَلَى مَقَالٍ طَوِيلٍ لِأَخِينَا الْفَاضِلِ الشَّيْخِ حَمَّادٍ الْأَنْصَارِيِّ نَشَرَهُ فِي مَجَلَّةِ «الْجَامِعَةِ السَّلَفِيَّةِ» ذَهَبَ فِيهِ إِلَى اتِّبَاعٍ -وَلَا أَقُولُ تَقْلِيدٍ- مَنْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ مِنْ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، دُونَ أَنْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الْحَدِيثِيَّةِ وَتَرَاجِمِ الرُّوَاةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ، لِذَلِكَ رَأَيْتُ -أَدَاءً لِلْأَمَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ- أَنْ أُبَيِّنَ بَعْضَ النُّقَاطِ الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ خَطَئِهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَعَ اعْتِرَافِي بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَإِفَادَتِهِ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَبِخَاصَّةٍ فِي الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا.

   أَوَّلًا: أَوْهَمَ الْقُرَّاءَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- تَفَرَّدَ مِنْ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ بِإِنْكَارِهِ لِحَدِيثِ «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» مَعَ أَنَّ مَعَهُ ابْنَ قُتَيْبَةَ وَالْمَازِرِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَحْثِ، فَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَهُ فِي أَوَّلِهِ حَتَّى تَكُونَ الصُّورَةُ وَاضِحَةً عِنْدَ الْقُرَّاءِ"[87].
   ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ وُجُوهَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ، وَالَّتِي مَرَّتْ مَعَنَا آنِفًا، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.

   قُلْتُ: فَهَذِهِ هِيَ الْفَرِيَّةُ الْأُولَى الَّتِي نُسِبَتْ لِلْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَهِيَ أَنَّهُ يَتَأَوِّلُ صِفَةَ الْوَجْهِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ.

   ٢ ـ شُبْهَة: تَشَيُّعُ الْإِمَامِ.


    وَأَمَّا الْفَرِيَّةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنَ التَّشَيُّعِ.
   فإن ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "التَّهْذِيبِ" فِي تَرْجَمَةِ الإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، قَالَ: "قَالَ مَسْلِمَةٌ فِي الصِّلَةِ: كَانَ ثِقَةً وَكَانَ شِيعِيًّا مُفْرِطًا وَحَدِيثُهُ مُسْتَقِيمٌ." انْتَهَى.

   قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: "وَلَمْ أَرَ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى التَّشَيُّعِ غَيْرَ هَذَا الرَّجُلِ، نَعَمْ ذَكَرَ السُّلَيْمَانِيُّ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ كَالأَعْمَشِ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَلَعَلَّهُ تَلَقَّفَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ، وَكَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَرَى ذَلِكَ أَيْضًا مَعَ جَلَالَتِهِ"[88].

   قُلتُ: نَفَى ابْنُ حَجَرٍ التَّشَيُّعَ عَنْ الإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ فِي أَوَّلِ الكَلَامِ، ثُمَّ نَسَبَهُ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَنْ تَشَيُّعِ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ!، فقَالَ: "فَلَعَلَّهُ تَلَقَّفَ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ"، وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ نَسَبَ ابْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى التَّشَيُّعِ أَيْضًا!.

   وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامٌ بَاطِلٌ مَحْضٌ؛ فَالْإِمَامُ أَبُو حَاتِمٍ قَدْ أَلَّفَ مَعَ أَبِي زُرْعَةَ كِتَابَ «عَقِيدَةِ الرَّازِيَّيْنِ»، وَمَا احْتَوَاهُ يُنَاقِضُ دِينَ الشِّيعَةِ مُنَاقَضَةً صَرِيحَةً، وَكَذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابَاتِهِ مَا يَدْعَمُ هَذَا الزَّعْمَ بِأَدْنَى دَلِيلٍ.

   بَلْ إِنَّ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ الصَّحِيحِ مِنْ عَقِيدَةِ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، يُنَاقِضُ هَذَا الزَّعْمَ مُنَاقَضَةً كُلِّيَّةً، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي وَأَبَا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيَّ وَأَبَا أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارِمِيَّ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ وَهُوَ -ابْنُ خُزَيْمَةَ- رَحِمَهُ اللهُ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَاهُمْ بِالْخِلَافَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ ثُمَّ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ"[89].

   وَنَقَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى» عَقِيدَةَ هَذَا الْإِمَامِ مُسْنَدَةً بِأَتَمِّ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْضَحِ، فِي مَعْرِضِ دِفَاعِهِ عَنْهُ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ كَذِبًا وَزُورًا مِنْ مُوَافَقَةِ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ فِي القُرْآنِ، بِسَبَبِ مِحْنَةِ الكُلَّابِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا فَذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ[90] ، أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ بَدَأَ هَذَا الْمُعْتَقَدَ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"، ... ثُمَّ تَابَعَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ عَقِيدَتِهِ: "وَأَقُولُ: أَفْعَالُ العِبَادِ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ؛ وَأَقُولُ: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ"[91].

   قُلْتُ: وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْمقولَةِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَبِي عَمْرٍو بْنِ الصَّلَاحِ عِنْدَمَا كَانَ يُنْكِتُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ: «النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَجْمَعِينَ:

   هَذَا عِلْمٌ كَبِيرٌ قَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِيهِ كُتُبًا كَثِيرَةً...، وَأَنَا أُورِدُ نُكَتًا نَافِعَةً -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمُصَنِّفِي كُتُبِ الصَّحَابَةِ أَنْ يَتَوَّجُوهَا بِهَا مُقَدِّمِينَ لَهَا فِي فَوَاتِحِهَا: ...

   الْخَامِسَةُ: أَفْضَلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ؛ ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ، وَقَدَّمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ، وَبِهِ قَالَ مِنْهُمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْهُمُ الْخَطَّابِيُّ.

    وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ "مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ابْنُ خُزَيْمَةَ"؛ وَتَقْدِيمُ عُثْمَانَ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ»"[92].
   قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الصَّلَاحِ -رَحِمَهُ اللهُ- بُرْهَانًا عَلَى هَذَا الزَّعْمِ، كَمَا لَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا ابْنُ حَجَرٍ شَيْئًا مِنْ هَذَا؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُمَا سَبَقَا إِلَيْهِ.

   فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ أُصُولِ الدِّينِ: «أَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الْبَاقُونَ بَعْدَهُمْ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ وَهُمْ: طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ الْبَدْرِيُّونَ، ثُمَّ أَصْحَابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ، فَقَدَّمَ الْأَشْعَرِيُّ عُثْمَانَ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ.

   وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَلَانِسِيُّ: لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، وَأَجَازَ إِمَامَةَ الْمَفْضُولِ»[93].
   قُلْتُ: وَيَقْصِدُ الْبَغْدَادِيُّ بِقَوْلِهِ: «أَصْحَابُنَا» يَعْنِي الْأَشَاعِرَةَ، فَالرَّجُلُ -عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ- كَانَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَمِثْلُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ هُوَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ الْمُخْتَرَعَةِ الَّتِي لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا بَعْدَ مَوْلِدِ مُؤَسِّسِهَا، وَالَّذِي وُلِدَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ.

   وَأَيْضًا لَمْ يُقَدِّمِ الْبَغْدَادِيُّ دَلِيلًا عَلَى هَذَا الزَّعْمِ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ حَجَرٍ وَابْنُ الصَّلَاحِ قَلَّدَاهُ عَلَى قَوْلِهِ، فَهُوَ سَلَفُهُمَا؛ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ لَهُ سَلَفًا فِي تَخَرُّصِهِ هَذَا.

   بَلْ إِنَّ مِمَّا اشْتَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ تَقْبِيحُ طَرِيقَةِ الشِّيعَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا رَوَى عَنْ «عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيِّ»[94] وَهُوَ مِمَّنْ نُسِبَ إِلَى التَّشَيُّعِ وَبُغْضِ عُثْمَانَ، قَالَ: «حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ -الْمُتَّهَمُ فِي رَأْيِهِ، الثِّقَةُ فِي حَدِيثِهِ"[95].

