إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 5 يونيو 2026

تنبيه الأنام إلى مخالفة نظام طيبات العوضي لشريعة الإسلام

                  

     تَنْبِيهُ الأَنَامِ إِلَى مُخَالَفَةِ نِظَامِ طَيِّبَاتِ الْعَوَضِيِّ لِشَرِيعَةِ الإِسْلَامِ

   الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

   فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَكْمَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهَا النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَهَا الْإِسْلَامَ دِينًا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:

   {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

    وَقَدْ خَطَبَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِمَوْعِظَةٍ ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَأَوْصَاهُمْ فَقَالَ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ». [رواه أحمد وابن حبان، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح].

    وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «تَرَكَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا طَائِرٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا عِنْدَنَا مِنْهُ عِلْمٌ».

قَالَ أَبُو حَاتِمِ ابْنُ حِبَّانَ: مَعْنَى «عِنْدَنَا مِنْهُ عِلْمٌ » أَيْ: مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَأَخْبَارِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِبَاحَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

      فَلَمْ يَدَعْ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا إِلَّا دَلَّنا عَلَيْهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا حَذَّرَنا مِنْهُ،

    وَقَدْ قِيلَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟» فَقَالَ: «أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ». [متفق عليه].

     فَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْأُمَّةَ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَالْمِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، الَّتِي لَا اشْتِبَاهَ فِيهَا، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.

   وَفِي رِوَايَةٍ فِيهَا ضَعْفٌ: «لَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، فَلَا تَتَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ».

   أَيْ: لَا تَتَحَيَّرُوا فِي دِينِكُمْ، وَلَا تَنْخَدِعُوا بِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَالِاكْتِشَافَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ هُدًى وَلَا بَرْهَانٍ.
   وَمِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى كَمَالِ هَذَا الدِّينِ وَشُمُولِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى بَيَانِ مَا يُصْلِحُ أَمْرَ الْآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ بَيَّنَ أَيْضًا مَا يُصْلِحُ أَمْرَ الدُّنْيَا، وَدَلَّ النَّاسَ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ،

قَالَ تَعَالَى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}.

   فَلَمْ تُهْمِلِ الشَّرِيعَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ وَمَا يُصْلِحُ شَأْنَهُمْ، فَدَلَّنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْحَلَالِ الطَّيِّبِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِالتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ لِبَيَانِ الطَّيِّبَاتِ وَالْخَبَائِثِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

   فإذا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما مر، قَدْ بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ آدَابَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفَصَّلَ لَهَا أَحْكَامَهَا، فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهُ أَهْمَلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْوَاتِ النَّاسِ وَأَغْذِيَتِهِمْ وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ مُفَصِّلَةً لِذَلِكَ أَتَمَّ تَفْصِيلٍ.

    وقد جَعَلَ اللهُ الْأَصْلَ فِي الْمَطْعُومَاتِ الْحِلَّ وَالطِّيبَ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيمَ وَالْمَنْعَ، وَلِهَذَا جَاءَتْ نُصُوصُ الْوَحْيِ بِذِكْرِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَالْبَيَانِ؛ لِقِلَّتِهَا، وأَمَّا الْحَلَالُ فَهُوَ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى

   قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}.

    فَمِنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ الْأَكْلُ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ».
   قَالَ الْإِمَامُ الزُّهْرِيُّ: «لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسَمِّي لِغَيْرِ اللهِ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ». 
   وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

    فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَبَاحَ اللهُ الطَّيِّبَاتِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، ثُمَّ خَصَّ الْمُحَرَّمَاتِ بِالذِّكْرِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْحَلَالَ هُوَ الْأَصْلُ، وَأَنَّ الْحَرَامَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ.

   ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
 
فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ، وَلَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ لِأَهْوَاءِ النَّاسِ وَلَا لِدَعَاوَى

   الْمُدَّعِينَ وَلَا لِتَجَارِبِ الْمُتَفَلْسِفِينَ.

    وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}.

   وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ أَصْنَافٍ أُخْرَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَالْمُنْخَنِقَةُ هِيَ الشاة أو ما يصلح للأكل تَمُوتُ بِالْخَنْقِ، وَالْمَوْقُوذَةُ هِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى تَمُوتَ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَوْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَتَمُوتُ، وَالنَّطِيحَةُ هِيَ الشَّاةُ تَنْطَحُهَا شَاةٌ أُخْرَى فَتَمُوتُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} أَيْ: مَا افْتَرَسَهُ السَّبُعُ مِنَ الذِّئَابِ وَنَحْوِهَا مِنَ الضَّوَارِي.

    وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «فَمَا أَدْرَكْتَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ تَتَحَرَّكُ لَهُ ذَنَبٌ، أَوْ تَطْرِفُ لَهُ عَيْنٌ، فَاذْبَحْ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ».
   وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}، فَهُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْأَنْدَادِ وَالطَّوَاغِيتِ، كَهَذِهِ الذَّبَائِحِ الَّتِي تُذْبَحُ عَلَى أَعْتَابِ الْأَضْرِحَةِ وَالْقُبُورِ، طَلَبًا لِلْمَدَدِ مِنْ أَصْحَابِهَا وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ، فَهَذِهِ مَيْتَةٌ مُحَرَّمَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا.

   وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللهِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ.

   وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ}.

   وَقَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنِ الْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ فِي هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، فَلَا يُتَجَاوَزُ فِيهَا مَا شَرَعَ، وَلَا يُحَرَّمُ مِنْهَا مَا أَحَلَّ، وَلَا يُسْتَدْرَكُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهَا بِرَأْيٍ أَوْ هَوًى، قَالَ سُبْحَانَهُ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.

    فَهَذِهِ النُّصُوصُ الْمُحْكَمَاتُ تَدُلُّ أَوْضَحَ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَتْرُكْ أَمْرَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ لِآرَاءِ النَّاسِ وَتَخْمِينِهِمْ، بَلْ بَيَّنَ الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ، وَالْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ، وَفَصَّلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْصِيلًا لَا يَدَعُ لِمُتَأَوِّلٍ شُبْهَةً، وَلَا لِمُبْتَدِعٍ مَدْخَلًا، حَتَّى صَارَ هَذَا الْبَابُ مِنْ أَبْيَنِ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ وَأَظْهَرِهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

    وَقَدْ سُئِلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

     فَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي بَابِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَعَاوَى مُحْدَثَةٍ، وَلَا إِلَى تَقْسِيمَاتٍ مُخْتَرَعَةٍ.

    فَإِنْ أَتَى رَجُلٌ فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ، وَجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ قُرْبَةً يَتَعَبَّدُ بِهَا إِلَى اللهِ، فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ، وخالف سبيل المؤمنين.
    فَفِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ جَاءُوا يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ الثَّالِثُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا.

    وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ.

    فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».

    وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ تَعَبُّدًا وَتَدَيُّنًا، مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ، فَقَدْ خَالَفَ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبتدع، وأنه يأثم بفعله هذا.

   وهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تَرَكَ طَعَامًا مُبَاحًا لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْسِيمِ أَرْزَاقِ اللهِ إِلَى طَيِّبَاتٍ وَخَبَائِثَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ، ثُمَّ يَنْسِبُ ذَلِكَ إِلَى الشَّرْعِ، وَيَجْعَلُ نِظَامَهُ الْمُخْتَرَعَ هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْأَطْعِمَةُ؟

    فَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَيَعِيبُ مَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَيَصِفُ بَعْضَ الطَّيِّبَاتِ بِأَقْبَحِ الْأَوْصَافِ، فَيَقُولُ عَنِ الدَّجَاجِ: إِنَّهُ قَذَرٌ، أَوْ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْآدَمِيِّينَ!

