الكَنْزُ الثَّمِينُ فِي فَنِّ التَّخْرِيجِ وَمَنَاهِجِ المُحَدِّثِينَ (3)
الدَّقَائِقُ الْخَفِيَّةُ فِي صَحِيحِ
الْإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
تَرْجَمَةَ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَرَدَّ مَا
أُثِيرَ حَوْلَ عَقِيدَتِهِ، وَحَقِيقَةَ وَأَصْلَ هَذِهِ الشُّبَهِ، وَذَلِكَ كَانَ
تَمْهِيدًا لِلتَّعَرُّفِ عَلَى مَنْهَجِهِ فِي صَحِيحِهِ، وَمَا هِيَ خَبَايَا هَذَا
السَّفَرِ الْعَظِيمِ الَّتِي مَنْ جَهِلَهَا لَمْ يَسْتَطِعِ الِانْتِفَاعَ بِهِ؟،
بَلْ وَرُبَّمَا أَسَاءَ الْفَهْمَ أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهِ.
وَكَتَبَ
أَبُو صُهَيْبٍ وَلِيدُ
بْنُ سَعْدٍ
القَاهِرَةُ / رَبِيعُ
الآخِرِ / ١٤٤٧هـ
٢ / ١١ / ٢٠٢٥م
الفَصْلُ الثَّانِي
طَرِيقَةُ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ
وَلَعَلَّهُ مِنَ المُنَاسِبِ الآنَ
الشُّرُوعُ فِي التَّعَرُّفِ عَلَى صَحِيح ابْنِ خُزَيْمَةَ، بَعْدَ أَنْ تَعَرَّفْنَا
عَلَى مُؤَلِّفِهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- وَجَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الدُّكْتُورَ مُحَمَّدَ مُصْطَفَى الأَعْظَمِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ- هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ لَنَا
كِتَابَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ عَالَمِ المَخْطُوطَاتِ، وَأَنَّهُ اشْتَرَكَ مَعَهُ
الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي مُرَاجَعَةِ الكِتَابِ وَتَصْحِيحِهِ.
غَيْرَ أَنَّ المَطْبُوعَ مِنْ
"صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" هُوَ مِقْدَارُ رُبْعِ الكِتَابِ فَقَطْ، فَلَمْ
يُطْبَعْ منهُ إِلَّا سَبْعَةُ كُتُبٍ، وَهِيَ: كِتَابُ الوُضُوءِ، وَكِتَابُ الصَّلَاةِ،
وَالإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالجُمُعَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالمَنَاسِكِ.
وَأَمَّا بَاقِي الكِتَابِ فَهُوَ
مَفْقُودٌ مِنْ قَدِيمٍ، فَإِنَّ ابْنَ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيَّ فِي كِتَابِهِ
"إِتْحَافُ المَهَرَةِ" قَالَ: "لَمْ أَقِفْ مِنْهُ إِلَّا عَلَى رُبْعِ
العِبَادَاتِ بِكَمَالِهِ وَمَوَاضِعَ مُفَرَّقَةٍ مِنْ غَيْرِهِ".
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي كِتَابِهِ "سُنَنَ الدَّارَقُطْنِيِّ"
جَبْرًا لِمَا فَاتَ مِنَ الوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"[1].
قُلْتُ: وَسَبَبُ فَقْدِ بَاقِي الكِتَابِ
لَهُ قِصَّةٌ جَاءَتْ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي طَاهِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ، حَفِيدِ
ابْنِ خُزَيْمَةَ وَرَاوِي الكِتَابِ عَنْهُ.
قَالَ الحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ
- رَحِمَهُ اللَّهُ- صَاحِبُ "المُسْتَدْرَكِ": "عَقَدْتُ لَهُ مَجْلِسَ
التَّحْدِيثِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَدَخَلْتُ بَيْتَ كُتُبِ
جَدِّهِ، وَأَخْرَجْتُ لَهُ مِنْهَا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ سَمَاعَاتِهِ
الصَّحِيحَةِ، وَانْتَقَيْتُ لَهُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، وَقُلْتُ لَهُ: دَعِ الأُصُولَ
عِنْدِي صِيَانَةً لَهَا، فَأَبَى وَأَخَذَهَا وَفَرَّقَهَا عَلَى النَّاسِ فَذَهَبَتْ"[2].
قُلتُ: وَالإِمَامُ الحَاكِمُ لَهُ
فَضْلٌ كَبِيرٌ فِي حِفْظِ تُرَاثِ الأُمَّةِ فِي هَذِهِ الحِقْبَةِ الزَّمَانِيَّةِ،
وَيَكْفِيهِ كَمُّ الأَحَادِيثِ الهَائِلِ الَّتِي أَخْرَجَهَا فِي «المُسْتَدْرَكِ»،
وَهَذِهِ العُلُومِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ كَالدَّارَقُطْنِيِّ
وَغَيْرِهِ، وَهَذِهِ التَّأْصِيلَاتِ الحَدِيثِيَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا فِي كِتَابِهِ
"مَعْرِفَةُ عُلُومِ الحَدِيثِ".
ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ تِلْمِيذُهُ
النَّجِيبُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ- لِيَحْمِلَ تِلْكَ الرَّايَةَ،
فَجَزَاهُمَا اللَّهُ خَيْرًا.
وَ"صَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ"
يُعْرَفُ بِاسْمِ "مُخْتَصَرِ المُخْتَصَرِ"، فَهَذَا هُوَ الاسْمُ الَّذِي
سَمَّى بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ كِتَابَهُ الصَّحِيحَ، وَهُوَ الاسم الذي عُرِفَ بِهِ
عِنْدَ العُلَمَاءِ.
قَالَ الخَلِيلِيُّ فِي "الإِرْشَادِ"، فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ:
"وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِنَيْسَابُورَ سِبْطُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ،
رَوَى عَنْهُ مُخْتَصَرَ المُخْتَصَرِ"[3].
والبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ
الكُبْرَى" بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثًا، قَالَ: "رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ
خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ المُخْتَصَرِ"[4].
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ بَعْدَ تَرْجَمَتِهِ
فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ": "وَقَدْ سَمِعْنَا مُخْتَصَرَ
المُخْتَصَرِ لَهُ عَالِيًا"[5].
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الكِتَابِ بِـ
"صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"، فَقَدْ جَاءَتْ مُتَأَخِّرَةً، نَجِدُهَا فِي
كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَالسُّيُوطِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
فَـ"صَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ"،
كَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ، اشْتَهَرَ بِغَيْرِ الاسْمِ الَّذِي وَضَعَهُ مُؤَلِّفُهُ،
كَمَا مَرَّ مَعَنَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَلَمْ يُسَمِّ البُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ
كِتَابَيْهِمَا بِهَذَا الاسْمِ.
مِن مَزالِقُ عِلْمِ التَّخْرِيجِ
الْمُعَاصِرَةِ:
هَذَا، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الحَدِيثِ عَنْ هَذَا
المُؤَلَّفِ العَظِيمِ، لَا بُدَّ مِنْ تَوْطِئَةٍ مُهِمَّةٍ تَنْفَعُ فِي هَذَا المَقَامِ
وَمَا سَيَأْتِي – بِإِذْنِ اللَّهِ- مِنْ مَبَاحِثَ، وهي:
إِنَّ وَاقِعَ عِلْمِ الحَدِيثِ اليَوْمَ،
بَلْ مِنْ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَنْشَأُ الطَّالِبُ عَلَى دِرَاسَةِ كُتُبٍ أَلَّفَهَا
شَيْخُهُ أَوْ أَحَدُ المُعَاصِرِينَ، وَأَحْسَنُهُمْ حَالًا مَنْ يَرْتَفِعُ إِلَى
طَبَقَةِ ابْنِ حَجَرٍ وَالسَّخَاوِيِّ.