   قَالَ الذَّهَبِيُّ: «مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ وَرُؤُوسِ الْبِدَعِ، لَكِنَّهُ صَادِقٌ فِي الْحَدِيثِ»[96].
  وَقَالَ مُغْلَطَايُ: «ذَكَرَ الرَّهَاوِيُّ فِي انْتِخَابِهِ عَلَى السِّلَفِيِّ: سُئِلَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ ثِقَةً. قِيلَ:

    أَكَانَ رَافِضِيًّا؟ قَالَ: وَشَرٌّ»[97].

   قُلْتُ: فَنِسْبَةُ الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى التَّشَيُّعِ نِسْبَةٌ بَاطِلَةٌ تُخَالِفُ عَقِيدَتَهُ الْمُسْنَدَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ صُنِيعِهِ مَعَ شَيْخِهِ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُوفِيِّ.

   وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّ مَنْ تَوَهَّمَ تَشَيُّعَ ابْنِ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ، إِنَّمَا أَسَاءَ فَهْمَ كَلَامِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ.

   الْأَوَّلُ: مَا جَاءَ فِي تَرْجَمَةِ «عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ السِّجْزِيِّ»، أَنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ الْقَاضِيَ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عِنْدَ تَوَجُّهِي إِلَى الْعِرَاقِ، فَتَكَلَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ، قَالَ: مَا فَعَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَكُمْ؟ قُلْتُ: إِنَّهُ مَاتَ.

   قَالَ: لَا رَحِمَهُ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»[98].
   قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: «عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ اثْنَانِ:

   أَحَدُهُمَا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ابْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو عَمْرٍو، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ.

   كَانَ خَتَنَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ وَهِجْرَةٌ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهِجْرَةٌ أُخْرَى إِلَى الْمَدِينَةِ، وَآثَارُهُ فِي الدِّينِ مَذْكُورَةٌ، وَأَفْعَالُهُ الْجَمِيلَةُ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ...وَالْآخَرُ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ السِّجْزِيُّ»[99].
   ثُمَّ ذَكَرَ تَرْجَمَتَهُ وَالَّتِي فِيهَا النَّصُّ السَّابِقُ، فَلَعَلَّ مَنْ قَرَأَ التَّرْجَمَةَ ظَنَّ أَنَّ ابْنَ خَزِيمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- يُعَرِضُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِنْدَمَا قَالَ: «مَا فَعَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَكُمْ؟»، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ.

   وَالْأَمْرُ الثَّانِي: مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ فِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "تَقتُل عَمارًا الفئةُ البَاغية".

   قَالَ الْحَاكِمُ:  قَالَ أَبُو بَكْرٍ (ابْنُ خَزِيمَةَ): فَنَشْهَدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ نَازَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي خِلَافَتِهِ فَهُوَ بَاغٍ؛ عَلَى هَذَا عَهِدْتُ مَشَايِخَنَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"[100].

   قُلْتُ: فَلَعَلَّ مَنْ قَرَأَ هَذَا النَّصَّ ظَنَّ أَنَّ ابْنَ خَزِيمَةَ يُوَافِقُ الشِّيعَةَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَةَ اغْتُصِبَتْ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِهَا مِنَ الشَّيْخَيْنِ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا. فَلَعَلَّ هَذَا مِنْ هَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.

   مَعَ أَنَّ تَمَامَ نَصِّ كَلَامِ ابْنِ خَزِيمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- وَالَّذِي مَرَّ جُزْءٌ مِنْهُ آنِفًا يَنْفِي هَذَا الزَّعْمَ، فَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْإِمَامِ ابْنِ خَزِيمَةَ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَاهُمْ بِالْخِلَافَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ ثُمَّ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

    قَالَ: وَكُلُّ مَنْ نَازَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي إِمَارَتِهِ فَهُوَ بَاغٍ؛ عَلَى هَذَا عَهِدْتُ مَشَايِخَنَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ"[101].

   فَهَذِهِ عَقِيدَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ، لَيْسَ فِيهَا مَا زَعَمَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ أَوْ مَا افْتَرَاهُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْبَغْدَادِيُّ، فَابْنُ خُزَيْمَةَ إِمَامٌ سُنِّيٌّ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنِ التَّشَيُّعِ وَالْبِدَعِ الِاعْتِقَادِيَّةِ.

   وَسَبَبُ نَقْلِي لِهَذَا الْكَلَامِ وَنَقْضِهِ، حَتَّى لَا يُفْتَنَ طَلَبَةُ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذَا الكَلَامِ، لِأَنَّ كِتَابَاتِ ابْنِ حَجَرٍ رَائِجَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَلَّ مِنَ المُحَقِّقِينَ لِكُتُبِ التُّرَاثِ مَنْ يَتَوَقَّفُ مَعَ هَذِهِ القَضَايَا مَعَ ظُهُورِ بُطْلَانِهَا.

    وَإِنَّمَا أَغْلَبُ مَنْ يَعْمَلُ فِي هَذَا الحَقْلِ، يَظُنُّ أَنَّ غَايَةَ عِلْمِ التَّحْقِيقِ إِثْبَاتُ اخْتِلَافِ الحُرُوفِ بَيْنَ النُّسَخِ، فَهَذَا الحَرْفُ لَيْسَ فِي النُّسْخَةِ الفُلَانِيَّةِ، وَأَنَا أُثْبِتُهُ مِنَ المَخْطُوطِ، وَطَبْعَةُ كَذَا أَغْفَلَتْ هَذَا الحَرْفَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ، وَمِثْلُ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هِيَ فِي الأَصْلِ مِنْ سُنَّةِ المُسْتَشْرِقِينَ لِيُظْهِرُوا أَمَانَتَهُمْ العِلْمِيَّةَ.

   فَتُمْلَأُ الهَوَامِشُ بِمِثْلِ هَذَا، وتترَكُ مِثْلُ هَذِهِ النُّصُوصِ بِلَا تَحْقِيقٍ، وَالأَمْرُ لِلَّهِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.

    وَأما "مَسْلِمَةُ بْنُ قَاسِمٍ الأَنْدَلُسِيُّ" الَّذِي نَسَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ هَذَا القَوْلَ، مَنْ نَظَرَ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، يَجِدُ أَنْ بَعْضُهُمْ نَسَبَهُ إِلَى الكَذِبِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِثِقَةٍ، فَكَلَامُهُ سَاقِطٌ بِمَرَّةٍ، وبهذا لَا يَصِحُّ أيضًا فِي حَقِّ أَبِي حَاتِمٍ وَلَا وَلَدِهِ النِّسْبَةُ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.


    3ـ شُبْهَةٌ: الْغُلُوُّ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ!   

    

    قَدْ مَرَّ مَعَنَا أَنَّ الذَّهَبِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- نَسَبَ الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى بِدْعَةِ التَّأْوِيلِ، وَأَنَّهُ تَأَوَّلَ صِفَةَ الْوَجْهِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالذَّهَبِيُّ لَمْ يُقَدِّمْ بَيِّنَةً عَلَى كَلَامِهِ هَذَا.
    وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ وَجَدْنَا أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْفِرْيَةِ، وَأَنَّ عَقِيدَتَهُ وَمَا فِي كُتُبِهِ يُخَالِفُ هَذَا الزَّعْمَ الْبَاطِلَ.

    كَذَا أَيْضًا نَسَبَ الذَّهَبِيُّ -عَفَا اللهُ عَنْا وَعَنْهُ- الْإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى بِدْعَةٍ أُخْرَى لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا نَسَبَه إِلَيْهِا سِوَاهُ.
   فَإِنَّهُ قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ "العُلُوِّ لِلْعَلِيِّ الغَفَّارِ": "كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ رَأْسًا فِي الحَدِيثِ، رَأْسًا فِي الفِقْهِ،

 مِنْ دُعَاةِ السُّنَّةِ، وَغُلَاةِ المُثْبِتَةِ، لَهُ جَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ بِخُرَاسَانَ"[102].