      وَقَدْ كَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
   وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَى خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ مَشْوِيٍّ، فَلَمَّا مُدَّتْ يَدُهُ إِلَيْهِ أُخْبِرَ أَنَّهُ ضَبٌّ، فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، فَأَكَلَهُ خَالِدٌ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ.

    فَلَمْ يَسْتَسِغْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَلَمْ يَعِبْهُ، وَلَمْ يَمْنَعِ النَّاسَ مِنْ أَكْلِهِ.

    وَنَحْنُ لَا نَتَكَلَّمُ هُنَا عَنْ مَسْأَلَةٍ طِبِّيَّةٍ، وَلَا عَنْ مَنْفَعَةِ طَعَامٍ أَوْ مَضَرَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَمَّنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ دِينًا، وَيُحَرِّمُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا.

    ثُمَّ إِذَا جَاءَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ هَوَاهُ، لَمَّحَ إِلَى الطَّعْنِ فِي رَاوِيهِ، أَوْ شَكَّكَ فِي مَدْلُولِهِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ خَطِيرٌ

    يَفْتَحُ بَابَ التَّشْكِيكِ فِي السُّنَّةِ وَنَقَلَتِهَا، وهذا من النفاق والزندقة عياذا بالله.

   قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}.

    وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.

   وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ هُنَاكَ سِرًّا مَجْهُولًا فِي بَابِ الْغِذَاءِ لَمْ تَعْرِفْهُ الْأُمَّةُ إِلَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ، أَوْ أَنَّ النَّاسَ ظَلُّوا قُرُونًا يَتَخَبَّطُونَ فِي مَطَاعِمِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ حَتَّى جَاءَهُمْ مَنْ يَدُلُّهُمْ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ.

    فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُطْرَحُ الْيَوْمَ مِنَ الْأَنْظِمَةِ الْغِذَائِيَّةِ، وَدَعَاوَى الشِّفَاءِ بِالْجُوعِ، أَوِ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَصْنَافٍ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، لَيْسَ فِيهِ جَدِيدٌ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا الْجَدِيدُ هُوَ تَلْبِيسُهُ عَلَى النَّاسِ بِثَوْبِ الدِّينِ، وَإِظْهَارُهُ فِي صُورَةِ الْهُدَى الَّذِي غَفَلَتْ عَنْهُ الْأُمَّةُ، وحاربته مافيا الأدوية والحكومات.

    وَالْحَقُّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَضَعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَصْلًا عَظِيمًا يَحْفَظُ عَلَيْهَا دِينَهَا وَأَبْدَانَهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

    فَهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ جَمَعَتْ أُصُولَ التَّغْذِيَةِ الصَّحِيحَةِ كُلَّهَا؛ فإِبَاحَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَنهتِ عن الْإِسْرَافِ وَالتَّعَدِّي، فَلَا حِرْمَانَ مُبْتَدَعٌ، وَلَا شَرَهَ مُهْلِكٌ.

    وَلَوِ اجْتَمَعَ أَطِبَّاءُ الْأَرْضِ مُنْذُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا قَاعِدَةً تَجْمَعُ مَصْلَحَةَ الْإِنْسَانِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَلَنْ يَتَجَاوَزُوا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
   وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ

   يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». [قال الترمذي: حديث حسن صحيح].

   فَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ الْوَاضِحِ حَاجَةٌ إِلَى مَنْ يَأْتِي فَيَخْتَرِعُ دِينًا جَدِيدًا فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، أَوْ يَجْعَلُ النَّجَاةَ فِي تَرْكِ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَيُصَوِّرُ لِلنَّاسِ أَنَّ الصِّحَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ نِظَامِهِ.

   وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ بَعْضَ الْأَطْعِمَةِ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ مَرَضٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَأَخُّرِ الشِّفَاءِ مِنْهُ، فَمَرِيضُ النِّقْرِسِ قَدْ يَتَأَذَّى مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ اللُّحُومِ، وَصَاحِبُ الْحَسَاسِيَّةِ قَدْ يَتَأَذَّى مِنْ بَعْضِ الْفَوَاكِهِ أَوِ الْأَعْشَابِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ.
   وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي تَحْوِيلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ الْخَاصَّةِ إِلَى أَحْكَامٍ عَامَّةٍ، ثُمَّ جَعْلِهَا مِيزَانًا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى طَعَامِ الْمُسْلِمِينَ

  كُلِّهِمْ، فَيُقَالُ عَنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ: إِنَّهَا خَبِيثَةٌ، أَوْ مُهْلِكَةٌ، أَوْ لَيْسَتْ مِنْ طَعَامِ الْآدَمِيِّينَ.

    وَهَذَا فِي حَقِيقَتِهِ طَعْنٌ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْبَشَرِ.

   وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا، بَلْ أُضْفِيَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَنْظِمَةِ هَالَةٌ دِينِيَّةٌ، فَصَارَ يُسْتَدَلُّ لَهَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لِيُوهَمَ النَّاسُ أَنَّهَا وَحْيٌ مُؤَيَّدٌ، أَوْ أَنَّهَا التَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ لِآيَاتِ الْكِتَابِ وَأَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

   وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا يَدَّعُونَ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى مَعَانٍ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِتُوَافِقَ النَّتِيجَةَ الْمُرَادَةَ سَلَفًا.

وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ خَطِيرَةٌ؛ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ النَّتِيجَةَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَحَثَ عَمَّا يُؤَيِّدُهَا مِنَ النُّصُوصِ، فَقَدْ جَعَلَ الْوَحْيَ تَابِعًا لِهَوَاهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ هَوَاهُ تَابِعًا لِلْوَحْيِ.

    وَمِنْ أَعْجَبِ صُوَرِ التَّلَاعُبِ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحَمْلِهَا عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَنْ يُجْعَلَ التَّخَنُّثُ وَالتَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصِفَاتِهِمْ.

    فَصَاحِبُ هَذَا النِّظَامِ الْغِذَائِيِّ الجديد يجهر بِشُرْبِ الدُّخَانِ، وَلُبْسِ الْحُلِيِّ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِهَا النِّسَاءُ، فَيَضَعُ السَّلَاسِلَ فِي عُنُقِهِ، وَالْأَسَاوِرَ فِي يَدَيْهِ، وَيَتَبَاهَى بِذَلِكَ، فَلَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَسْلَكُ، احْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يُحَلَّوْنَ بِالْأَسَاوِرِ.

  وَهَذِهِ طَرِيقَتُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ يَنْزِعُ النَّصَّ مِنْ سِيَاقِهِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُجَّةً لِمَا يُرِيدُ.

    وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ مَا فِي هَذَا النِّظَامِ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَغْلَاطِ الْبَيِّنَةِ، وَجَدْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا.

   فَمِنْ أَظْهَرِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ أَكْلَ الدَّجَاجِ وَالْبَيْضِ، وَوَصْفُهُ لَهُمَا بِالْقَذَارَةِ، وَزَعْمُهُ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ بَنِي آدَمَ، وَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْرِفُوا أَكْلَهُ إِلَّا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ.

   فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}، زَعَمَ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنَ الطُّيُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطِيرُ، وَأَمَّا الْحَمَامُ فَيَطِيرُ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْآيَةِ عَلَى حَدِّ زَعْمِهِ.

   وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْبَاطِلِ وَأَظْهَرِهِ؛ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الدَّجَاجِ مِنَ الطُّيُورِ أَمْرٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَا أَهْلُ الْعِلْمِ غَيْرَ ذَلِكَ.

   وَلَوْ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي مَسَائِلَ طِبِّيَّةٍ، أَوْ ادَّعَى وُجُودَ أَضْرَارٍ فِي نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّرْبِيَةِ أَوِ الْأَعْلَافِ، لَكَانَ ذَلِكَ مَحَلَّ بَحْثٍ وَنَظَرٍ، أَمَّا أَنْ يُنْكِرَ أَنَّ الدَّجَاجَ مِنَ الطُّيُورِ، وَأَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ، فَهَذَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعَاقِلُ.

   وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرَدِّدُهُ مِنْ دَعَاوَى لَا خِطَامَ لَهَا وَلَا زِمَامَ، مِنْ أَنَّ آكِلَ الدَّجَاجِ يَخَافُ مِنَ الظَّلَامِ، أَوْ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَنْ يُطَارِدُهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى بُرْهَانٍ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ عِلْمٌ وَلَا تَجْرِبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.

   وَأَمَّا حُكْمُ أَكْلِ الدَّجَاجِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الْوَاضِحَاتِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ

 أَهْلِ الْعِلْمِ.

    بَلْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَاجَ وَالْبَيْضَ مِمَّا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْقُرَبَاتِ وَالطَّاعَاتِ، فَقَالَ فِي الْمُبَكِّرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً». [متفق عليه].

    وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ دَجَاجًا».

    وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: «كُلْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُهُ».
  وَقَدْ كَانَ الدَّاجِنُ يُرَبَّى فِي بُيُوتِ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي

   وَصْفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ».

     وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأَى غِلْمَانًا نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ».

     وَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِبَاحَةِ أَكْلِ الدَّجَاجِ، وَبَوَّبَ الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي «سُنَنِهِ» بَابًا قَالَ فِيهِ: «بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِ الدَّجَاجِ»، ثُمَّ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.

    وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُمَرَ سَأَلَ نَافِعًا: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصِيبُ دَقَّ هَذَا الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَالْفِرَاخَ.
   فَيُسْأَلُ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ لَطِيفِ الطَّعَامِ وَمُسْتَحْسَنِهِ وَمَا يَتَنَعَّمُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَ نَافِعٌ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَالْفِرَاخَ». فَعَدَّ الدَّجَاجَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الْمُسْتَطَابَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، لَا مِنْ طَعَامِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ.

   فَبَعْدَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الدَّجَاجَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنَّ وَصْفَهُ بِالْخَبَثِ أَوِ الْقَذَارَةِ، أَوِ الزَّعْمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ، دَعْوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنْ شَرْعٍ وَلَا مِنْ عَقْلٍ.

   وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ هَذَا النِّظَامُ شُرْبَ اللَّبَنِ، وَيَزْعُمُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ ضَارٌّ بِالْإِنْسَانِ، وَأَنَّ اللهَ خَلَقَهُ لِصِغَارِ الْبَهَائِمِ وَالْعُجُولِ فَقَطْ، كَمَا يُرْضَعُ الطِّفْلُ فِي صِغَرِهِ، بَلْ يَبْلُغُ بِبَعْضِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى وَصْفِ اللَّبَنِ بِأَنَّهُ سُمٌّ لِلْبَشَرِ.

   وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ صَاحِبُ هَذَا النِّظَامِ، بَلْ هُوَ مِمَّا يَتَدَاوَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ دَجَّاجلة التَّخْسِيسِ وَأَصْحَابِ الْأَنْظِمَةِ الْغِذَائِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ.

    وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يَمْنَعُ اللَّبَنَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ سُمٌّ، ثُمَّ يُبِيحُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَجْبَانِ الْمُصَنَّعَةِ كَالْشِّيدَرِ وَالْجُبْنِ الْمُثَلَّثَاتِ وَنَحْوِهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْمُنْتَجَاتِ إِنَّمَا أَصْلُهَا اللَّبَنُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ سُمٌّ. وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِّ مَنْ بَنَى أَقْوَالَهُ عَلَى الْهَوَى وَالتَّقْلِيدِ وَالدَّعَاوَى الْمُجَرَّدَةِ؛ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَقَعَ فِي التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.

     فَهَلِ اللَّبَنُ كَمَا يَزْعُمُونَ سُمٌّ وَضَرَرٌ، أَمْ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؟

   والجواب:

   يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}.

    فَجَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَ اللَّبَنِ آيَةً مِنْ آيَاتِهِ، وَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ خَالِصٌ سَائِغٌ لِلشَّارِبِينَ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ بَعْدَ هَذَا الْوَصْفِ الرَّبَّانِيِّ سُمًّا وَخَبِيثًا وَمِمَّا لَا يَصْلُحُ لِلْبَشَرِ؟
   وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ نَفَرًا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَاسْتَوْخَمُوا جَوَّهَا وَمَرِضُوا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا»، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا.

   فَكَانَ ممَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلتَّدَاوِي شُرْبُ أَلْبَانِ الْإِبِلِ.

   وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضِبَابًا وَأَقِطًا وَلَبَنًا، فَشَرِبَ اللَّبَنَ وَأَكَلَ الْأَقِطَ». وَالْأَقِطُ هو لبن مخفف.

   وَلَيْسَ الْأَمْرُ مَقْصُورًا عَلَى أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَالْمَعْزِ، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ لَبَنٍ تَحَقَّقَ فِيهِ الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ}، أَيْ: سَهْلًا فِي شُرْبِهِ، مُسْتَمْرَأً لِشَارِبِهِ، لَا يَغَصُّ بِهِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ، ولا يسبب الشَّرْق، فجميع الألبان داخلة فِي هَذِهِ الْمِنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي امْتَنَّ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ.
   وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي أَلْبَانِ الْبَقَرِ شِفَاءٌ».
[رواه النسائي والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم].

   وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا». وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

   فَلَوْ كَانَ اللَّبَنُ سُمًّا لِلْبَشَرِ كَمَا يَزْعُمُونَ، لَمَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَلَمَا شَرِبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلَا جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَدَاوَوْنَ بِهِ.

    وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ، وَلَا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا بِالطَّيِّبِ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ طَيِّبًا، فَلَبَنُهُ مِنْ أَطْيَبِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَقَدْ امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ كَمَا سَبَقَ.

   وَمِنْ تَنَاقُضِ أَصْحَابِ هَذَا النِّظَامِ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الدَّجَاجَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى عَلَى الْعَلَفِ، ثُمَّ يُبِيحُونَ لُحُومَ الْبَقَرِ وَنَحْوِهَا، مَعَ أَنَّ الْبَقَرَ مِنْ أَشْهَرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَعْتَمِدُ فِي غِذَائِهَا عَلَى الْعَلَفِ. وَهَذَا مِنَ التَّنَاقُضِ الَّذِي يَكْشِفُ فَسَادَ الْأَصْلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ هَذَا النِّظَامُ.

   وَكَذَلِكَ مَنَعُوا أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الْخُضَرِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، كَالْخِيَارِ وَالْجَرْجِيرِ وَغَيْرِهَا، وَزَعَمُوا أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ، لَا مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ.