وَعَامَّةُ هَذِهِ المُؤَلَّفَاتِ
لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيرٌ لِلمَسَائِلِ عَلَى طَرِيقَةِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ الأَوَائِلِ،
وَإِنَّمَا هِيَ كُتُبٌ مُخْتَصَرَةٌ عَنْ مُطَوَّلَاتٍ، أَوْ حَوَاشٍ وَنُكَتٍ وُضِعَتْ
عَلَى مُؤَلَّفَاتٍ مَشْهُورَةٍ كَمُقَدِّمَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ.
فَمُقَدِّمَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ
نَجِدُ مَنِ اخْتَصَرَهَا، وَمَنْ قَرَّبَ مَسَائِلَهَا، وَمَنْ نَكَتَ عَلَيْهَا،
وَمَنْ شَرَحَهَا، وَأَيْضًا نَجِدُ مَنْ فَعَلَ هَذَا مَعَ الكُتُبِ الَّتِي وُضِعَتْ
عَلَى المُقَدِّمَةِ، كَمَا فُعَلَ بِكتَابِ ابْنِ دَقِيقِ العِيدِ وَكِتَابِ النَّوَوِيِّ
- رَحِمَهُمَا اللَّهُ-.
وَنَتَجَ عَنْ هَذَا: أَنَّ الخَطَأَ
أَوِ الوَهْمَ المَوْجُودُ فِي هَذِهِ المُؤَلَّفَاتِ، يَجِدُهُ طَالِبُ العِلْمِ
مُتَكَرِّرًا فِي هَذِهِ الكُتُبِ؛ حَتَّى الأَمْثِلَةُ المَضْرُوبَةُ يَجِدُهَا مُتَكَرِّرَةً
فِي هَذِهِ المُؤَلَّفَاتِ، حَتَّى أَصْبَحْنَا نَرَى كَثِيرًا مِنْ رَسَائِلِ الدُّكْتُورَاهِ
وَالمَاجِسْتِيرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الطَّرْحِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وَلَا يَجِدُ طَالِبُ الحَدِيثِ خِلَافًا
لِهَذَا الطَّرْحِ إِلَّا عِنْدَ الارْتِقَاءِ لِكُتُبِ الحَاكِمِ أَوِ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ.
فَإِذَا حَاوَلَ تَنْزِيلَ مَا فِي
هَذِهِ المُؤَلَّفَاتِ المُتَأَخِّرَةِ عَلَى كُتُبِ العُلَمَاءِ المُسْنَدَةِ، يَجِدُ
هَذَا البَوْنَ الكَبِيرَ بَيْنَ التَّطْبِيقِ العَمَلِيِّ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ
الأَوَائِلِ لِهَذَا العِلْمِ، وَهَذَا التَّنْظِيرِ المَوْجُودِ فِي الكُتُبِ المَذْكُورَةِ.
فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ وُقُوعَ هَذَا
الطَّالِبِ فِي حَيْرَةٍ تَجْعَلُهُ أَحْيَانًا يَتَجَرَّأُ عَلَى هَذِهِ الكُتُبِ
المُسْنَدَةِ وَمُؤَلِّفِيهَا، بِسَبَبِ ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا الوَهْمَ وَالخَطَأَ المُتَوَاتِرَ
فِي الكُتُبِ المُتَأَخِّرَةِ هُوَ الصَّوَابُ.
ثُمَّ تَبْدَأُ رِحْلَةُ العَبَثِ
بِهَذَا التُّرَاثِ المُسْنَدِ بِزَعْمِ أَنَّ فُلَانًا مُتَسَاهِلٌ كَمَا فِي هَذِهِ
الكِتَابَاتِ، وَفُلَانًا رَخُو النَّفْسِ فِي التَّصْحِيحِ، وَفُلَانًا لَا يُعَوَّلُ
عَلَى تَصْحِيحِهِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ فِي كِتَابِهِ الأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ مَعَ
اشْتِرَاطِهِ الصِّحَّةَ؛ أو نَجِدُ العَكْسَ: فُلَانٌ مُتَشَدِّدٌ فِي الجَرْحِ، أَوْ
مُتَعَنِّدٌ فِي التَّوْثِيقِ، إِلَى آخِرِ هَذَا الكَلَامِ المَشْهُورِ.
وَمِنْ هَذَا العَبَثِ تَنْزِيلُ
أَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ عَلَى كُتُبِ العُلَمَاءِ انْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الأَحْكَامِ
المَسْبَقَةِ المَنْسُوبَةِ إِلَى هَؤُلَاءِ المُؤَلِّفِينَ، أَوِ التَّعَامُلُ مَعَ
أَحْكَامِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ هَذَا المَنْطَلَقِ:
((فُلَانٌ مُتَسَاهِلٌ وَفُلَانٌ مُتَشَدِّدٌ))، هَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِصِحَّةِ
هَذَا القَوْلِ، أَوْ تَفْتِيشٍ عَنْ سَلَفٍ لِهَذَا القَائِلِ عِنْدَ مَنْ عَاصَرَ
هَذَا العَالِمَ وَعَرَفَهُ.
وَتَزْدَادُ الصُّورَةُ كَآبَةً عِنْدَ
مُحَاكَمَةِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ بِمُصْطَلَحَاتٍ ظَهَرَتْ بَعْدَهُمْ،
أَوِ التَّخَرُّصِ بِنِسْبَةِ شُرُوطٍ لَهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا فِي كُتُبِهِمْ.
وَأَعْظَمُ خَلَلٍ عِنْدِي فِي هَذَا المَقَامِ،
تَصَوُّرُ هَؤُلَاءِ الطُّلَّابِ أَنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ المُعَاصِرِينَ أَوْ فِي
العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ أَنَّهُمْ أَمْكَنُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ الأَوَائِلِ
خَلَا الشَّيْخَيْنِ.
فَنَجِدُهُمْ يُقَدِّمُونَ حُكْمَهُمْ عَلَى حُكْمِ التِّرْمِذِيِّ أَوِ ابْنِ
حِبَّانَ أَوِ الحَاكِمِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ.
أَوْ تَصَوُّرُ عَجْزِ العُلَمَاءِ
بَعْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ تَخْرِيجِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ، فَيَنْظُرُ
بِرِيبَةٍ لِمَنْ أَلَّفَ فِي هَذَا البَابِ، أَوْ حَكَمَ عَلَى أَحَادِيثِ كِتَابِهِ
بِالصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ.
فَنَجِدُهُمْ لَا يَتَأَمَّلُونَ
صَنِيعَ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ أَوْ أَحْكَامَهُمْ، وَإِنَّمَا المُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ
قَوْلُ المُحَقِّقِ المُعَاصِرِ، وَأَنَّهُ أَصْوَبُ عِنْدَهُمْ بِلَا رِيبَةٍ، لِأَنَّهُ
يَمْلَأُ صَفَحَاتٍ فِي تَحْقِيقِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ، بِخِلَافِ العَالِمِ الأَوَّلِ
الَّذِي لَمْ يَزِدْ عَلَى عِدَّةِ كَلِمَاتٍ!
وَالأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ،
هَذِهِ الفَوْضَى العِلْمِيَّةُ المَوْجُودَةُ حَالِيًّا فِي بَعْضِ كُتُبِ السُّنَّةِ،
وَالَّتِي بَثَّهَا بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى التَّحْقِيقِ،
فَيَكُونُ العَالِمُ المُتَقَدِّمُ أَخْرَجَ الحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَ
عِلَّتَهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ مَثلًا، فَيَأْتِي المُحَقِّقُ المُعَاصِرُ
فَيَقُولُ: بَلْ هُوَ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ!.
فَضْلًا عَنْ ما نَجِدُهُ مِنْ تَخْطِئَةِ
الأَوَائِلِ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عِلْمُ المُصْطَلَحِ، فَنَجِدُ مَنْ يُنَازِعُ
البُخَارِيَّ فِي صَحِيحِهِ، فَيَقُولُ البُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، فَيَأْتِي
مَنْ يَخْتَصِرُ الكِتَابَ مِنَ المُعَاصِرِينَ فَيقَولَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ، وَهَكَذَا.
وَلَا أَعْنِي فِي كَلَامِي هَذَا
شَخْصًا بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ عَنْ وَاقِعِ عَالَمِ التَّحْقِيقِ اليَوْمَ.
فَالبَعْضُ يَقْتَحِمُ هَذَا البَابَ
طَلَبًا لِلْعَمَلِ وَكَسْبِ لَقْمَةِ العَيْشِ، وَيَحْسَبُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ إِدْرَاكِ
بَعْضِ القَوَاعِدِ وَالأُصُولِ يَقْدِرُ عَلَى الغَوْصِ فِي هَذَا البَحْرِ الزَّاخِرِ.
وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مِنَ
الوَجَاهَةِ أَنْ يُوضَعَ اسْمُهُ عَلَى كِتَابٍ وَأَنَّهُ حَقَّقَهُ، وَهَذَا
وذاك لَا بَأْسَ بِهِ - إن شاء الله- إِنْ كَانَ أَهْلًا لِهَذَا.
وَأَمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الطَّامَّاتِ
وَالأَخْطَاءِ المَنْهَجِيَّةِ المَوْجُودَةِ فِي السَّاحَةِ اليَوْمَ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ
بِفِعْلِهِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَفْهَمَ هَذَا العِلْمَ
عَلَى أُصُولِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ دِرَاسَتِهِ عَلَى فَهْمِ الأَوَائِلِ، فَهُمُ الأَئِمَّةُ
المَتْبَعُونَ.
وَالكَلَامُ هُنَا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَضِيَّةِ مَنْهَجِ المُتَقَدِّمِينَ
وَمَنْهَجِ المُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا الكَلَامُ هُنَا عَنْ أُصُولٍ مَرْعِيَّةٍ
لَا بُدَّ لِطَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَتَصَوَّرَهَا وَيَفْهَمَهَا جَيِّدًا حَتَّى
لَا تَزِلَّ قَدَمُهُ.
فَكَمَا أَنَّ العَقِيدَةَ الصَّافِيَةَ تُتَعَلَّمُ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ
ظُهُورِ الخِلَافِ وَالفُرْقَةِ وَآرَاءِ المُتَكَلِّمِينَ، كَذَا عِلْمُ الحَدِيثِ
يُتَعَلَّمُ مِنْ عُلَمَائِهِ المُتَقَدِّمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ الاخْتِلَافِ وَدُخُولِ
آرَاءِ المُتَكَلِّمِينَ وَالأُصُولِيِّينَ فِي مَبَاحِثِ عِلْمِ المُصْطَلَحِ.
وَخُلَاصَةُ مَا أُرِيدُ قَوْلَهُ
فِي هَذَا المَقَامِ:
إِنَّ طَالِبَ العِلْمِ إِذَا أَرَادَ
إِصَابَةَ الحَقِّ، سَوَاءٌ فِي العَقِيدَةِ أَوِ الحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ
أَبْوَابِ العِلْمِ، فَعَلَيْهِ بِالنَّبْعِ الأَوَّلِ، عَلَيْهِ بِعِلْمِ الأَوَائِلِ.
فَإِنْ بَحَثَ مَسْأَلَةً فَيَبْدَأُ مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَسْفَلِ، يَنْظُرُ
هَلْ وُجِدَ فِيهَا كَلَامٌ لِلزُّهْرِيِّ أَو ممن سَبقه، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَيَنْظُرُ
فِي قَوْلِ شُعْبَةَ، ثُمَّ أَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ، ثُمَّ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ،
ثُمَّ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، ثُمَّ الحَاكِمِ وَالبَيْهَقِيِّ، وَهَكَذَا
حَتَّى يَصِلَ إِلَى المُعَاصِرِينَ.
هُنَا يَكُونُ بَحْثُهُ أَقْرَبَ
إِلَى الصَّوَابِ وَأَبْعَدَ عَنِ الخِلَافِ.
وَأَمَّا أَنْ يَعْكسَ الصُّورَة ويَبْدَأَ البَحْثَ مِنْ ابْنِ حَجَرٍ،
وبَعْضُهُمْ يَبْدَأُ مِنَ الشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ-، فكُلُّ ذَلِكَ
مِنَ الخَلَلِ المَنْهَجِيِّ الَّذِي يُفْسِدُ عَلَى المُحَقِّقِ بَحْثَهُ.
وَبِسَبَبِ
هَذَا الخَلَلِ فِي البَحْثِ هَدَمَ بَعْضُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ تُرَاثَهُمُ
الَّذِي بَنَوْهُ فِي سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، لَمَّا ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا التُّرَاثَ
بُنِيَ عَلَى خِلَافِ طَرِيقَةِ الأَوَائِلِ، وَأَنَّ هَذِهِ الأَحْكَامَ الَّتِي حَكَمُوا
بِهَا عَلَى الأَحَادِيثِ هِيَ خِلَافُ طَرِيقَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ
وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَكَابِرِ.
وَلِهَذَا عِنْدَمَا بَدَأْنَا فِي
عِلْمِ المُصْطَلَحِ، نَزَّلْنَا هَذِهِ المَسَائِلَ المَذْكُورَةَ فِي "المُوقِظَةِ"
عَلَى أَمْثِلَةٍ حَيَّةٍ مِنْ كُتُبِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءِ لِلنَّظَرِ هَلْ هِيَ
تَتَوَافَقُ مَعَ فَهْمِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ أَمْ لَا؟
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ
هُوَ المُقَدَّمُ وَالمُعْتَمَدُ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِي كُتُبِ المُصْطَلَحِ أَنْها
وُضِعَتْ لِتَقْرِيبِ عِلْمِ هَؤُلَاءِ الفُحُولِ رَحِمَهُمُ اللهُ.
فَإِنْ لَمْ تُوجَدِ المَسْأَلَةُ
فِي كُتُبِهِمْ أَوْ لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِيهَا، نَزَلْنَا دَرَجَةً إِلَى كُتُبِ الحَاكِمِ،
ثُمَّ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ، ثُمَّ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَهَكَذَا.
فَهَذَا هُوَ المَنْهَجُ بِاخْتِصَارٍ،
مَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ أَصَابَ الحَقَّ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَبْدَأُ الآنَ فِي تَنَاوُلِ "صَحِيحِ الإِمَامِ
ابْنِ خُزَيْمَةَ" - رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي ضَوْءِ مَا ذَكَرْنَا.
فَهَذَا العَالِمُ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ
فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا اثْنَانِ مِنْ شُيُوخِهِ وَأَقْرَانِهِ،
رَوَوْا عَنْهُ وَرَوَى عَنْهُمَا.
فَالبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ اشْتَرَطَا
الصِّحَّةَ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَلَكِنَّهُمَا بَيَّنَا أَنَّهُمَا لَمْ يَجْمَعَا
جَمِيعَ الصَّحِيحِ.
فَالبُخَارِيُّ قَالَ: "لَمْ أُخْرِجْ فِي هَذَا
الكِتَابِ إِلَّا صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرَ"[6].
وَفِي أَجْزَائِهِ الحَدِيثِيَّةِ
كَ "القِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ" وَ "جُزْءِ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي
الصَّلَاةِ" صَحَّحَ أَحَادِيثَ لَمْ يُخْرِجْهَا فِي صَحِيحِهِ.
وَنَزَلَ دَرَجَةً بِرِجَالِ أَسَانِيدِهِ فِي
"الأَدَبِ المُفْرَدِ" لِطَبِيعَةِ أَحَادِيثِ هَذَا البَابِ وَأَنَّهُ لَا
يَشْتَرِطُ لها قُوَّةَ رُوَاةِ أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ.
كما يوجد فِي "جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ"
وَ"العِلَلِ الكَبِيرِ" لَهُ، أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سُئِلَ عَنْهَا البُخَارِيُّ
وَصَحَّحَهَا.
وَكَذَا الإِمَامُ مُسْلِمٌ، لَمَّا سُئِلَ
عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا"، قَالَ:
"هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ." فَقِيلَ لَهُ: "لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا؟"
يَعْنِي: فِي كِتَابِك الصَّحِيحَ.
قَالَ: "لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي
صَحِيحٌ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا، إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ"[7].
فَهُنَاكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ
خَارِجَ الصَّحِيحَيْنِ، حَكَمَ بِصِحَّةِ بَعْضِهَا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا
مِمَّنْ هُمْ أَرْفَعُ مِنْهُمْ فِي المَنْزِلَةِ وَالعِلْمِ كَالإِمَامِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ
وَغَيْرِهِمَا.
فهَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُتَصَوَّرَ
وَيُفْهَمَ جَيِّدًا قَبْلَ البَحْثِ فِي هَذِهِ الكُتُبِ الَّتِي اشْتَرَطَ مُؤَلِّفُوهَا
الصِّحَّةَ.
كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفْهَمَ
أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ كُتُبًا لَا يَصِحُّ أَنْ تُحَقَّقَ وَيُحْكَمَ عَلَى أَحَادِيثِهَا
بِدُونِ اصْطِحَابِ كَلَامِ المُؤَلِّفِ فِي تَعْلِيقَاتِهِ، خَاصَّةً إِنْ كَانَ لِلمُؤَلِّفِ
كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي التَّعْلِيقَاتِ كَمَا فِي "جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ"
وَ "مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ"، وَكَذَا "صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ"
وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِثْلَهُمَا فِي الكَثْرَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الكُتُبِ أيضًا
"صَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ".
فَمَنْ حَقَّقَ كتابًا من هذه بَعِيدًا
عَنْ تَعْلِيقَاتِ المُؤَلِّفِ فَقَدْ أَسَاءَ جِدًّا وَأَفْحَشَ فِي الخَطَأِ، لِأَنَّنَا
نَجِدُ المُؤَلِّفَ يُعِلُّ الحَدِيثَ وَيُبَيِّنُ عِلَّتَهُ بِوُضُوحٍ فِي تَعْلِيقَاتِهِ،
وَأَحْيَانًا يَنْقُلُ كَلَامَ أَئِمَّةِ العِلَلِ كَأَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ وَأَبِي
حَاتِمٍ.
ثُمَّ نَجِدُ المُحَقِّقَ يُهْمِلُ هَذَا كُلَّهُ وَيَنْظُرُ إِلَى الإِسْنَادِ
وَحَالِ رِجَالِهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُ أَوْ يُحَسِّنُ الحَدِيثَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى
العِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُؤَلِّفُ.
وَالأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا نَجِدُهُ
مِنْ بَعْضِهِمْ فِي رَدِّ قَوْلِ شُعْبَةَ أَوِ ابْنِ مَعِينٍ الَّذِي يَذْكُرُهُ
المُؤَلِّفُ فِي إِعْلَالِ الحَدِيثِ، وَهَذَا المُحَدِّثُ ذَكَرَ قَوْلَ هَؤُلَاءِ
الأَئِمَّةِ لِيَكُونَ لَهُ سَلَفٌ فِي قَوْلِهِ، وَيَتَقَوَّى حُكْمُهُ بِذِكْرِهِمْ.
فَيَأْتِي المُعَاصِرُ لِيَرُدَّ
قَوْلَهُمْ بِتِلْكَ النُّصُوصِ وَالتَّأْصِيلَاتِ المَوْجُودَةِ فِي المُؤَلَّفَاتِ
الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ الكَلَامِ.
أَرَدْتُ بِهَذِهِ التَّوْطِئَةِ لَفْتَ النَّظَرِ
إِلَى بَعْضِ مَزَالِقِ التَّحْقِيقِ، وَتَوْضِيحِ حَقِيقَةِ المَنْهَجِ الَّذِي يَنْبَغِي
لِطَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَتَبَنَّاهُ وَيَسِيرَ عَلَى خُطَاهُ.
وَأَيْضًا:
الاعْتِذَارُ لِمَنْ سَنَذْكُرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ وَالمُعَاصِرِينَ
الَّذِينَ رُبَّمَا يَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي مَعْرِضِ الكَلَامِ، وَأَنَّ غَايَتَنَا
فِي هَذَا المَقَامِ تَصْوِيبُ الخَطَأِ بَعِيدًا عَنْ شَخْصِ المُخْطِئِ، وَاللَّهُ
مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ.
شَرْطُ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ:
وَنَشْرَعُ الآنَ فِي النَّظَرِ فِي
"صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" - رَحِمَهُ اللَّهُ-.
فَهَذَا الإِمَامُ أَبَانَ عَنْ شَرْطِهِ
فِي هَذَا الكِتَابِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ؛ إِذَا
جَمَعْنَاهَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَقِفَ بِوُضُوحٍ عَلَى شَرْطِهِ وَمَنْهَجِهِ فِي
كُتُبِهِ، فَشَرْطُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ مُؤَلَّفَاتِهِ وَلَيْسَ
فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ فَقَطْ.
فَنَجِدُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ- يَفْتَتِحُ
كِتَابَ الوُضُوءِ مِنْ صَحِيحِهِ بِقَوْلِهِ:
"مُخْتَصَرُ المُخْتَصَرِ مِنَ
المُسْنَدِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِنَقْلِ
العَدْلِ عَنِ العَدْلِ مَوْصُولًا إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ وَلَا جَرْحٍ فِي نَاقِلِي الأَخْبَارِ"[8].
ثُمَّ قَالَ: "بَابُ ذِكْرِ
الخَبَرِ الثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّ
إِتْمَامَ الوُضُوءِ مِنَ الإِسْلَامِ".
فَذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ كِتَابَهُ
مُسْنَدٌ، أَيْ لَا يُخْرِجُ الأَحَادِيثَ المَوْقُوفَةَ وَلَا المَقْطُوعَةَ كَحَالِ
المُصَنَّفَاتِ؛ وَإِنَّمَا يَعْتَنِي بِالحَدِيثِ المُسْنَدِ المَرْفُوعِ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الحَدِيثُ صَحِيحًا،
مُتَوَافِرًا فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ، فَيَنْقُلُهُ العَدْلُ عَنِ العَدْلِ حَتَّى
يَصِلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِنْ غَيْرِ
قَطْعٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ وَلَا جَرْحٍ فِي نَاقِلِي الأَخْبَارِ.
وَأَكَّدَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ الصِّحَّةَ
بِقَوْلِهِ فِي تَبْوِيبِهِ: "بَابُ "الخَبَرِ الثَّابِتِ"؛ فَالثَّابِتُ:
هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَالَّذِي ذَهَبَ
جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءُ إِلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّحِيحِ:
"خَرَّجْتُ هَذَا الحَدِيثَ
بِتَمَامِهِ، عِنْدَ ذِكْرِ نُزُولِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ، بِلَا
كَيْفِيَّةِ نُزُولٍ نَذْكُرُهُ، لِأَنَّنَا لَا نَصِفُ مَعْبُودَنَا إِلَّا بِمَا
وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، إِمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بِنَقْلِ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ مَوْصُولًا
إِلَيْهِ، لَا نَحْتَجُّ بِالمَرَاسِيلِ، وَلَا بِالأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ، وَلَا نَحْتَجُّ
أَيْضًا فِي صِفَاتِ مَعْبُودِنَا بِالآرَاءِ وَالمَقَايِيسِ"[9].
وَقَالَ: "لَمْ أُخْرِجْ فِي
هَذَا الكِتَابِ مِنَ الْمُقَطَّعَاتِ؛ ...[و] لَسْتُ أَحْتَجُّ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ
خَالِقِي عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بِمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الكِتَابِ أَوْ مَنْقُولٌ
عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ
الثَّابِتَةِ"[10].
وَقَالَ: "لَيْسَ هَذَا الخَبَرُ
مِنْ شَرْطِنَا؛ ... لِأَنَّ جَابَانَ مَجْهُولٌ"[11].
يَقْصِدُ رَاوِيَ الحَدِيثِ.
وَقَالَ: "وَقَدْ رَوَى الوَلِيدُ
بْنُ مُسْلِمٍ خَبَرًا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ مِمَّنْ لَا يَفْهَمُ
عِلْمَ الأَخْبَارِ أَنَّهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ
هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَأَنَا مُبَيِّنٌ عِلَلَهُ إِنْ وَفَّقَ
اللَّهُ لِذَلِكَ، حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بَعْضُ طُلَّابِ الحَدِيثِ بِهِ، فَيَلْتَبِسَ
الصَّحِيحُ بِغَيْرِ الثَّابِتِ مِنَ الأَخْبَارِ.
وَقَدْ أَعْلَمْتُ مَا لَا أُحْصِي مِنْ مَرَّةٍ أَنِّي لَا أَسْتَحِلُّ أَنْ
أُمَوِّهَ عَلَى طُلَّابِ العِلْمِ بِالاحْتِجَاجِ بِالخَبَرِ الوَاهِي، وَإِنِّي خَائِفٌ
مِنْ خَالِقِي، جَلَّ وَعَلَا، إِذَا مَوَّهْتُ عَلَى طُلَّابِ العِلْمِ بِالاحْتِجَاجِ
بِالأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ"[12].
قُلتُ: وَالنُّصُوصُ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِهِ،
كُلُّهَا تُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَدَيَّنُ إِلَّا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ، سَوَاءٌ
فِي الفِقْهِ أَوِ العَقِيدَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الإِمَامُ ابْنُ
خُزَيْمَةَ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ إِلَّا رِوَايَةَ العَدْلِ وَالاتِّصَالَ،
فَرُبَّمَا يَتَوَهَّمُ البَعْضُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ انْتِفَاءَ الشُّذُوذِ وَالعِلَّةِ
عَنِ الحَدِيثِ[13].
وَالحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ
هَذَا لِأَنَّهُ مِنْ بَدِيهِيَّاتِ عِلْمِ الحَدِيثِ.
وَإِعْلَالُ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِلأَحَادِيثِ
بِالشُّذُوذِ وَأَنْوَاعِ العِلَلِ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ فِي كُتُبِهِ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا
قَرِيبًا بِإِذْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَهَمِّ سِمَاتِ صَحِيحِ هَذَا الإِمَامِ.
فَلَيْسَ صَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَصَحِيحِ
الشَّيْخَيْنِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، كُلَّ مَا فِيهِ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ
الإِمَامُ أَحَادِيثَ وَنَبَّهَ عَلَى عِلَّتِهَا، وَأَخْرَجَ أُخْرَى وَتَرَاجَعَ
عَنْهَا، فَبَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهَا وَأَمْلَاهَا لِطُلَّابِهِ، ظَهَرَتْ لَهُ عِلَّتُهَا،
فَتَرَاجَعَ عَنْهَا وَذَكَرَ تِلْكَ العِلَّةَ.
فَكِتَابُهُ الأَصْلُ فِي أَحَادِيثِهِ
الصِّحَّةُ، وَإِنْ أَخْرَجَ حَدِيثًا فِيهِ انْقِطَاعٌ أَوْ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ،
بَيَّنَهَا وَنَبَّهَ عَلَيْهَا.
غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ المَسْكُوتِ عَلَيْهِ فِي صَحِيحِهِ يَكُونُ صَحِيحًا
بِإِطْلَاقٍ.
صُوَرُ إِعْلَالِ الْأَحَادِيثِ فِي
صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ:
فَابْنُ خُزَيْمَةَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِعْلَانًا
لِلْعِلَّةِ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ. إِذَا رَأَى فِي الْحَدِيثِ
عِلَّةً خَفِيَّةً أَوِ انْقِطَاعًا أَوْ تَدْلِيسًا أَوِ اضْطِّرَابًا أَوْ خَطَأً
فِي رَاوٍ، صَرَّحَ بِهَا غَالِبًا فِي عُنْوَانِ الْبَابِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ التَّخْرِيجِ
وللإِمَامُ لَهُ طُرُقٌ فِي إِعْلَالِ
الأَحَادِيثِ رُبَّمَا تَخْفَى عَلَى البَعْضِ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا:
أولًا: أَنْ يُنَبَّهَ عَلَى الشُّذُوذِ فِي الْأَحَادِيثِ بِإِشَارَةٍ
لَطِيفَةٍ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى شُذُوذِ لَفْظَةِ «زَائِدَةَ بْنِ
قُدَامَةَ» فِي حَدِيثِ تَحْرِيكِ
السَّبَّابَةِ فِي التَّشَهُّدِ التي
جَاءَتْ في رِوَايَةُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، بِأَنْ قَالَ: «لَيْسَ
فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ "يُحَرِّكُهَا" إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ،
زَائِدَةٌ ذِكْرُهُ»[14].
وَقد قَالَ هَذَا بَعْدَ أَنْ جَمَعَ
أَحَادِيثَ الْبَابِ، وَلَيْسَ حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَحْدَهُ، بَلْ أَحَادِيثَ
الْإِشَارَةِ فِي التَّشَهُّدِ الَّتِي رَوَاهَا "عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ
اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ" - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَالَّتِي لَيْسَ فِي شَيْءٍ
مِنْهَا تَحْرِيكُ السَّبَّابَةِ.
ثُمَّ أَخْرَجَ طَرِيقَ حَدِيثِ وَائِلِ
بْنِ حُجْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَالَّذِي مَدَارُهُ عَلَى «عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ
يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ».