    وَهَذِهِ الكَلِمَةُ "مِنْ غُلَاةِ المُثْبِتَةِ"، نَجِدُ اليَوْمَ أَهْلَ البِدَعِ مِنَ المُعَطِّلَةِ كَالأَشَاعِرَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ يَطِيرُونَ بِهَا وَيَذْكُرُونَهَا فِي كُتُبِهِمْ طَعْنًا مِنْهُمْ فِي عَقِيدَةِ هَذَا الإِمَامِ، لِمُخَالَفَةِ مُعْتَقَدِهِ مُعْتَقَدَهُمْ.

   وَمِثْلُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ فِي حَقِّ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، نَجِدُ بَعْضَهَا فِي كُتُبِ التَّرَاجِمِ، هَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَحْيَانًا لِقَائِلِهَا سَلَفٌ، كَأَنَّهَا مِنْ كِيسِ الْمُتَكَلِّمِ.

   وَأَيْنَ الغُلُوُّ فِي كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِنْ كَانَ وَافَقَ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ السَّلَفِ؟

   وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- شَيْخُ الذَّهَبِيِّ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَهُوَ أَكْثَرُ اطِّلَاعًا مِنْهُ وَأَمْكَنُ مِنْهُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَأَعْرَفُ مِنْهُ بِمَكَانَةِ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ، مَعَ عَدَمِ سُكُوتِهِ عَلَى بَاطِلٍ يَعْلَمُهُ.

   كَمَا أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ قَالَ بِهَذَا قَطُّ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ تَرْجَمَ لِلْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَكْثَرُوا النَّقْلَ عَنْهُ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهَا الذَّهَبِيَّ

-رَحِمَهُ اللهُ-، وَهِيَ بَادِيَةُ الْبُطْلَانِ، فَمِثْلُهَا يُطْوَى وَلَا يُرْوَى، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا.

   وَعِنْدَمَا نَأْتِي -بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى- إِلَى الْكَلَامِ عَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ، سَنُبَيِّنُ مِنْ أَيْنَ تَسَرَّبَ بَعْضُ هَذَا الدَّخَنِ إِلَى الْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-؟.

   هَذَا؛ وَلَا أَعْلَمُ مَنْ نَالَ مِنْ مُعْتَقَدِ هَذَا الْإِمَامِ وَنَسَبَهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْغُلُوِّ إِلَّا كَبِيرَ الْمُتَكَلِّمِينَ صَاحِبَ كُتُبِ السِّحْرِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالتَّنْجِيمِ "الْفَخْرَ الرَّازِيَ" صَاحِبَ التَّفْسِيرِ - سَامَحَهُ اللهُ-، فَإِنَّهُ مِنْ حَمَلَ عَلَى الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِسَبَبِ مُعْتَقَدِهِ كَكُلٍّ، فَزَعَمَ أَنَّ كِتَابَ التَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ كِتَابُ شِرْكٍ، وَنَسَبَهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْغُلُوِّ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا وَإِنَّمَا هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِهِ.

   فَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}:

   "وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنَ خُزَيْمَةَ أَوْرَدَ اسْتِدْلَالَ أَصْحَابِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ «بِالتَّوْحِيدِ» ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كِتَابُ الشِّرْكِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَذْكُرُ حَاصِلَ كَلَامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلَاتِ، لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الْكَلَامِ، قَلِيلَ الْفَهْمِ، نَاقِصَ الْعَقْلِ، فَقَالَ: "نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وَجْهًا وَنَقُولُ: إِنَّ لِوَجْهِ رَبِّنَا مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ، مَا لَوْ كُشِفَ حِجَابُهُ لَأَحْرَقَتْ سُبْحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، وَوَجْهُ رَبِّنَا مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْهَلَاكُ وَالْفَنَاءُ، وَنَقُولُ إِنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللهُ عَلَيْهَا الْهَلَاكَ وَالْفَنَاءَ، وَنَفَى عَنْهَا الْجَلَالَ وَالْإِكْرَامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ،..."[103].
   ثُمَّ اسْتَمَرَّ الرَّازِيُّ فِي سَرْدِ هَذِهِ النُّصُوصِ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ، وَلَكِنْ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَى نَصِّ كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ "التَّوْحِيدِ" نَجِدُ أَنَّ الرَّازِيَّ تَعَمَّدَ تَقْطِيعَ الكَلَامِ وَاخْتِصَارَهُ، لِيُعْمِيَ عَلَى أَمْرٍ هَامٍّ جَاءَ فِي كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ.

   فَالرَّازِيُّ يَقُولُ هُنَا: "أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَوْرَدَ اسْتِدْلَالَ أَصْحَابِنَا بِهَذِهِ الآيَةِ".

   وَأَصْحَابُ الرَّازِيِّ هُمْ الأَشَاعِرَةُ، وَالرَّجُلُ كَانَ رَأْسَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ وَكَبِيرَ الطَّائِفَةِ.

    غَيْرَ أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ أَبَا الحَسَنِ الأَشْعَرِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَانَ يَعِيشُ فِي عَصْرِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَصَاحِبِهِ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهُ، مَعَ أَنَّ الطَّبَرِيَّ كَانَ يُسَاكِنُهُ فِي نَفْسِ البَلْدَةِ.

   وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى فِكْرِ الأَشْعَرِيِّ وَطَرِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا يَزَالُ عَلَى دِينِ المُعْتَزِلَةِ وَطَرِيقَةِ أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا وَيَمِيلَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ مَعَ بَعْضِ الأُصُولِ المُعْتَزِلِيَّةِ، وَالَّتِي أَصْبَحَتْ تُعْرَفُ بَعْدُ بِالطَّرِيقَةِ الأَشْعَرِيَّةِ، وَقَدْ مَاتَ الإِمَامَانِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرِيُّ قَبْلَ الأَشْعَرِيِّ بِزَمَنٍ.

   فَكَيْفَ يَقُولُ الفَخْرُ الرَّازِيُّ إِنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي كِتَابِ "التَّوْحِيدِ"؟

   يَزُولُ هَذَا العَجَبُ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَى نَصِّ كَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ "التَّوْحِيدِ"، لِنجَدَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الأَبِ الرُّوحِيِّ وَالمُؤَسِّسِ الحَقِيقِيِّ لِمَذْهَبِ الأَشَاعِرَة.
   فَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي النَّصِّ السَّابِقِ الَّذِي نَقَلَهُ الرَّازِيُّ، إِنَّمَا كَانَ يَرُدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَأَنَّهُمَا ابْتَدَعَا تَأْوِيلَ صِفَاتِ الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ- المَذْكُورَةِ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي الحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ تَحْرِيفٌ وَلَيْسَ بِتَأْوِيلٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ.

   فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ:

   "قَدْ بَيَّنَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ- فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ الَّذِي هُوَ مُثْبَتٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ أَنَّ لَهُ وَجْهًا، وَصَفَهُ بِالجَلَالِ وَالإِكْرَامِ وَالبَقَاءِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ} [الرَّحْمَن: 27]، وَنَفَى رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا عَنْ وَجْهِهِ الهَلَاكَ فِي قَوْلِهِ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القَصَص: 88]، وَزَعَمَ بَعْضُ جُهَّالِ الجَهْمِيَّةِ أَنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ- إِنَّمَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الآيَةِ نَفْسَهُ، الَّتِي أَضَافَ إِلَيْهَا الجَلَالَ..."[104].
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "وَجْهُ اللهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ، صِفَاتِ الذَّاتِ، لَا أَنَّ وَجْهَ اللهِ هُوَ اللهُ، وَلَا أَنَّ وَجْهَهُ غَيْرُهُ، كَمَا زَعَمَتِ المُعَطِّلَةُ الجَهْمِيَّةُ"[105].
   وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفُرْقَان: 44]، فَأَعْلَمَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ مَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا،

   فَمَعْبُودُ الجَهْمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ كَالْأَنْعَامِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ، وَاللهُ قَدْ ثَبَتَ لِنَفْسِهِ: أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى، وَالمُعَطِّلَةُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ تُنْكِرُ كُلَّ صِفَةٍ لِلهِ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لِجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي القُرْآنِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَوْقَعَ أَسْمَاءً مِنْ أَسْمَاءِ صِفَاتِهِ عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ، فَتَوَهَّمُوا لِجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ اللهُ بِهَا نَفْسَهُ، قَدْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ"[106].

   وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَفَيَلْزَمُ  –ذَوِي الحِجَا– عِنْدَ هَؤُلَاءِ الفَسَقَةِ أَنْ مَنْ ثَبَتَ لِلهِ مَا يُثْبِتُ اللهُ فِي هَذِهِ الآيِ أَنْ يَكُونَ مُشَبِّهًا خَالِقَهُ بِخَلْقِهِ؟ حَاشَا اللهَ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَشْبِيهًا كَمَا ادَّعَوْا لِجَهْلِهِمْ بِالعِلْمِ.
   نَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، كَمَا أَعْلَمَنَا خَالِقُنَا وَبَارِئُنَا، وَنَقُولُ: مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَهُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ لِلْمَخْلُوقِ بِالخَالِقِ، وَنَقُولُ: إِنَّ لِلهِ - عَزَّ وَجَلَّ- يَدَيْنِ، يَمِينَيْنِ لَا شِمَالَ فِيهِمَا، قَدْ أَعْلَمَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ لَهُ يَدَيْنِ"[107].

   وَقَالَ: "وَلَوْ كَانَ كُلُّ اسْمٍ سَمَّى اللهُ لَنَا بِهِ نَفْسَهُ، وَأَوْقَعَ ذَلِكَ الاسْمَ عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ، كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا لِلْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ، عَلَى مَا تَوَهَّمَ هَؤُلَاءِ الجُهَّالَةُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَصَدَّقَهُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ قُرْآنٌ وَوَحْيٌ وَتَنْزِيلٌ، قَدْ شَبَّهَ خَالِقَهُ بِخَلْقِهِ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ المَلِكُ، وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ مَلِكًا، فَقَالَ: {وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يُوسُف: 50]، وَأَعْلَمَنَا جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّهُ العَظِيمُ، وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ عَظِيمًا، فَقَالَ: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخْرُف: 31]، وَسَمَّى اللهُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَظِيمًا، فَقَالَ: {وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التَّوْبَة: 129]، فَاللهُ العَظِيمُ، وَأَوْقَعَ اسْمَ العَظِيمِ عَلَى عَرْشِهِ، وَالعَرْشُ مَخْلُوقٌ، وَرَبُّنَا الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، فَقَالَ: {السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ} [الحَشْر: 23]، وَسَمَّى بَعْضَ الكُفَّارِ مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا، فَقَالَ: {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] "[108].


   قُلْتُ: فَأَيْنَ ذِكْرُ الأَشَاعِرَة أَصْحَابِ الفَخْرِ الرَّازِيِّ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ؟ فَالإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَنِ الجَهْمِيَّةِ المُعَطِّلَةِ الَّذِينَ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الإِسْلَامِ عَلَى تَكْفِيرِ نِحْلَتِهِم، وَقَدْ قَتَلَ الأَئِمَّةُ وَالأُمَرَاءُ رُؤُوسَهُمْ كَالجَعْدِ بْنِ دِرْهَم، وَأَنَّ نِحْلَتَهُمْ هِيَ فِي الأَصْلِ دِينُ الصَّابِئَةِ عَبَدَةِ النُّجُومِ.

   فَلَمَّا وَجَدُوا نُفْرَةَ النَّاسِ مِنْ دِينِهِمْ، وَأَنَّ وُلَاةَ الأُمُورِ يَتَتَبَّعُونَهُمْ، انْتَسَبُوا إِلَى طَرِيقَةِ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ بَعْدَ رُجُوعِهِ الجُزْئِيِّ إِلَى السُّنَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْ هَذَا السَّبِيلِ بِالكُلِّيَّةِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَيُؤَلِّفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَكَشْفِ دِيَانَتِهِمْ.

   وَمِنْ لُطْفِ اللهِ بِأَبِي الحَسَنِ أَنَّ الكُتُبَ الَّتِي كَانَ فِيهَا بَعْضُ هَذَا الضَّلَالِ فُقِدَتْ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا أَثَر، وَبَقِيَتْ كُتُبُهُ الَّتِي وَافَقَ فِيهَا مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَغْلَبِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، كَكِتَابِهِ "الإِبَانَةِ" وَ "رِسَالَةٍ إِلَى أَهْلِ الثَّغْرِ".

   فَلَمَّا وَجَدَ هَؤُلَاءِ الجَهْمِيَّةُ مَا صَارَ إِلَيْهِ حَالُ هَذَا الإِمَامِ، وَأَنَّهُ أَصْبَحَ عَلَى طَرِيقَةٍ تُخَالِفُ مَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ، كَذَبُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَصْبَحُوا يَنْسِبُونَ إِلَيْهِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِ، فَيَأْتِي ابْنُ فُورَكٍ وَيَنْطِقُ بِدِينِ الجَهْمِيَّةِ، ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ وَأَصْحَابِنَا.

   وَأَيْنَ قَالَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ هَذَا؟ لَا يُوجَدُ عَلَى هَذَا الكَلَامِ دَلِيلٌ، إِلَّا ادِّعَاءُ ابْنِ فُورَكٍ وَرُبْعَةٍ مِنْ رُؤُوسِ التَّجَهُّمِ.

   ثُمَّ يُقَدِّرُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَنْطِقَ رَأْسُ الطَّائِفَةِ وَإِمَامُ الأَشَاعِرَةِ الفَخْرُ الرَّازِيُّ بِأَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي كِتَابِ "التَّوْحِيدِ"؛ فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الكِتَابِ وَجَدْنَاهُ يَرُدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ، وَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ مِنَ الرَّازِيِّ بِأَنَّ أَصْلَ المَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ هُوَ الدِّيَانَةُ الجَهْمِيَّةُ.

   وَأَمَّا ابْنُ خُزَيْمَةَ - رَحِمَهُ اللهُ- فَهُوَ عَلَى مَنْهَجِ وَعَقِيدَةِ سَلَفِ الأُمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ وَأَئِمَّتِهِمْ، يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ النُّصُوصُ السَّابِقَةُ الَّتِي نَقَلْنَاهَا، وَأَيْضًا مَا نَقَلَهُ عَنْهُ عُلَمَاءُ المُسْلِمِينَ، مِثْلُ قَوْلِهِ: "إِنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ خَالِقَهُمْ يَوْمَ المَعَادِ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ"[109].
   وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ الْأَخْبَارَ فِي صِفَاتِ اللهِ مُوَافِقَةٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، نَقَلَهَا الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى عَصْرِنَا هَذَا، عَلَى سَبِيلِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَعْرِفَةِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَالتَّسْلِيمِ لِمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى فِي تَنْزِيلِهِ وَنَبِيُّهُ الرَّسُولُ  

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِتَابِهِ، مَعَ اجْتِنَابِ التَّأْوِيلِ وَالْجُحُودِ، وَتَرْكِ التَّمْثِيلِ وَالتَّكْيِيفِ"[110].

   وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ: قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَسُئِلَ: هَلْ تُكَفِّرُ مَنْ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟

  قَالَ: نَعَمْ، وَمَا لِي لَا أُكَفِّرُهُ وَقَدْ سَمِعْتُ المُزَنِيَّ وَالرَّبِيعَ يَقُولَانِ: مَنْ قَالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ.

  وَقَالَا: سَمِعْنَا الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ قَالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ.

   ثُمَّ قَالَ: وَمَا لِي لَا أُكَفِّرُهُ وَقَدْ كَفَّرَهُ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَا: مَنْ قَالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ لَا يُسْتَتَابُ، بَلْ يُقْتَلُ، فَإِنَّهُ كَفَرَ بِهِ وَارْتَدَّ"[111].
   ونقل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمي، قال:

   "رَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي عَمْرٍو بْنِ مَطَرٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَقَالَ: "بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ، وَأَئِمَّةُ الدِّينِ، مِثْلُ: مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي يُوسُفَ، يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِكَ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، وَيَدُلُّونَ أَصْحَابَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِيَّاكَ وَالْخَوْضَ فِيهِ، وَالنَّظَرَ فِي كُتُبِهِمْ بِحَالٍ"[112]
   قُلْتُ: فَهَؤُلَاءِ هُمْ سَلَفُ هَذَا الإِمَامِ، وَهُوَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ الغُلُوَّ فِي الإِثْبَاتِ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَظَلَمَهُ.
وَلِهَذَا؛ يَنْبَغِي عَلَى طَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ الْمَوْجُودِ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّرَاجِمِ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَتَحْقِيقٍ، كَمَا أَنَّهُ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِإِدْرَاكٍ انْتِقَائِيٍّ، تَكُونُ نَتِيجَتُهُ إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ هَذَا الكَلَامَ فِي أَئِمَّةٍ كَابْنِ خُزَيْمَةَ أَوِ التِّرْمِذِيِّ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنَ العُلَمَاءِ، أَوْ يَظُنَّ أَنَّ الذَّهَبِيَّ أَوْ ابْنَ حَجَرٍ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَرَادُوا شَيْنَ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ.

   وَلَكِنْ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فِي الوَسَطِ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْلَمُونَ الحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الخَلْقَ، فَمِثْلُ هَذِهِ الأَخْطَاءِ تَقَعُ مِنَ البَشَرِ، فَالعِصْمَةُ دُفِنَتْ يَوْمَ دُفِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

    وَعَلَى طَالِبِ العِلْمِ وَالمُحَقِّقِ بَحْثُ مِثْلِ هَذِهِ المَسَائِلِ، وَإِظْهَارُ الحَقِّ فِيهَا، مَعَ حِفْظِ مَكَانَةِ العُلَمَاءِ وَعَدَمِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    هذا؛ وَتَرْجَمَةُ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ تَرْجَمَةٌ حَافِلَةٌ، لَا يَسْعُفُ الإِلْمَامُ بِهَا فِي هَذِهِ الوَقْفَةِ، وَمَنْ يَقْرَأُ لَهُ يَقِفُ عَلَى صِفَاتٍ وَأَخْلَاقٍ عَالِيَةٍ،
فَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ تَجَرُّدٌ شَدِيدٌ لِلْحَقِّ، وَتَرَاجُعٌ سَرِيعٌ عَنِ الخَطَأِ، وَخَشْيَةٌ مِنْ أَنْ يُلْحِقَهُ أَيُّ مُخَالَفَةٍ لِلسُّنَّةِ أَوْ صَحِيحِ الدِّينِ.

    وَلِهَذَا يَحْتَرِزُ كَثِيرًا فِي أَحْكَامِهِ، فَيُعَلِّقُ صِحَّةَ الحَدِيثِ عَلَى أَدْنَى شَكٍّ عِنْدَهُ، مَعَ بَصِيرَتِهِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ، وَمُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِذْ هُوَ إِمَامٌ فِيهِمَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى نَفْسَهُ مَعَ عِلْمِهِ وَمَكَانَتِهِ، فَلَا نَرَاهُ يَلْجَأُ إِلَى تَزْيِينٍ وَزَخْرَفَةِ الكَلَامِ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ سَهْلٍ مَفْهُومٍ.

   عَرف إِمامَتَهُ عُلَماءُ المُسلِمينَ وَأَهلُ السُّنَّةِ، وَكَانوا يَعلَمونَ أَنَّ اللهَ حَباهُ بِمَنزِلَةٍ يَستَطيعُ بِها دَفعَ جَورِ المُبتَدِعَةِ وَأَهلِ الأَهواءِ عَن بِلادِ الإِسلامِ، حتّى لا يُفسِدوا دينَ النّاسِ.

   ذَكَرَ الإِمامُ المُحدِّثُ الحُسَينُ بنُ إِبراهيمَ الجَورقانيُّ في كِتابِهِ "الأباطيل" أَنَّ "مُحَمَّدَ بنَ كَرَّامٍ" مُؤَسِّسَ فِرقَةِ الكَرَّامِيَّةِ، وَهِيَ فِرقَةٌ مارِقَةٌ مِنَ الإِسلامِ، تَتَدَيَّنُ بِوَضعِ أَحاديثَ عَلى رَسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَتَقولُ: إِنَّ الإِيمانَ يَكفِي فيهِ النُّطقُ بِاللِّسانِ فَقَط، وَلَوِ اعتَقَدَ صاحِبُهُ الكُفرَ وَالتَّثليثَ بِقَلبِهِ، وَيَقولونَ: إِنَّ اللهَ جِسمٌ، تَعالى اللهُ عَن قَولِ الكافِرينَ عُلوًّا كَبيرًا.

   فابنُ كَرَّامٍ هذا ظَهَرَ مَعَ أَتباعِهِ بِأَرضِ سِجِسْتان، فَرُفِعَ أَمرُهُ إِلى أَميرِها "إِبراهيمَ بنِ الحُصَينِ"، فَأَرسَلَ إِلَيهِ وَناظَرَهُ، فَوَجَدَهُ مُبتَدِعًا ضالًّا، فَأَشارَ وُزَراؤُهُ بِقَتلِهِ، فَكَرِهَ أَن يَقتُلَهُ؛ لِأَنَّهُ كانَ يُظهِرُ الزُّهدَ بَينَ النّاسِ، فَلا يَقولوا: الأَميرُ يَقتُلُ أَهلَ الزُّهدِ، فَأَمَرَ بِهِ أَن يُخرَجَ مِن أَرضِهِ، فَخَرَجَ إِلى أَرضِ نَيسابور، فَاستَقبَلَهُ أَهلُها، وَتَمَسَّحوا بِهِ!.

   قالَ الجَورقانيُّ: "وَعَظُمَتِ الفِتنَةُ عَلَى الخَاصَّةِ وَأَهلِ العِلمِ بِهِ، وَأَعياهُم أَمرُهُ، فَاجتَمَعوا إِلى أَبي بَكرٍ مُحَمَّدِ بنِ إِسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ، وَكانَ شَيخَ الوَقتِ غَيرَ مُدافَعٍ، وَإِمامًا في سائِرِ العُلومِ الدِّينيَّةِ، وَكانَ السَّامانيُّ مَلِكَ الشَّرقِ يَكتُبُ إِلَيهِ: إِمامَ الأَئِمَّةِ وَحَبرَ هذِهِ الأُمَّةِ.

   فَحينَ استَفحَلَ أَمرُ ابنِ كَرَّامٍ وَانتَشَرَ قَولُهُ في أَعمالِ نَيسابور، كاتَبَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحاقَ السُّلطانَ أَنَّ البَليَّةَ قَد عَظُمَت عَلَى العامَّةِ بِهذَا الرَّجُلِ، وَأَمرُهُ يَزدادُ كُلَّ يَومٍ انتِشارًا، فَكَتَبَ السُّلطانُ إِلى نائِبِهِ بِنَيسابورَ أَن يَمتَثِلَ جَميعَ ما يَأمُرُهُ بِهِ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ إِسحاقَ، وَلا يُخالِفَهُ في شَيءٍ يُشيرُ إِلَيهِ، فَجَمَعَ أَهلَ العِلمِ وَاستَشارَهُم، فَقالوا: لَيسَ نَجِدُ رَأيًا أَرشَدَ مِن رَأيِ الأَميرِ إِبراهيمَ بنِ الحُصَينِ في إِخراجِهِ مِنَ النّاحِيَةِ، فَأَمَرَ الأَميرُ بِإِخراجِهِ".