   وَمَا هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا دِينٌ مُحْدَثٌ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ، يُقَابِلُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنَ التَّوْسِعَةِ فِي الطَّيِّبَاتِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ.

    فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَخْرَجَ لَهُمْ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَجَعَلَهَا مِنْ جُمْلَةِ رِزْقِهِ الَّذِي أَحَلَّهُ لَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}.

    وَقَالَ تَعَالَى: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

    وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ}.

    فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا أَنْبَتَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي امْتَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّهَا مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِلْبَشَرِ، كَمَا يَدَّعِيهِ أَصْحَابُ هَذِهِ الْأَنْظِمَةِ الْمُحْدَثَةِ.

   وَأَمَّا أَكْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخُضَرِ وَالنَّبَاتَاتِ، فَثَابِتٌ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
     حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ فِي «صَحِيحِهِ»: «بَابُ السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ».
    وَالسِّلْقُ هُوَ النَّبَاتُ الْمَعْرُوفُ، ثُمَّ روى حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ...»، وَفِيهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ تَجْعَلُ السِّلْقَ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ مَطْحُونٍ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ.

   وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ سَهْلٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «وَاللهِ مَا فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ».

    أَيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَمْنٌ وَلَا دُهُونُ الْحَيَوَانَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ طَعَامًا مُكَوَّنًا مِنَ السِّلْقِ وَالشَّعِيرِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْرَحُونَ بِهِ وَيَنْتَظِرُونَهُ.

    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». [متفق عليه].

   وَكَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ، وَيَتَتَبَّعُهَا فِي الطَّعَامِ.
    فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ...»، وَفِيهِ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ». قَالَ أَنَسٌ: «فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ».
[أخرجه البخاري].

     وَالدُّبَّاءُ هُوَ الْقَرْعُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ الْيَقْطِينُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ}.

   وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ». [متفق عليه].

   وَالْقِثَّاءُ مِنَ النَّبَاتَاتِ الْمَعْرُوفَةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْخِيَارِ فِي صِفَاتِهِ.

   وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُسَمِّنَنِي، فَلَمْ أَقْبَلْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تُرِيدُ، حَتَّى أَطْعَمَتْنِي الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ، فَسَمِنْتُ عَلَيْهِ كَأَحْسَنِ السَّمَنِ». [رواه أبو داود].

   فَبَعْدَ هَذِهِ النُّصُوصِ، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْخُضَرَ وَالزُّرُوعَ وَالنَّبَاتَاتِ مِنْ طَعَامِ الْبَهَائِمِ وَلَيْسَتْ مِنْ طَعَامِ الْبَشَرِ؟! وَكَيْفَ يُجْعَلُ مَا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَكَلَهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ أَوِ الْمُسْتَقْذَرَةِ؟

    وَأَمَّا مِنْ أَشْنَعِ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا النِّظَامُ: الدَّعْوَةُ إِلَى تَرْكِ التَّدَاوِي، وَالزَّعْمُ أَنَّ جِسْمَ الْإِنْسَانِ يُصْلِحُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}.
   وَهَذَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الْفَاسِدِ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الشِّفَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْمَرَضَ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ، أَمَّا الْأَدْوِيَةُ وَالْعِلَاجَاتُ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى سَبَبًا لِلشِّفَاءِ.

   وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّدَاوِي قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً». [رواه ابن حبان].

   وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».

    وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ وَالزَّيْتِ». قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
   وَذَاتُ الْجَنْبِ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالطِّبِّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُعْرَفُ فِي عَصْرِنَا بِبَعْضِ أَمْرَاضِ الصَّدْرِ وَالرِّئَةِ، وَمِنْهَا مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ السُّلَّ. وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التَّدَاوِي مِنْهُ بِالْقُسْطِ البحري، أو القسط الهندي.

   فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَدْعُ إِلَى تَرْكِ التَّدَاوِي، بَلْ أَمَرَتْ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ الشَّافِيَ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ.

   وَخِلَاصَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَحْوِيلَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى قَضِيَّةِ هِدَايَةٍ وَضَلَالٍ، وَجَعْلَ النَّجَاةِ مُرْتَبِطَةً بِنِظَامٍ غِذَائِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَالتَّضْيِيقَ فِي الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ، كُلُّ ذَلِكَ غَرِيبٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَهَدْيِ أَهْلِهِ.

   فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ جَعَلَ الْأَصْلَ فِي الْمَطَاعِمِ الْإِبَاحَةَ، وَجَعَلَ الطَّيِّبَاتِ نِعْمَةً وَمِنَّةً عَلَى الْعِبَادِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ اللُّحُومِ وَالثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ، فَمَا اشْتَهَوْهُ أَكَلُوهُ، وَمَا لَمْ يَشْتَهُوهُ تَرَكُوهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَلَا تَشْدِيدٍ وَلَا ادِّعَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ.
  فَهَذَا هُوَ هَدْيُ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا مَا خَالَفَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، وَالتَّضْيِيقِ فِي مَا وَسَّعَ اللهُ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ الَّتِي لَا يَزِيدُهَا الزَّمَانُ إِلَّا انْكِشَافًا وَظُهُورًا.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.


وكتب

أبو صهيب وليد بن سعد

القاهرة 18 / ذي الحجة / 1447

4 / 6 / 2026.


الأحد، 31 مايو 2026

تنبيه الخطيب من أحاديث ضعيفة اشتهرت في عرفة والعيد

تنبيه الخطيب من أحاديث ضعيفة اشتهرت في عرفة والعيد

   الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:


   فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْخَلَلِ فِي فَهْمِ السُّنَّةِ وَالْعَمَلِ بِهَا، وَلَعَلَّ أَشَدَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَنْ تُثْبِتَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَيَعْتَقِدَهُ النَّاسُ سُنَّةً وَقُرْبَةً، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

   وَرُبَّمَا كَانَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ سَبَبًا فِي الْإِعْرَاضِ عَمَّا صَحَّ وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَيَنْشَغِلُ النَّاسُ بِفَضِيلَةٍ لَا تَصِحُّ، وَيَتْرُكُونَ فَضَائِلَ وَسُنَنًا ثَابِتَةً مَحْفُوظَةً.

   وَلِهَذَا كَانَ مِنْ وَاجِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيَانُ ضَعِيفِ الْأَحَادِيثِ مِنْ صَحِيحِهَا، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ، وَلَا سِيَّمَا مَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِالْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ.

   وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِيَوْمِ عَرَفَةَ وَأَحْكَامِ الْعِيدِ، اشْتَهَرَ ذِكْرُهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَتَلَقَّاهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالْقَبُولِ، بَلْ صَحَّحَهَا أَوْ حَسَّنَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مَعَ أَنَّ ضَعْفَهَا بَيِّنٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَئِمَّةُ النَّقْدِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالضَّعْفِ وَالْإِعْلَالِ.

   وَهِيَ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ:

   الأَوَّلُ: حَدِيثُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

   الثَّانِي: أَنَّ لِلْعِيدِ خُطْبَتَيْنِ.

   الثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ فِي حُضُورِ خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَحديث مَنْ شَاءَ جَلَسَ، وَمَنْ شَاءَ انْصَرَفَ.

   الرَّابِعُ: أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ.

  الْخَامِسُ: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ.

وَمَعَهَا فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ فِي عَدَدِ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَائِدَةٌ حَديثية فِي اجتماعِ الجمُعة مع العيدِ

وَاللهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُسْتَعَانُ.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 13 / ذو الحَجة / 1447
30 / 5 / 2026


      الْحَدِيثُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ

   وَلَفْظُهُ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».