وَقدْ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ أَحَدَ عَشَرَ
رَاوِيًا كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ عَدَا وَاحِدٍ، منهم: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ
بْنُ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَمُحَمَّدُ
بْنُ فُضَيْلٍ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ،
وَزُهَيْرٌ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ.
هَؤُلَاءِ الثِّقَاتُ جَمِيعًا رَوَوُا الْحَدِيثَ
بِلَفْظِ: « فَلَمَّا
جَلَسَ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ
الْيُسْرَى، ثُمَّ وَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى،
ثُمَّ عَقَدَ -يَعْنِي ثِنْتَيْنِ- ثُمَّ حَلَّقَ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِالسَّبَّاحَةِ
يَدْعُو»[15].
قُلْتُ: وَجَدَ فِي حَدِيثِهِمْ تَقْدِيمٌ
وَتَأْخِيرٌ، وَأَحْيَانًا اخْتِصَارٌ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
وَأَمَّا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ فَقَدْ شَارَكَ أَصْحَابَهُ فِي الْحَدِيثِ، غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: «ثُمَّ قَبَضَ ثِنْتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ
رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا».
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ
هَذَا الْحَدِيثَ: «لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ "يُحَرِّكُهَا"
إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ، زَائِدَةٌ ذِكْرُهُ».
قُلْتُ: فَمُخَالَفَةُ زَائِدَةَ
هُنَا لِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ مِنْهُ
عَدَدًا، هُوَ الشُّذُوذُ بِعَيْنِهِ، الَّذِي تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ
لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ أَشَارَ لِهَذَا الشُّذُوذِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِي شَيْءٍ
مِنَ الْأَخْبَارِ "يُحَرِّكُهَا" إِلَّا فِي هَذَا الْخَبَرِ؛ زَائِدَةٌ
ذِكْرُهُ».
فَاكْتَفَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي بَيَانِ
عِلَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ، لِأَنَّهُ ظَهَرَ بَعْدَ جَمْعِهِ لِطُرُقِ الْحَدِيثِ
وَمُقَارَنَتِهَا أَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ هِيَ مِنَ الشُّذُوذِ الْمُسْقِطِ لِلْحَدِيثِ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الشُّذُوذِ وَزِيَادَةِ
الثِّقَةِ:
وَأَمَّا مَنْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ بِزَعْمِ
أَنَّ هَذَا مِنْ «زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ» مَقْبُولٌ، وَأَنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ
الثِّقَةِ، فَقَدْ أَخْطَأَ.
لِأَنَّهُ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ تَفَرُّدِ
الثِّقَةِ وَزِيَادَةِ الثِّقَةِ وَمُخَالَفَةِ الثِّقَةِ.
فَتَفَرُّدُ الثِّقَةِ لَا خِلَافَ فِي قَبُولِ
حَدِيثِهِ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ، كأحَادِيثِ الْآحَادِ، وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا
الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ سَارَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ.
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: "وَأَخْبَارُ الْآحَادِ مَقْبُولَةٌ إِذَا نَقَلَهَا
الْعُدُولُ وَهِيَ تُوجِبُ الْعَمَلَ، وَأَخْبَارُ التَّوَاطُؤِ تُوجِبُ الْعِلْمَ
وَالْعَمَلَ"[16].
وَأَمَّا زِيَادَةُ الثِّقَةِ فَهِيَ
أَيْضًا مِمَّا يَقْبَلُهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: «لَسْنَا نَدْفَعُ
أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْأَخْبَارِ مَقْبُولَةً مِنَ الْحُفَّاظِ وَلَكِنْ
إِنَّمَا نَقُولُ: إِذَا تَكَافَأَتِ الرُّوَاةُ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَالْمَعْرِفَةِ
بِالْأَخْبَارِ فَزَادَ حَافِظٌ مُتْقِنٌ عَالِمٌ بِالْأَخْبَارِ كَلِمَةً قُبِلَتْ
زِيَادَتُهُ، لَا أَنَّ الْأَخْبَارَ إِذَا تَوَاتَرَتْ بِنَقْلِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ
وَالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ بِخَبَرٍ فَزَادَ رَاوٍ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فِي الْحِفْظِ
وَالْإِتْقَانِ زِيَادَةً أَنْ تَلْكَ الزِّيَادَةَ تَكُونُ مَقْبُولَةً»[17].
قُلْتُ: هَذَا التَّفْصِيلُ مِنْ الْإِمَامِ بِأَنَّ
هَذِهِ الزِّيَادَةَ تُقْبَلُ عِنْدَ تَكَافُؤِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ،
هو مَا لَا يُوجَدُ فِي حَالَةِ «زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ» رَحِمَهُ اللهُ، فَكُلُّ
هَذَا الْجَمْعِ مِنَ الرُّوَاةِ اشْتَرَكَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعَ "زَائِدَةَ"
عَلَى شَيْخِهِ «عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ»، وَجَمِيعُهُمْ اتَّفَقَ أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ؛
إِلَّا "زَائِدَةَ" قَالَ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ يُحَرِّكُهَا، فَهُوَ
بِهَذَا شَذَّ عَنْ أَصْحَابِهِ وَخَالَفَهُمْ.
وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ مِنْ هَذَا الثِّقَةِ،
هِيَ مَا يُعْرَفُ بِالشُّذُوذِ، وَالَّذِي مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ انْتِفَاؤُهُ
عَنْهُ.
وَهُنَاكَ أَمْثِلَةٌ أُخْرَى فِي كِتَابِ
ابْنِ خُزَيْمَةَ نَبَّهَ فِيهَا عَلَى الشُّذُوذِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَفْهَمُهَا
أَهْلُ الْحَدِيثِ[18]؛
وَسَبَبُ أَنِّي بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي طَرِيقَةِ إِظْهَارِهِ لِلْعِلَّةِ، أَنِّي
وَجَدْتُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ طَرِيقَتَهُ فِي إِعْلَالِهِ لِحَدِيثِ «خَلْقِ آدَمَ
عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»، فَقَدْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ بِالشُّذُوذِ عِنْدَمَا تَكَلَّمَ
عَنْ مُخَالَفَةِ الْأَوْزَاعِيِّ لِسُفْيَانَ، ثُمَّ خَرَّجَ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ،
السَّالِمَ مِنَ الْعِلَلِ.
فَتَكُونُ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ
اللهُ - فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الشُّذُوذِ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ يَجْمَعُ طُرُقَ
أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْمُخَالَفَةِ فِي طَرِيقٍ مِنْهَا،
فَيَكُونُ كَلَامُهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ هُنَا تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَى الشُّذُوذِ،
وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَرُبَّمَا صَرَّحَ بِشُذُوذِ الْمَتْنِ
وَيَصِفُهُ بِعَدَمِ الْحِفْظِ، كَقَوْلِهِ: «هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي خَبَرِ
ابْنِ عُيَيْنَةَ لَا أَحْسَبُهَا مَحْفُوظَةً -أَعْنِي قَوْلَهُ: وَكَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ أَضْجَعَ الْيُسْرَى،
وَنَصَبَ الْيُمْنَى»[19].
فَنَبَّهَ هُنَا عَلَى الشُّذُوذِ فِي الْمَتْنِ
بَعْدَ أَنْ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ أَوَّلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَائِرُ مَنْ رَوَى
هَذَا اللَّفْظَ؛ إِنَّمَا رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُمَا، فَرِوَايَتُهُ مَرْفُوعًا مُخَالَفَةٌ شَاذَّةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَحْيَانًا لَا يُسْنِدُ الْحَدِيثَ الَّذِي
فِي مَتْنِهِ مُخَالَفَةٌ، فَيُعَلِّقُهُ، وَيَتَكَلَّمُ عَنْ شُذُوذِ مَتْنِهِ، ثُمَّ
يُسْنِدُ بَعْدَهُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ.