   قالَ أَبو القاسِمِ إِبراهيمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ بنِ الشّاهِ: "قالَ مُحَمَّدُ بنُ إِسحاقَ بنِ خُزَيمَةَ: الكَرَّامِيَّةُ كُفّارٌ، يُستَتابونَ، فَإِن تابوا وَإِلّا

   ضُرِبَت أَعناقُهُم"، قالَ أَبو القاسِمِ: "صَمَّت أُذُنايَ إِن لَم أَكُن سَمِعتُ هذَا مِن أَبي بَكرٍ"[113].  

   كَما أَنَّ مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَذْكُرَ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ فِيهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً لِيُفِيدَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، مَعَ مَا عُرِفَ عَنْهُ مِنَ الْجُرْأَةِ فِي الْحَقِّ، وَبَذْلِ النَّصْحِ لِلْعَامَّةِ وَالْأُمَرَاءِ.

   قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ بَالُوَيْهِ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: "كُنْتُ عِنْدَ الأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ، فَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِحَدِيثٍ وَهِمَ فِي إِسْنَادِهِ، فَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ القَاضِي: قَدْ كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ خَطَأٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَقْدِرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثًا لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِ خَطَأٌ أَوْ تَحْرِيفٌ فَلَا أَرُدَّهُ"[114].
   وَقَدْ أَخْرَجَ القُضَاعِيُّ هَذِهِ القِصَّةَ فِي "مُسْنَدِ الشِّهَابِ" بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، فَأسنْد إلى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: "لَمَّا دَخَلْتُ بُخَارَى، فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ حَضَرْتُ مَجْلِسَ الأَمِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَذَكَرْتُ فِي حَضْرَتِهِ أَحَادِيثَ، فَقَالَ الأَمِيرُ: حَدَّثَنَا أَبِي، حدثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ..." الحَدِيثَ.

   فَقُلْتُ: أَيَّدَ اللهُ الأَمِيرَ، مَا حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيثِ أَنَسٌ، وَلَا حُمَيْدٌ، وَلَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.

   فَسَكَتَ، وَقَالَ: فَكَيْفَ؟

   قُلْتُ: هَذَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَمِدَارُهُ عَلَيْهِ.

   فَلَمَّا قُمْنَا مِنَ المَجْلِسِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ: يَا أَبَا بَكْرٍ، جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا[115]، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَنَا هَذَا الإِسْنَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَجْسُرْ وَاحِدٌ مِنَّا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ."[116].

    كَمَا أَنَّهُ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلَاةِ الأُمُورِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَعَصِّبِي المَذْهَبِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي ضَيَّقَ فِيهِ هَؤُلَاءِ المُتَعَصِّبَةُ عَلَى صَاحِبِهِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي بَغْدَادَ، وَأَلْزَمُوهُ البَيْتَ.
   ففِي كِتَابِ "الجَوَاهِرِ المُضِيَّةِ فِي طَبَقَاتِ الحَنَفِيَّةِ"، فِي تَرْجَمَةِ «عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ القَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَوَيْهِ الفَقِيهِ النَّيْسَابُورِيِّ».

    قَالَ المُؤَلِّفُ أَبُو مُحَمَّدٍ، مُحْيِي الدِّينِ الحَنَفِيُّ: «وَلِيَ قَضَاءَ نَيْسَابُورَ بِإِشَارَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الشُّرُوطِ، سَمِعَ بِخُرَاسَانَ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَمُحَمَّدَ بْنَ رَافِعٍ وَغَيْرَهُمَا... مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي رَبِيعِ الآخِرِ».

    قَالَ الحَاكِمُ فِي "تَارِيخِ نَيْسَابُورَ": «سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّي يَقُولُ: كَتَبَ إِلَيَّ الأَمِيرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِاخْتِيَارِ حَاكِمٍ لِنَيْسَابُورَ، فَوَقَعَتِ الخِيرَةُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَوَيْهِ، – وَهُوَ لِي مُخَالِفٌ فِي المَذْهَبِ– لِأَمَانَتِهِ وَفِقْهِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَقَلَّدَ القَضَاءَ، وَبَقِيَ مَحْمُودَ الأَثَرِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى»."[117].

  

   قُلْتُ: فَعِنْدَمَا يَقْرَأُ المَرْءُ فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الإِمَامِ، يَعْلَمْ لِمَاذَا لَقَّبَهُ العُلَمَاءُ بِـ "إِمَامِ الأَئِمَّةِ"؟.
   وَبِشَكْلٍ شَخْصِيٍّ، أَشْعُرُ وَأَنَا أَقْرَأُ لِهَذَا الإِمَامِ أَنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِهِ فِي عَصْرِنَا الشَّيْخَ مُقْبِلًا الوَادِعِيَّ.
-رَحِمَهُ اللَّهُ-، فَهُوَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي صِفَاتِهِ، والشَّبَهُ بَيْنَهُمَا كَبِيرٌ جِدًّا فِي طَرِيقَةِ التَّأْلِيفِ، وَأُسْلُوبِ الكِتَابَةِ، وَالاهْتِمَامِ بِعِلْمِ الحَدِيثِ وَالعَقِيدَةِ.

   عِنْدَهُمَا هَذِهِ القُوَّةُ العِلْمِيَّةُ، وَالشِّدَّةُ عَلَى البِدَعِ وَأَهْلِهَا، وَالرَّحْمَةُ بِأَهْلِ الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ فِي الكَلَامِ. فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا.

               

   وَفَاتهُ  

   تُوُفِّيَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ "مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ" لَيْلَةَ السَّبْتِ الثَّانِي مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو النَّضرِ.

   قَالَ ابْنُ قُطْلُوبُغَا: "اعْتَلَّ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ وَمَاتَ لَيْلَةَ السَّبْتِ"[118]

   قَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، خَتَنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ: "حَضَرْتُ وَفَاةَ الإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يُحَرِّكُ إِصْبَعَهُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ آخِرِ رَمَقٍ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ"[119].

الــهامـش


[1] ـ قال البيهقي في (معرفة السنن والآثار (1 / 180)): "ومما يجب معرفته على من نظر في هذا الكتاب أن يعرف أن أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبا الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري -رحمهما الله- قد صنف كل واحد منهما كتابًا يجمع أحاديث كلها صحاح .

    وقد بقيت أحاديث صحاح لم يخرجاها لنزولها عند كل واحد منهما عن الدرجة التي رسماها في كتابيهما في الصحة، وقد أخرج بعضها أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وبعضها أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وبعضها أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وبعضها أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمهم الله، وكل واحد منهم في كتابه على ما أدى إليه اجتهاده .

   والأحاديث المروية على ثلاثة أنواع فمنها: ما قد اتفق أهل العلم بالحديث على صحته، فذاك الذي ليس لأحد أن يتوسع في خلافه ما لم يكن منسوخًا،    

   ومنها: ما قد اتفقوا على ضعفه فذاك الذي ليس لأحد أن يعتمد عليه، ومنها: ما قد اختلفوا في ثبوته فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفي ذلك على غيره أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره، وقد وقف عليه غيره أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحًا، أو وقف على انقطاعه أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدراج بعض رواته قول رواته في متنه، أو دخول إسناد حديث في حديث خفي ذلك على غيره.

   فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد ثم يختاروا من أقاويلهم أصحها. وبالله التوفيق". اهـ

[2] ـ معرفة أنواع علوم الحديث، ص / 87. ط الأولى، الكتب العلمية.