   قُلت: وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى مِنْ خَمْسَةِ طُرُقٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَكُلُّهَا بَيْنَ ضَعِيفٍ وَمُنْكَرٍ.

   الطَّرِيقُ الأَوَّلُ:

  وَمَدَارُهُ عَلَى الإمام مالك بن أنس رَحِمَهُ اللهُ.

   فَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الموطأ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ، مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

   وَهَذَا إِسْنَادٌ مُرْسَلٌ؛ فَإِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما أنه قَلِيلُ الْحَدِيثِ.

   قَالَ البيهقي فِي السنن الكبرى (9473): «هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولًا، وَوَصْلُهُ ضَعِيفٌ».

   الطَّرِيقُ الثَّانِي:

   رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمَدَنِيُّ.

   فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مَرْفُوعًا.

   وَأَخْرَجَ هَذَا الطَّرِيقَ البيهقي فِي شعب الإيمان (3778)، ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: «هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، وَغَلِطَ فِيهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلًا».

   وَقَالَ ابن عدي فِي الكامل في الضعفاء، ترجمة رقم: (1117): «وَهَذَا مُنْكَرٌ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَرْوِيهِ عَنْهُ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى هَذَا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُرْسَلًا».

   وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَتِهِ: «يُحَدِّثُ عَنِ الثِّقَاتِ بِالْمَنَاكِيرِ» اهـ.

   قلت: فَهَذَا الطَّرِيقُ أَشَدُّ ضَعْفًا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَحْفُوظِ عَنْ مَالِكٍ، بَلِ انْفَرَدَ بِهِ رَاوٍ مَجْهُولُ الْحَالِ، مَوْصُوفٌ بِرِوَايَةِ الْمَنَاكِيرِ عَنِ الثِّقَاتِ.


   الطَّرِيقُ الثَّالِثُ:
   رَوَاهُ الإمام أحمد، والترمذي، من حديث: روح بن عبادة، قال: حدثنا محمد بن أبي حميد، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا.

   قال الترمذي عقب إخراجه (3585): «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ».

    قُلْتُ: وَالإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَشَيْخِهِ الْبُخَارِيِّ، لَا يَسْتَعْمِلُ فِي الْغَالِبِ عِبَارَاتِ الْجَرْحِ الشَّدِيدَةَ، بَلْ يَكْتَفِي بِمَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى وَيُبَيِّنُ ضَعْفَ الرَّاوِي.

   وَأَمَّا أَقْوَالُ النُّقَّادِ فِيهِ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: «أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ». وَقَالَ يحيى بن معين: «ضَعِيفٌ، لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ». وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   فَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَعِلَّتُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ مِمَّنِ اتَّفَقَ النُّقَّادُ عَلَى تَضْعِيفِهِ.

 

   الطَّرِيقُ الرَّابِعُ:

   رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي «الدُّعَاءِ» (59)، مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، فَقَالَ:

   حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ...».
   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، فَقَدْ قَالَ فِيهِ الإمام أحمد: «لَيْسَ بِشَيْءٍ».   

   وَقَالَ علي بن المديني: «ضَعِيفٌ، يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ». وَقَالَ يحيى بن معين: «ضَعِيفٌ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   قُلْتُ: وَأَنْكَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْبَابِ نَفْسِهِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه بِدُعَاءٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، فَقَدْ رَوَاهُ الْمَحَامِلِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قَيْسٌ، عَنِ الْأَغَرِّ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «اللَّهُمَّ رَبِّ، الْحَمْدُ لَكَ، الْحَمْدُ كَمَا نَقُولُ ...».

   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَأُدْخِلَتْ فِي كُتُبِهِ أَحَادِيثُ مُنْكَرَةٌ فَحَدَّثَ بِهَا، حَتَّى قَالَ فِيهِ يحيى بن معين: «لَيْسَ بِشَيْءٍ».


   الطَّرِيقُ الْخَامِسُ:

   رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الدُّعَاءِ» (875) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا.

   فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ هَارُونَ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ أَبِي ثَوْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ عَامَّةُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

   قُلْتُ: وَآفَةُ هَذَا الْإِسْنَادِ فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ فِيهِ الإمام أحمد: «يُحَدِّثُ عَنْ ثِقَاتٍ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ». وَضَعَّفَهُ يحيى بن معين، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».

   وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي «الضُّعَفَاءِ» فِي تَرْجَمَةِ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ».

   وَمُرَادُهُ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ أَبْوَابِ الْإِعْلَالِ؛ فَإِنَّ تَفَرُّدَ رَاوٍ ضَعِيفٍ بِحَدِيثٍ عَنْ إِمَامٍ جَبَلٍ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، مَعَ عَدَمِ رِوَايَتِهِ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ، مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ.


   والْخُلَاصَةُ:

   فَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَجَمِيعُ طُرُقِهِ مُعَلَّةٌ، وَمَدَارُ أَكْثَرِهَا عَلَى رُوَاةٍ ضُعَفَاءَ مَعْرُوفِينَ بِرِوَايَةِ الْمَنَاكِيرِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ لَا يَنْجَبِرُ حَدِيثُهُمْ بِالشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ.

   وَالْمَحْفُوظُ فِي الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ الْمُرْسَلُ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا أَصَّلَ ذَلِكَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَجَرَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْدِ مِنْ بَعْدِهِ.

   وَعَلَى هَذَا؛ فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

   الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ التَّخْيِيرِ فِي الْبَقَاءِ لِخُطْبَةِ الْعِيدِ أَوِ الِانْصِرَافِ مِنْهَا

   رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رضي الله عنه، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ».

   قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ(1155): «هَذَا مُرْسَلٌ، عَطَاءٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم».

   قُلت: فَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ عَلَى الْحَدِيثِ بِالْإِرْسَالِ، وَالْمُرْسَلُ مِنْ أَقْسَامِ الضَّعِيفِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ.

  وَلفي الغالب هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ السَّبَبُ فِي الْخَلْطِ الَّذِي وَقَعَ لِبَعْضِ الضُّعَفَاءِ في حديث اجتماع الجمعة مع العيد؛ فَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي زَمَانِهِ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، رَخَّصَ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِعْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه رُخْصَةٌ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ.

   وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ إِلَّا لِأَهْلِ الْعَالِيَةِ خَاصَّةً، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بَعِيدَةً عَنِ الْمَدِينَةِ بِمَسَافَةٍ يَلْحَقُهُمْ فِيهَا الْمَشَقَّةُ، وَلَمْ تَكُنِ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ فِي الْأَصْلِ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالِانْصِرَافِ.

   فَلَمَّا اخْتَلَطَ عَلَى بَعْضِ الضُّعَفَاءِ - كَمِنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ - حَدِيثُ الْحَجَّاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ، رَوَوْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

   وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيَّنْتُ ضَعْفَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِإِجْزَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ عَنِ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، فِي بَحْثِي: «الْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تُجْزِئُ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ».
   وسيأتي فائدة حديثية في أخر البحث لها تعلق بهذه المسألة

   وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوَفِّقُ.

     والْخُلَاصَةُ:

   أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَقَاءِ لِخُطْبَةِ الْعِيدِ وَالِانْصِرَافِ مِنْهَا حَدِيثٌ يُحْتَجُّ بِهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مُرْسَلٌ، كَمَا حَكَمَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

   الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ»

     وَلَفْظُهُ: سُئِلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ».

   قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَجُّ هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ هُوَ نَحْرُ الْبُدْنِ وَإِهْرَاقُ دَمِهَا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

   قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَا يَثْبُتُ بِهَا.

   فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ  من حَديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، فَلَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَلَا لِلِاعْتِضَادِ.

   وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ آخَرُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَجْوَدُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.

    فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، مَرْفُوعًا.

    وَهَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ الْقَبُولُ، وَمَتْنُ الْحَدِيثِ لَا نَكَارَةَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْعِلَلِ بَيَّنُوا أَنَّ فِيهِ عِلَة خَفِيَّةً تَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ.

   فَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ في جامعه (828) عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ».

   قال: وسَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- يَقُولُ: «وَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ ضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ، فَقَالَ: «هُوَ خَطَأٌ»، فَقُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ أَيْضًا مِثْلَ رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: «لَا شَيْءَ، إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فَدِيكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ»».

   قُلْتُ: وَوَجْهُ الْعِلَّةِ أَنَّ الرُّوَاةَ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابًا بَيِّنًا؛ فَمَرَّةً يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَمَرَّةً عَلَى وُجُوهٍ أُخَرَ مُخْتَلِفَةٍ.

   وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الدارقطني عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي «الْعِلَلِ» رقم (71) ذَكَرَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَبَيَّنَ وُجُوهَ الِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَادِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.

   وَزَادَ الإمام البخاري عِلَّةً أُخْرَى كما في السنن الكبرى للبيهقي (9017)، فَقَالَ: «هُوَ عِنْدِي مُرْسَلٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ» اهـ .

   فَاجْتَمَعَ فِي الْحَدِيثِ الِاضْطِرَابُ وَالِانْقِطَاعُ، وَهُمَا مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ التَّضْعِيفِ.

   وَأَمَّا مَنْ حَسَّنَ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى شَوَاهِدَ لَا تَخْلُو هِيَ أَيْضًا مِنَ الْعِلَلِ.

    فَمِنْهَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أبو حنيفة، وَالْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِهِ فِي الرِّوَايَةِ.

   وَمِنْهَا حَدِيثُ: «كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا»، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ بِسَبَبِ عَنْعَنَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.

   قُلْتُ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ مِمَّنْ يُحْتَمَلُ حَدِيثُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ إِذَا لَمْ تَظْهَرْ نَكَارَتُهُ.

    وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ الْأَظْهَرَ فِي الإِسْنَادِ هِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ الْكُوفِيُّ؛ فَإِنَّهُ رَاوٍ مَجْهُولُ الْحَالِ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْجَهَالَةِ، لَمْ يَشْتَهِرْ بِالرِّوَايَةِ، وَلَا احْتَمَلَهُ النُّقَّادُ كَاحْتِمَالِهِمْ لِغَيْرِهِ.

    ثُمَّ إِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ قَدِ اضْطَرَبَتْ أَيْضًا، فَرُوِيَتْ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَرَّةً عَنْ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ، وَمَرَّةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَلَّادٍ، وَمَرَّةً عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ الْحَدِيثِ.

  والْخُلَاصَةُ:

    أَنَّ حَدِيثَ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعَجُّ وَالثَّجُّ» لَا يَثْبُتُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا يَنْجَبِرُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ؛ لِشِدَّةِ مَا فِيهَا مِنَ الْعِلَلِ وَالِاضْطِرَابِ.

   وَلَعَلَّ أَحْسَنَ مَا رُوِيَ فِي الْبَابِ مَا جَاءَ مَوْقُوفًا عَلَى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أَنَّهُ سُئِلَ: «مَا الْحَجُّ؟» فَقَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ».

   رَوَاهُ ابن أبي شيبة فِي «الْمُصَنَّفِ» بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ عَالٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ، وَقَدْ ذَكَرَ النُّقَّادُ أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، قَالَ يحيى بن معين: «اخْتَلَطَ بِآخِرَةٍ».

   وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

   الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: أَنَّ لِلْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ.
    وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَأَثَرٍ عَنْ تَابِعِيٍّ، وَكَذَا الْقِيَاسِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

   وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ:

    أَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ».

   قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «طَرَحَ النَّاسُ حَدِيثَهُ».

   وَيَرْوِيهِ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ»، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: «هُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، مُخْتَلِطٌ»، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

   قُلْتُ: هَذَا حَالُ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا الْمَتْنُ فَلَا يَقِلُّ عَنْهُ نَكَارَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ الْعِيدَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مِنبَرٌ، وَإِنَّمَا إِخْرَاجُ الْمِنبَرِ إِلَى سَاحَةِ مُصَلَّى الْعِيدِ بِدْعَةٌ أُمَوِيَّةٌ.

   فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ،

 أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ».

   قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ -وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ- فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ».

   فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ؛ فَقَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ»؛ فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ.

   فَقَالَ: «إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ» الحديث.

   قُلْتُ: فَجَعْلُ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَاتِّخَاذُ مِنبَرٍ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ، بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ الْعِيدَ، فَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عَلَى بَعِيرِهِ، لَا مِنْ عَلَى مِنبَرٍ.
   فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ».

   وَعَنْ أَبِي كَاهِلٍ الْأَحْمَسِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى نَاقَةٍ حَزْمَى، وَحَبَشِيٌّ مُمْسِكٌ بِخِطَامِهَا».

   وَعَنِ الْهَرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ رِدْفًا يَوْمَ الْأَضْحَى، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى نَاقَةٍ بِمِنًى».
   قُلْتُ: وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ، أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ»، فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ،

 بَابُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْبَعِيرِ.

   وَكَمَا أَخْرَجَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً أُخْرَى، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ هِيَ سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ مِنْ بَعْدِهِمْ.

   فَقَدْ أَخْرَجَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْعِيدَ، فَلَمَّا صَلَّى خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ يَفْعَلُهُ.

   وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ عَلَى نَجِيبَةٍ».

   وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى بَعِيرٍ».

   وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: «كَانَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ يَبْدَأُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعِيرَهُ، فَيَخْطُبُ».

   قُلْتُ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْخُلَفَاءَ وَالصَّحَابَةَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَخْطُبُونَ الْعِيدَ عَلَى الْبَعِيرِ، وَيُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ نَزَلَ، أَيْ: نَزَلَ مِنْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ.

   فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ».

   قُلْتُ: وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى قَدَمَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مِنْبَرٍ.

   أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ».

   وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُبَيِّنُ نَكَارَةَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: «فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ».

   فَالسُّؤَالُ: عَلَى مَاذَا قَعَدَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْبَرٌ؟

   وَكَمَا فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى بَعِيرِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ؟

   فَظَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ كَانَتْ لَهَا خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، إِمَّا عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِمَّا وَالْخَطِيبُ قَائِمٌ عَلَى الْأَرْضِ.

    وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَ فِيهَا قِيَامٌ وَقُعُودٌ، وَأَنَّهَا خُطْبَتَانِ، فَهَذَا خَاصٌّ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.

    أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، بَابُ الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا».

    وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ». قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ.

 

   وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ، فَهُوَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ فِي الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى».

    قُلْتُ: وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا ثِقَةٌ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ، قَالَ الْعِجْلِيُّ: «كَانَ أَعْمَشَ، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، تَابِعِيًّا ثِقَةً، رَجُلًا صَالِحًا جَامِعًا لِلْعِلْمِ، وَهُوَ مُعَلِّمُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ».