كَقَوْلِهِ: قَدْ رَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
ثُمَّ ذَكَرَ الْمَتْنَ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ
الزِّيَادَةُ: إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ
أَخْبَرْتُهُ: أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي خَبَرِ
أَبِي قَتَادَةَ غَيْرَ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ»[20].
فَلَمَّا انْتَهَى أَسْنَدَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ،
وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
ثَانِيًا: يُعَلِّلُ ابْنُ خُزَيْمَةَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ بِوَصْفِهِ
بِالْغَرَابَةِ، أَمَّا أَنْ يَذْكُرَ غَرَابَةَ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ يَعْنِي بِهَا
النَّكَارَةَ، أَوْ يُكَرِّرَ لَفْظَ الْغَرَابَةِ مَرَّتَيْنِ، فَيَقُولُ: «حَدَّثَ
فُلَانٌ بِخَبَرٍ غَرِيبٍ غَرِيبٍ». فَيُكَرِّرُ لَفْظَ الْغَرَابَةِ مَرَّتَيْنِ.
وَقَدْ يُنَبِّهُ عَلَى الْعِلَّةِ بَعْدَ
أَنْ يُخَرِّجَ الْحَدِيثَ، وَالَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِوَصْفِهِ بِالْغَرَابَةِ[21]،
وَيَقُولُ فِيهِ فُلَانٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ فِيهِ كَذَا
وَكَذَا.
وَأَحْيَانًا يَسْكُتُ وَلَا يَتَكَلَّمُ
عَنْ عِلَّةِ الْحَدِيثِ لِظُهُورِهَا، فَيَكْتَفِي بِقَوْلِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ غَرِيبٌ،
كَمَا فِي قَوْلِهِ: «حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ
الْفَارِسِيُّ بِخَبَرٍ غَرِيبِ الْإِسْنَادِ قَالَ: حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ
الْمَوْصِلِيُّ»[22].
ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ،
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْ عِلَّةِ الْحَدِيثِ.
فَإِذَا نَظَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ غَسَّانٍ
هَذَا، وَجَدْنَا أَنَّهُ مِنْكَرُ الْحَدِيثِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَتَبْنَا
عَنْهُ ثُمَّ حَرَّقْتُ حَدِيثَهُ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ، وَقَالَ
ابْنُ حِبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بالْحَدِيثِ إِلَّا
أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ"[23].
قُلْتُ: فَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ خُزَيْمَةَ
جَرْحَ هَذَا الرَّاوِي وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ إِنَّ الْإِسْنَادَ غَرِيبٌ، لِظُهُورِ
حَالِ هَذَا الرَّاوِي عِنْدَ أَهْلِ الشَّأْنِ[24].
كَمَا أَنَّهُ يُعَلِّلُ بِالْغَرَابَةِ
مَا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ حَدِيثَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ؟» قَالُوا:
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، وَانْتِظَارُ
الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ»[25].
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ
بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي
عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، مَرْفُوعًا.
قُلْتُ: «هَذَا الْإِسْنَادُ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ،
فَرُوَاتُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ قَالَ: "هَذَا
الْخَبَرُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سُفْيَانَ غَيْرُ أَبِي عَاصِمٍ [الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ].
فَإِنْ كَانَ أَبُو عَاصِمٍ قَدْ حَفِظَهُ، فَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ"».
قُلْتُ: إِلَى هُنَا، فَالْإِسْنَادُ مُحْتَمَلٌ،
فَالضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وَحَدِيثُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
غَيْرَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ اسْتَأْنَفَ
فَقَالَ: «وَالْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْمَتْنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ لَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
بَكْرٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى وَأَحْمَدُ بْنُ
عَبْدَةَ، قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ[26]،
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ».
قُلْتُ: فَالْإِمَامُ هُنَا صَحَّحَ الطَّرِيقَ
الثَّانِيَ، وَأَعَلَّ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ عِنْدَمَا وَصَفَهُ بِالْغَرَابَةِ، مَعَ
أَنَّ ظَاهِرَهُ الصِّحَّةُ.
وَلِهَذَا يُقَدَّمُ كَلَامُهُ هُنَا فِي
هَذَا الْمَقَامِ، عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ، فَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِيهِ[27].
ثَالِثًا: كَمَا أَنَّهُ يُعِلُّ الْأَحَادِيثَ أَحْيَانًا بِتَقْدِيمِ
الْمَتْنِ عَلَى الْإِسْنَادِ، وَأيضًا رُبَّمَا ذَكَرَ الْعِلَّةَ وَرُبَّمَا سَكَتَ
عَلَيْهَا.
بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ عَنِ الْعِلَّةِ وَيَكْتَفِي بِتَقْدِيمِ الْمَتْنِ
عَلَى الْإِسْنَادِ.
نَقَلَ السُّيُوطِيُّ
عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَجَرٍ قَوْلَهُ: "تَقْدِيمُ الحَدِيثِ عَلَى السَّنَدِ يَقَعُ
لِابْنِ خُزَيْمَةَ إِذَا كَانَ فِي السَّنَدِ مَقَالٌ فَيَبْتَدِئُ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ
الفَرَاغِ يَذْكُرُ السَّنَدَ"[28].
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي "إِتْحَافِ
المَهَرَةِ": "وَقَاعِدَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِذَا عَلَّقَ الخَبَرَ لَا
يَكُونُ عَلَى شَرْطِهِ فِي الصِّحَّةِ، وَلَوْ أَسْنَدَهُ بَعْدَ أَنْ يُعَلِّقَهُ"[29]
وَقَالَ أَيْضًا: "هَذَا اصْطِلَاحُ
ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمُعَلَّلَةِ؛ يَقْطَعُ أَسَانِيدَهَا
وَيُعَلِّقُهَا ثُمَّ يُوصِلُهَا"[30].
قُلْتُ:
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ حَقٌّ وَظَاهِرٌ جِدًّا فِي صَحِيحِ الإِمَامِ.
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي يُعَلِّقُهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، أَوْ يُقَدِّمُ
المَتْنَ فِيهَا عَلَى الإِسْنَادِ، يَبْدَؤُهَا بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ رُوِيَ عَنْ
فُلَانٍ"، أَوْ: "قَدْ رَوَى فُلَانٌ"، وَيَذْكُرُ طَرَفًا مِنَ الإِسْنَادِ
مِنْ أَوَّلِ الرَّاوِي الأَعْلَى إِلَى آخِرِ السَّنَدِ، ثُمَّ يَذْكُرُ المَتْنَ،
فَإِذَا انْتَهَى مِنَ المَتْنِ يَقُولُ: "حَدَّثَنَاهُ فُلَانٌ" أَوْ
"أَخْبَرَنَا فُلَانٌ"، وَيَذْكُرُ إِسْنَادَهُ[31].
فَالَّذِي ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابْنُ
حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ صَحِيحٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ البُوصِيرِيُّ
مِنْ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ إِذَا تَرَدَّدَ فِي حَدِيثٍ فَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ،
فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَقَدْ قَالَ البُوصِيرِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ لِحَدِيثٍ فِي
التَّأْمِينِ: "رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ زَرْبِيٍّ
مَوْلَى آلِ المُهَلَّبِ وَتَرَدَّدَ فِي ثُبُوتِهِ، فَالْحَدِيثُ عِنْدَهُ صَحِيحٌ"[32]
قُلْتُ: وَزَرْبِيٌّ هَذَا، ذَكَرَ
البُوصِيرِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ لِنَفْسِ الحَدِيثِ أَنَّ البُخَارِيَّ قَالَ:
"فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ"[33].