[3] ـ البداية والنهاية (15 / 9). ط هجر

[4] ـ إثارة الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة (1 / 321 وما بعدها) الأولى، ط / مكتبة العلوم والحكم.
   وقد ذكر الإمام العلائي ثلاث أحاديث أخرجها ابن خزيمة في صحيحه، وقد شارك فيها شيوخ البخاري ومسلم، فقال: ومنه الأول:
 عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول صلى الله عليه وسلم إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغتسل به " رواه البخاري، عن يعقوب الدورقي به، على الموافقة.
قلت: وقد روى هذا الحديث ابن خزيمة في صحيحه بنفس الإسناد، حديث رقم (84)،  باب ذكر استنجاء النبي -صلى الله عليه وسلم– بالماء.
 والثاني: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهم، ما لم تغش الكبائر "، ثم قال: رواه مسلم، والترمذي، عن علي بن حجر، على الموافقة، ومن طريق أبي سعد الكنجروذي أيضًا.
قلت: وقد وافق ابن حزيمة مسلم في هذا الإسناد، وروى الحديث في موضعين من صحيحه، برقم: (314) و(1814).
 والثالث: عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما، كان يقول: "من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك "، قال: فذكره رواه مسلم، والنسائي.
قلت: وأخرجه ابن خزيمة باب النائم عن الوتر أو الناسي له يصبح قبل أن يوتر، حديث رقم (1091).

[5] ـ سير أعلام النبلاء (14 / 365).

[6] ـ المعجم في أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي، ترجمة رقم (217).
   قال الطاهر محمد بن الفضل بن إسحاق: توفي عمي أبو النضر سنه ثلاث وعشرين وثلاثمائة. [تلخيص تاريخ نيسابور، لأحمد بن محمد بن الحسن المعروف بالخليفة النيسابوري، ترجمة رقم: (1281)].
   قلت: ولكنه لم يكن أكبر أولاده، ولكن أكبرهم كان: أبو العباس الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، خرج له البيهقي في الشعب.

[7] ـ البيهقي في شعب الإيمان.

[8] ـ ثقات ابن حبان رقم: (15552)، تاريخ الإسلام للذهبي (6 / 393). بشار.

[9] ـ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم رقم: (1099)، تاريخ الإسلام للذهبي (6 / 394). بشار

[10] ـ وقفت عليه في أسانيد المستدرك، واجتهدت في الوقوف على ترجمته فلم أوفق، ولا أدري هل هو تصحيف في المستدرك؟ مع أنه تكرر في عدة أسانيد، وكذا جاء في أسانيد البيهقي من طريق الحاكم.
لأن الحاكم له شيخ أخر وهو: أحمد بن إسحاق بن أيوب أبو بكر الضبعي، قال ابن العماد الحنبلي: "العلامة، كان شيخ الشافعية بنيسابور وبرع في الحديث"

[11] ـ الأنساب للسمعاني ( 7 / 299)،  تراجم رجال الدارقطني في سننه، رقم: (932) للشيخ مقبل الوداعي.

[12] ـ وقد ذكر أبو نعيم عدة مشايخ له لهم نفس الاسم والكنية، ذكرهم في أخبار أصبهان والحلية،  منهم: أبو بكر محمد بن إسحاق بن عمران، و أبو بكر محمد بن إسحاق بن أيوب، أبو بكر محمد بن إسحاق القاضي الأهوازي،

 أبو بكر محمد بن إسحاق بن عمران بن إسماعيل الصيدلاني المتطبب، وقد حدث عن هذا الراوي أيضًا: ابن المُقرئ في معجمه.

[13] ـ لسان الميزان، انظر ترجمة رقم : (530)، وهو خلاف محمد بن خزيمة شيخ الطحاوي

[14] ـ تاريخ بغداد (2 /72).

[15] ـ وأما ما ذكره أحد الشيوخ الأفاضل أن الحاكم من تلاميذه، فأظن أن هذا وهم، نعم روى الحاكم عن محمد بن إسحاق، ولكنه محمد بن إسحاق الفقيه كما مر، والحاكم في طبقة أدنى من هذا الإمام فيروي عن أحيانا عن طريق رجلين، والله أعلم".

[16] ـ تاريخ دمشق لابن عساكر ( 25 / 235 ).

المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الانصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ

[17] ـ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، رقم: (2208)، لابن الجوزي.

[18] ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4 / 58 ) لابن العماد.
ولفظ كلامه بحروفه: "استفدنا من هذا الفتى الشعراني أبي بكر أكثر ما استفاد منا" [ الإرشاد للخليلي (3 / 832)].
قلت: ويقصد بالفتي الشعراني، كثير الشعر، لأنه كان له وفرة في شعره عند شبابه، كما جاء في بعض التراجم.

[19] ـ طبقات الشافعيين (1 / 222) لابن كثير، طبقات الشافعية رقم: (45) لابن قاضي شهبة.

[20] ـ معرفة علوم الحديث، ص / 84، للحاكم، وعنه البيهقي في المدخل إلى علم السنن ص / 106. دار الخلفاء.

 [21]ـ الفقيه والمتفقه (1/ 290) للخطيب البغدادي.

[22] ـ طبقات علماء الحديث (2 / 444) لابن عبد الهادي. ط / الرسالة، الثانية.

[23] ـ صحيح مسلم (1/ 299).

[24] ـ جامع الترمذي، رقم: (246). بشار.

[25] ـ صحيح ابن خزيمة ، بداية من حديث رقم: 491: 498.

[26] ـ طبقات الشافعية الكبرى، رقم: (120)، للتاج السبكي، وقد مر أنه ذكره ابن كثير وابن قاضي شهبه في كتابهما.

[27] ـ : بحر المذهب (1 / 423) لأبي المحاسن الروياني، ط/ دار الكتب العلمية. الأولى.

[28] ـ المهمات في شرح الروضة والرافعي، رقم: (70) للإسنوي.

[29] ـ طبقات الشافعية الكبرى (3 / 119).

[30] ـ الأنساب، رقم: (1393) للسمعاني.

[31] ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين ( 2 / 202)، لابن القيم، ط / دار الكتب العلمية. الأولى.
قلت: وقد بحث عن هذا النص في المدخل إلى السنن للبيهقي فلم أجده، والله أعلم.

[32] ـ تذكرة الحفاظ ( 2 / 208) للحافظ الذهبي.

[33] طبقات الشافعية (3 / 117: 118) للتاج السبكي.

[34] ـ سير أعلام النبلاء، ترجمة رقم: (214). للحافظ الذهبي.

[35] ـ كتاب التوحيد (1 / 98)، ط/ مكتبة الرشد. الخامسة.

[36] ـ صحيح البخاري، حديث رقم: (6262).

[37] ـ الإرشاد (3 / 832) للخليلي، تذكرة الحفاظ (2 / 212) للذهبي.

[38] ـ الجرح والتعديل، رقم: (1103) لابن أبي حاتم.

[39] . تذكرة الحفاظ (2 / 209)، طبقات الشافعيين (1 / 221).

[40] ـ الثقات رقم: (15748).

[41] ـ تذكرة الحفاظ (2 / 209)، طبقات الشافعيين (1 / 221).

[42] ـ طبقات الشافعية (3 / 112) للسبكي.

[43] ـ تذكرة الحفاظ (2 / 208).

[44] ـ المقفى الكبير، للمقريزي، ترجمة رقم: (1881)، شاملة.

[45] ـ العرش (2 / 356: 357) للذهبي.

 [46] ـ تذكرة الحافظ (2 / 208) للذهبي.

[47] ـ المصدر السابق (2 / 209).

[48] ـ حديث رقم: (2084).

[49] ـ السنن الكبرى، رقم: (16539) للبيهقي

[50] ـ حديث رقم: (226)،
قلت: وقد أعل ابن خزيمة الحديث ولم يصححه.