    قُلْتُ: وَمَعَ هَذَا فَقَوْلُهُ هُنَا لَا يُقْبَلُ وَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ: «السُّنَّةُ كَذَا» لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ إِنْ قَالَهُ صَحَابِيٌّ، وَأَمَّا مَنْ دُونَ الصَّحَابَةِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ.

   هَذَا إِنْ صَحَّ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ هَذَا التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَثَرَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ شَيْخٍ لَهُ ضَعِيفٍ، كَانَ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ، وَهُوَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ.

    وَقَدْ رَمَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِالْكَذِبِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «كُلُّ بَلَاءٍ فِيهِ»، وَطَعَنَ فِيهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ طَعْنًا شَدِيدًا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «كَانَ جَهْمِيًّا».

   فَهَذَا إِسْنَادٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ، لَا تَصِحُّ نِسْبَةُ مَتْنِهِ إِلَى هَذَا التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ، عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ.

   كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْمَتْنِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، لَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَكِنَّ هَذَا الضَّعِيفَ خَلَطَ بَيْنَهُمَا.

    فَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا رَوَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ». وَالْحَدِيثُ فِي «مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ».

   فَالشَّاهِدُ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مُنْكَرٌ، وَالْأَثَرَ شَدِيدُ الضَّعْفِ.

    وَيَتَبَقَّى قِيَاسُ خُطْبَةِ الْعِيدِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

   وَالْقِيَاسُ بَيْنَهُمَا لَا يَقُومُ؛ لِشِدَّةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّعِيرَتَيْنِ، مِنْ ذَلِكَ:

   ـ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَالصَّلَاةُ فِيهِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.

   ـ وَأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ تَكُونُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَمِنْ غَيْرِ مِنْبَرٍ.

   ـ وَأَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ تَكُونُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ فِي الْجُمُعَةِ.

    ـ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْعِيدُ فَيُصَلَّى خَارِجَهُ.

    ـ وَأَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، بِخِلَافِ الْعِيدِ فَلَا أَذَانَ فِيهِ وَلَا إِقَامَةَ.

    ـ وَأَنَّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ مَوْعِظَةً خَاصَّةً بِالنِّسَاءِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.

 

    فَالْخُلَاصَةُ:

   إِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ لِلْعِيدِ خُطْبَةً وَاحِدَةً، تَكُونُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ يَكُونُ الْخَطِيبُ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ.

وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ خُطْبَتَانِ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ شَدِيدُ الضَّعْفِ.

وَكَذَلِكَ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنِ التَّابِعِيِّ شَدِيدُ الضَّعْفِ أَيْضًا، وَهُوَ خَطَأٌ.

   وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِكَلَامِ التَّابِعِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ بِمَا صَحَّ عَنْهُمْ.

    كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «الْمُصَنَّفِ» (5650)، كِتَابَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَتَى كَانَ مَنْ مَضَى يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ مِنْ بَيْتِهِ يَوْمَ الْفِطْرِ لِلصَّلَاةِ؟

    فَقَالَ: «كَانُوا يَخْرُجُونَ حَتَّى يَمْتَدَّ الضُّحَى، فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَخْطُبُونَ قَلِيلًا سُوَيْعَةً». قُلْتُ: يُقَلِّلُونَ خُطْبَتَهُمْ؟ قَالَ: «لَا يَحْبِسُونَ النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيَخْرُجُ النَّاسُ؟

    قَالَ: «مَا جَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مِنْبَرٍ حَتَّى مَاتَ، مَا كَانَ يَخْطُبُ إِلَّا قَائِمًا».

فَكَيْفَ يُخْشَى أَنْ يَحْبِسُوا النَّاسَ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا يَخْطُبُونَ قِيَامًا، لَا يَجْلِسُونَ. إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَرْتَقِي أَحَدُهُمْ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيَقُومُ كَمَا هُوَ قَائِمٌ، لَا يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى يَرْتَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَنْزِلُ.

  وَإِنَّمَا خُطْبَتُهُ جَمِيعُهَا وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَشَهَّدُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْأُولَى».

    قُلْتُ: وقد مَرَّ أَنَّ قِيَاسَ خُطْبَةِ الْعِيدِ عَلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

   الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: 
صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.

   وَهَذَا الْقَوْلُ بَدَأَ فِي الْبُزُوغِ أَخِيرًا، وَسَبَبُهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ الِاغْتِرَارُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْحَدِيثِ: «هَذِهِ سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ»، أَوْ بِتَبْوِيبِ الْمُحَدِّثِينَ لِلْحَدِيثِ.

    فَقَدْ بَوَّبَ ابْنُ مَاجَهْ لِهَذَا الْحَدِيثِ (1293) بِقَوْلِهِ: «بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا».

   ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

    وَجَاءَتْ رِوَايَةُ أَحْمَدَ (11226) بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

    وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَاكِمِ (1102) : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَجَعَ مِنَ الْمُصَلَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».

   قُلْتُ: وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلٌ، فَهَذَا يَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى.

    غَيْرَ أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْحَدِيثِ بِكُلِّ أَلْفَاظِهِ مِنْ طَرِيقِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الْقُرَشِيِّ، وَقد ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ».

    فَتَفَرُّدُ رَاوٍ هَذَا حَالُهُ بِحَدِيثٍ فِي الْأَحْكَامِ لَا يُقْبَلُ بِحَالٍ، وَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ فِي التَّحْسِينِ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِأَصْلٍ لَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَصَحِيحُ السُّنَّةِ خِلَافُهُ.

   وَقَدِ اخْتَلَطَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْإِمَامِ الْحَاكِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ»، وَلَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الْعِيدِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ لَفْظَةَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ».

    فَقَدْ رَوَاهُ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُنْكَرِ بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ (1088)، بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ».

   ثُمَّ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ... وَهَذِهِ سُنَّةٌ عَزِيزَةٌ».

   فَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِلَّا فَحَدِيثُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِيدِ ضَعِيفٌ مُنْكَرٌ.

   وَتَظْهَرُ نَكَارَةُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ مَا صَحَّ فِي الْبَابِ:

   فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ».

    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما «خَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا»، وَذَكَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ».

   قَالَ التِّرْمِذِيُّ: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

    وَفِي رِوَايَةٍ: «خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَجَلَسَ حَتَّى أَتَى الْإِمَامُ، ثُمَّ صَلَّى وَانْصَرَفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ ابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا صَلَاةً، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا قُدَّامَهَا صَلَاةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؟ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ». [رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ].

   وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَابْنَ عُمَرَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَشُرَيْحًا، وَابْنَ مَعْقِلٍ، لَا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهُ». [أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَدَا لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، فَفِيهِ لِينٌ].

   فَالْخُلَاصَةُ:

   أَنَّ الصَّحِيحَ الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ شَيْئًا وَلَا بَعْدَهَا، وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا تَفَرَّدَ بِهِ رَاوٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.

فَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ، بَلِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

   ويَتَبَقَّى فَائِدَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ، وَهِيَ عَدَدُ تَكْبِيرَاتِ صَلَاةِ الْعِيدِ.

   فَإِنَّ أَحَادِيثَ الباب - مَعَ كَثْرَتِهَا وَثُبُوتِهَا - تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِيهَا سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ، وَالرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ.

   غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الْأَئِمَّةِ يَزِيدُونَ تَكْبِيرَةً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِزَعْمِ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَيَزِيدُونَ تَكْبِيرَةً فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِزَعْمِ أَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الِانْتِقَالِ.

   وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِ أَلْفَاظِهَا، فَكَيْفَ يُخَالَفُ هَذَا الْوُضُوحُ فِي الْأَحَادِيثِ بِكَلِمَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانِ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ؟

    وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، سَأَنْقُلُ جُمْلَةً مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَتَّى تَتَصَوَّرَ الصُّورَةَ، وَيَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ.

    أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (6688) بِإِسْنَادٍ حَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا سَيَأْتِي، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا».

   قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قَالَ أَبِي: «وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى هَذَا».

    وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ (5677) بِنَفْسِ الْإِسْنَادِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ يَوْمَ الْفِطْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعًا، ثُمَّ قَرَأَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ فِي الْأُخْرَى خَمْسًا ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ رَكَعَ».

    وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَرْسَلَنِي مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَبَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَسَارَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَكَبَّرَ فِيهَا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ».
[رَوَاهُ الْحَاكِمُ (1217) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى (6406): مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا غَيْرُ قَوِيٍّ، وَهُوَ بِمَا قَبْلَهُ مِنَ الشَّوَاهِدِ يَقْوَى.
وَنَبَّهَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ أَنَّ الْحَاكِمَ أَخْطَأَ فِي الْإِسْنَادِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَيْهِ الذَّهَبِيُّ فِي التَّلْخِيصِ].

 

   وَعَنْ سَعْدِ بْنِ قَرَظٍ، وَكَانَ الْقَرَظُ مُؤَذِّنًا لِأَهْلِ قُبَاءَ فَانْتَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاتَّخَذَهُ مُؤَذِّنًا: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ». [رَوَاهُ الْفَرْيَانِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (105) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ].

    وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ (5718)، وَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْأَفْرِيقِيُّ، فِيهِ ضَعْفٌ وَقَدْ حَسَّنَ حَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَلَى كُلٍّ يَتَقَوَّى بِالْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ].

    وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (619) عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
   وَعَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي الْعِيدَيْنِ فَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى، ثُمَّ قَرَأَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ قَامَ فَكَبَّرَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ وَكَبَّرَ».

 [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (111)، وَهُوَ صَحِيحٌ].

   وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعٌ وَخَمْسٌ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (5721) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ].

   وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ: «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ». [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (5724) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ].

    وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: «وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ فِي صَلَاةِ الْأَضْحَى وَصَلَاةِ الْفِطْرِ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَيُكَبِّرَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (106)، وَهُوَ حَسَنٌ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: «كَمْ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ؟» فَقَالَ: «سَبْعٌ وَخَمْسٌ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ: أَنْ يُكَبِّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى ثُمَّ يَقْرَأَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَرْكَعَ، ثُمَّ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُكَبِّرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقْرَأَ فَيُكَبِّرَ وَيَسْجُدَ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (107) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «نَعَمْ، ارْفَعْ يَدَيْكَ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (137) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   وَقَالَ الْوَلِيدُ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: «فَأَرْفَعُ يَدِي كَرَفْعِي فِي تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «نَعَمْ، ارْفَعْ يَدَيْكَ مَعَ كُلِّهِنَّ». [أَخْرَجَهُ الْفَرْيَابِيُّ فِي أَحْكَامِ الْعِيدَيْنِ (136)بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ].

   فالخلاصة:

   أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي رُوِيَتْ فِي عَدَدِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ - عَلَى كَثْرَةِ أَلْفَاظِهَا وَتَنَوُّعِهَا - لَمْ تَزِدْ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَخَمْسٍ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.

    وَأَنَّ الْآثَارَ الْمَوْقُوفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ كَمَا جَاءَ فِي كَلَامِ التَّابِعِينَ، وَاعْتِمَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ لِلْحُكْمِ، وَقَبْلَهُمَا الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

    قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْكَبِيرِ (ص / 94): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ - يَعْنِي: حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ - فَقَالَ: «لَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، وَبِهِ أَقُولُ». وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيُّ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ.

 

     وَأخيرًا: فائدةٌ حديثيَّة في اجتماع العيد والجمعة:

   فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَنْ لَا تُقْبَلَ إِلَّا مِنَ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ، وَلِذَا فَإِنَّ أَغْلَبَ أُصُولِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تُوجَدُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ تُوجَدُ تَفَاصِيلُ أَوْ زِيَادَاتٌ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي كُتُبِ السُّنَنِ لَمْ يُخْرِجْهَا الشَّيْخَانِ بِسَبَبِ خِفَّةِ شَرْطِ أَصْحَابِ السُّنَنِ فِي كُتُبِهِمْ.

   فَلَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ ضَعِيفِ الضَّبْطِ، أَوِ الْمُخْتَلِطِ، أَوِ الْمُدَلِّسِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَارِدٌ فِي أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ.

    وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الْخَطَأِ مَا يُعْرَفُ بـ«سُلُوكِ الْجَادَّةِ»، حَيْثُ يَرْوِي ضَعِيفُ الضَّبْطِ حَدِيثًا بِإِسْنَادٍ عَلَى مَتْنٍ مُخَالِفٍ لِلصَّحِيحِ، لَا عَنْ قَصْدٍ مِنْهُ، بَلْ بِسَبَبِ ضَعْفِ حِفْظِهِ وَيَقَظَتِهِ.

   وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ: حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ مَنْ صَلَّى الْعِيدَ بَيْنَ الْجُلُوسِ لِلْخُطْبَةِ وَالِانْصِرَافِ.

   لَكِنَّ أَبَا دَاوُدَ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ.

   فَيَأْتِي رَاوٍ ضَعِيفٌ كَمَنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَسْلُكُ الْجَادَّةَ، فَيَخْلِطُ وَيَرْوِي حَدِيثَ تَخْيِيرِ الْمُصَلِّينَ بَيْنَ شُهُودِ خُطْبَةِ الْعِيدِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهَا، وَنَصُّهُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّفَ فَلْيَتَخَلَّفْ»، مَعَ حَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ صَلَّى الْعِيدَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِعَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ فِعْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُثْمَانَ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَالِيَةِ فَقَطْ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَالِيَةِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ، فَالْجُمُعَةُ فِي حَقِّهِمْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

   فَمَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ أَدْخَلَ حَدِيثَ خُطْبَةِ الْعِيدِ فِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ خَطَأً.

   وَضَعْفُ مَنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورٌ، لَكِنَّهُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَيَأْتِي الْمُدَلِّسُونَ كَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُشَيْمٍ وَغَيْرِهِمَا، فَيُدَلِّسُونَ عَنْ هَذَا الضَّعِيفِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى نَقْلِ حَدِيثِهِ.

    فَيَظُنُّ الْمُحَقِّقُ الَّذِي لَمْ يَجْمَعْ طُرُقَ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ لِكَثْرَةِ مَخَارِجِهِ، فَيُصَحِّحُهُ بِمَجْمُوعِ الطُّرُقِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي أَصْلِهِ خَطَأٌ نَتَجَ عَنْ ضَعْفِ الرَّاوِي وَسُلُوكِهِ الْجَادَّةَ، فَأَدْخَلَ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ.

    وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ صَلَّاهُمَا جَمِيعًا.

   وَمَا دُونَ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.