[51] ـ معرفة علوم الحديث، ص / 78، للإمام الحاكم.

[52] ـ تذكرة الحافظ (2 / 209).

[53] ـ رواه أبو داود، وضعفه مرفوعًا، فقال: "رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني ، لم يجز به شراحيل"، وأما الحاكم فرواه وسكت عنه، ورواه الطبراني في الأوسط، وقال: "لا يروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ابن وهب".

[54] طبقات علماء الحديث، (2 / 443: 444) لابن عبد الهادي، ط / الرسالة. الثانية.

[55] ـ التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، ترجمة رقم: (328)، لمحمد صديق خان، ط/ وزارة الأوقاف القطرية.

[56] ـ طبقات علماء الحديث، (2 / 442)، وسير أعلام النبلاء ( 14/ 369).

[57] ـ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، لابن الجوزي، ترجمة رقم: (2208).

[58] ـ تاريخ الإسلام (7 / 243)، طبقات الشافعية ( 3 / 119)، للسبكي.

[59] ـ طبقات الفقهاء الشافعية (1 / 382) لأبي عمرو ابن الصلاح.

المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: 643هـ)

[60] ـ الإرشاد في معرفة علماء الحديث (3 / 832).

[61] ـ المقدمة  (1 / 38). ط/ الثالثة.

[62] ـ انظر حديث رقم: (1153).

[63] ـ كتاب التوحيد ( 1 / 126).

[64] ـ المصدر الساباق ( 1/ 271).

[65] ـ المصدر السابق (2 /  815).

[66] ـ سير أعلام النبلاء (14 / 379).

[67] ـ تاريخ الإسلام (7 / 243)، تذكرة الحفاظ (2 / 212).
    قلت: لما ذكر هذا النص الذهبي في السير (14 م 373)، قال: "من أقر بذلك تصديقًا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآمن به مفوضًا معناه إلى الله ورسوله، ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى.

   وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقا- فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء". اهـ
   قلت: وكلام الذهبي في تفويض العلم في صفات الله هو خلاف مذهب السلف الصالح؛ وإنما السلف فوضوا الكيف لا العلم، فقالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
  فلا يتابع رحمه الله على قوله هذا، فهو سهو وسبق قلم، وإن تكرر منه في غير هذا الموضع، والله أعلم.

[68] ـ المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة.

[69] ـ رواه مسلم في المقدمة.

[70] ـ كتاب التوحيد (1 / 86).

[71] ـ المصدر السابق.

[72] ـ تاريخ الإسلام (11 / 623)، سير أعلام النبلاء (20 / 88).

[73] ـ سير أعلام النبلاء (14/ 374: 376 ( .

[74] ـ بيان تلبيس الجهمية (6 / 398: 405).

[75] ـ  رواه البخاري، رقم: (3326)، (6227 )، ورواه مسلم، رقم: (2841).

[76] ـ رواه البخاري، رقم: (3327)، ورواه مسلم، رقم: (2834).

[77] ـ انظر (1 / 82).

[78] ـ  (1 / 84).

[79] ـ انظر (86 : 92).

[80] ـ التوحيد ص (10: 11)

[81] ـ صحيح مسلم، (1 / 525).

[82] ـ (1 / 530).

[83] ـ انظر مثلًا التمهيد: (10 / 277 : 278) .

[84] فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِصِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْإِمَامُ حَذَفَهَا، وَلَكِنَّهُ حَذَفَهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى تَامٌّ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

[85] ـ مذهب الإمام ابن خزيمة أنه لا يخرج لعبد الله بن لهيعة ولو من رواية العبادة عنه، قال في حديث رقم: (146): "ابن لهيعة ليس ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب إذا تفرد برواية ، وإنما أخرجت هذا الخبر ؛ لأن جابر بن إسماعيل معه في الإسناد".
قلت: وهذا الحديث يرويه عن ابن لهيعة عبد الله بن وهب، فتأمل!.

[86] ـ صحيح الأدب المفرد، هامش ص / 374.

[87] ـ السلسلة الضعيفة، حديث رقم: (1175).

[88] تهذيب التهذيب (9 / 33 : 34) لابن حجر.

[89] ـ الاعتقاد للبيهقي، ص / 375، ط / الآفاق الجديدة، الأولى.

[90] ـ قال الحاكم: "سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق، يقول: ...
قلت: وقد بحثت عن هذا النص في كتب الحاكم فلم أوفق إليه، مع أني أذكر أني وقفت على هذه العقيدة مسندة في مصدر متقدم عن ابن تيمية ولكني لا أذكره الآن، والله يغفر لنا ويرحمنا.

[91] ـ مجموع الفتاوي ( 6 / 170 : 174).

[92] ـ معرفة أنواع علوم الحديث (395 : 401) لابن الصلاح.

[93] ـ  أصول الدين للبغدادي، ص/ 304.

[94] ـ حديث رقم : (1497).

[95] ـ قال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد (1 / 308): في ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وأخوته: "ولا يروي عن إبراهيم من يزكيه إلا الشافعي، فإنه يقول: الثقة في حديثه المتهم في دينه، وإنما كان يرى القدر، وكان مالك ينهى عن الأخذ عنه".

[96] ـ ميزان الاعتدال، ترجمة رقم: (4149).

[97] ـ إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ترجمة رقم: (2711)، ط/ الفاروق، الأولى.

[98] ـ المتفق والمفترق للخطيب البغدادي ( 3 / 1616).

[99] ـ المصدر السابق (3 / 1615)

[100] ـ  معرفة علوم الحديث، ص / 84، للحاكم النيسابوري.

[101] ـ الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، ص / 375، للبيهقي.

[102] ـ العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، ص / 207، للذهبي، ط / أضواء السلف. الأولى.

[103] ـ تفسير الفخر الرازي مفاتيح الغيب (27 / 582).

[104] ـ كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل، (1 / 51).

[105] ـ المصدر السابق، (1 / 52).

[106] ـ المصدر السابق، (1 / 58).

[107] ـ المصدر السابق، (1 / 63).

[108] ـ المصدر السابق، (1 / 64).

[109] ـ العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (5 / 206). لابن الوزير، ط/ الرسالة . الثالثة.

[110] ـ ذم التأويل، رقم: (20). لابن قدامة المقدسي ط/ الدار السلفية.

[111] . تاريخ الإسلام (10 / 373).

[112] ـ  الاستقامة (1 / 108) لابن تيمية، وأحاديث في ذم الكلام وأهله، انتخابها أبو الفضل المقرئ ص/  99.

[113] ـ الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للجورقاني ( 1 / 455 : 458). بتصرف.

[114] طبقات الشافعية الكبرى (3 / 111).

[115] ـ الثناء بقول: "جزاك الله خيرًا" جرى على لسان الصحابة وحديثهم في الصحيحين، ولكن لم يأت في حديث رد هذا الثناء، فنجد من يقول: جزانا وإياكم، وما اشبه، ولعل الأولى أن يقال: وأنت فجزاك الله خيرًا، لِما أخرج ابن حبان في صحيحه (7279) أن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال: "جزاك الله خيرًا يا رسول الله، فقال: "وأنتم فجزاكم الله خيرًا". الحديث
   قلت: وهذا الحديث وإن كان فيه عنعنة محمد بن إسحاق، فهو أفضل حالًا من رد هذا الثناء بالاستحسان، ومثل هذه الأحاديث يتساهل العلماء في أسانيدها، والله أعلم.

[116] مسند الشهاب، رقم: (970) للقاضي أبي عبد الله القضاعي المصري ، ط / الرسالة. الثانية.

[117]ـ الجواهر المضية في طبقات الحنفية، رقم: (733)، لأبي محمد، محيي الدين الحنفي. شاملة.

[118] ـ الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (8 / 174)، لأبي الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا.

[119] ـ الكتاب: التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، رقم: (13)، لابن نقطة الحنبلي.