قُلْتُ: فَعِنْدَمَا يُذْكَرُ هَذَا
فِي رَاوِي الحَدِيثِ، ثُمَّ يُقَالُ إِنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ،
فَهَذَا يُعْطِي صُورَةً عَنْ هَذَا الإِمَامِ أَنَّهُ يُصَحِّحُ أَحَادِيثَ شَدِيدَةَ
الضَّعْفِ.
وَالحَدِيثُ المَذْكُورُ، لَمْ يُصَحِّحْهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَإِنَّمَا بَوَّبَ لِلْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ ثَبَتَ
الخَبَرُ".
فَعَلَّقَ الحُكْمَ عَلَى ثُبُوتِ الحَدِيثِ.
رابعًا: وَهَذَا الحَرْفُ أَيْضًا مِمَّا يُعِلُّ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ
الأَحَادِيثَ: "إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ" فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ مَعَ الأَحَادِيثِ
الضَّعِيفَةِ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ أَحْيَانًا بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَهُ، يُبَيِّنُ ضَعْفَ
الحَدِيثِ عِنْدَهُ، يَعْنِي لَا يَذْكُرُهُ وَيَسْكُتُ، بَلْ بَعْدَ أَنْ يَقُولَ:
«إِنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ»، يَعُودُ وَيَقُولُ: لَمْ يَثْبُتْ.
كَقَوْلِهِ: "وَلَوْ ثَبَتَ الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ أَمَرَ بِالقُنُوتِ فِي الوِتْرِ، أَوْ
قَنَتَ فِي الوِتْرِ، لَمْ يَجُزْ عِنْدِي مُخَالَفَةُ خَبَرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَسْتُ أَعْلَمُهُ ثَابِتًا"[34].
فَعَلَّقَ الحُكْمَ عَلَى صِحَّةِ
الخَبَرِ فِي أَوَّلِ الكَلَامِ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي آخِرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
وَكقَوْلُهُ: "إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ
مُسْنَدًا، وَلَا إِخَالُ؛ وَإِنَّمَا خَرَّجْتُ هَذَا الخَبَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ
إِذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ القِبْلَةِ فِي صِحَّةِ مَتْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ
الخَبَرُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ"[35].
قُلْتُ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنَ الْإِمَامِ
تَرْفَعُ إِشْكَالًا كَبِيرًا عِنْدَ مَنْ يَتَسَاءَلُ لِمَاذَا يُخْرِجُ هَؤُلَاءِ
الْأَئِمَّةُ أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً فِي كُتُبِهِمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِضَعْفِهَا؟
فَابْنُ خُزَيْمَةَ هُنَا يَقُولُ أَنَّ
مَعنَّى الْحَدِيثِ ثَابِتًا عِنْدَ الْأُمَّةِ، يَعْنِي أَنَّهُ يُوَافِقُ الْقُرْآنَ
أَوْ قَامَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ جِهَةِ
الْإِسْنَادِ، فَيُخْرِجُ مِثْلَهُ
يَسْتَأْنِسُ بِهِ ، والله أعلم.
خامسًا: وَرُبَّمَا بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ إِعْلَالِهِ لِلْحَدِيثِ
بِهَذِهِ الكَلِمَةِ لِجَهَالَةِ رَاوٍ في الإسنَادِ، كَقَوْلِهِ: "بَابُ اخْتِيَارِ
صَلَاةِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا عَلَى صَلَاتِهَا فِي المَسْجِدِ، إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ،
فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ السَّائِبَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ"[36].
فَهُوَ هُنَا يُضَعِّفُ الحَدِيثَ
بِهَذِهِ الجَهَالَةِ الَّتِي فِي هَذَا الرَّاوِي.
وَهَذِهِ الكَلِمَةُ فِي التَّعْبِيرِ
عَنِ الجَهَالَةِ: "لَا أَعْرِفُ الرَّاوِيَ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ"،
سَيَكُونُ لَنَا مَعَهَا وَقْفَةٌ طَوِيلَةٌ عِنْدَ الكَلَامِ عَنْ ابْنِ حِبَّانَ
تِلْمِيذِ ابْنِ خُزَيْمَةَ النَّجِيبِ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهَا بِكَثْرَةٍ فِي كُتُبِهِ،
وَلَكِنَّهَا لَمْ تُفْهَمْ مِنْهُ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ فَنُسِبَ إِلَى التَّسَاهُلِ،
وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.
وَكَذَا ضَعَّفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ
حَدِيثَ: "سُؤَالِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. صَلَّى
العِيدَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَنْ شَاءَ
أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ"[37].
قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: "بَابُ
الرُّخْصَةِ لِبَعْضِ الرَّعِيَّةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجُمُعَةِ إِذَا اجْتَمَعَ
العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، إِنْ صَحَّ الخَبَرُ، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ
إِيَاسَ بْنَ أَبِي رَمْلَةَ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ".
قُلْتُ: فَعَلَّقَ الخَبَرَ عَلَى
جَهَالَةِ الرَّاوِي، وَإِيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي دَوَاوِينِ
السُّنَّةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْمُنْكَرُ، وَقَدْ تَفردَ به.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: «لا
يَثبُتُ هذا؛ فإنَّ إياسًا مَجهولٌ»[38].
ووافَقَهُ
ابنُ القَطّانِ الفاسِيُّ [39].
وَقَدْ
صَرَّحَ "عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ" بِأَنَّهُ مَجْهُولٌ[40]،
مَعَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِهِ فَقَالَ: " إسناده جيد"[41]
فَهَلْ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ
أَنَّ عَلِيَّ بْنَ المَدِينِيِّ يُحَسِّنُ أَحَادِيثَ المَجَاهِيلِ؟
وَالجَوَابُ: بالطَبعِ لا؛ وإنما هَؤُلَاءِ العُلَمَاءَ الأَوَائِلَ كَانَتْ
قِسْمَةُ الحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ثُنَائِيَّةً كَمَا بَيّنَا، فَالحَدِيثُ عندهُم إِمَّا
صَحِيحٌ وَإِمَّا ضَعِيفٌ، فَإِنْ لَمْ يَصِفِ العَالِمُ الحَدِيثَ بِالصِّحَّةِ، فَهُوَ
عِنْدَهُ ضَعِيفٌ فِي الْغَالِبِ.
وَكَذَا يَفْعَلُ التِّرْمِذِيُّ
فِي جَامِعِهِ، يُضَعِّفُ الرَّاوِيَ، أَوْ يُعِلُّ الحَدِيثَ، ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ
بِالحُسْنِ.
فَالْحَسَنُ عِنْدَهُ مِنْ مَرَاتِبِ الضَّعِيفِ،
إِنْ لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ وَصْفٌ آخَرُ، فَمَعْنَاهُ يَتَغَيَّرُ، كَمَا فَصَّلْنَا
فِي ذَلِكَ بِاسْتِفَاضَةٍ فِي شَرْحِ الْمُوقِظَةِ.
وَأما مَنْ صَحَّحَ أَحَادِيثَ جَوَازِ
التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ العِيدِ، فَقَدْ أَخْطَأَ.
فَقَدْ ضَعَّفَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ جَمَاعَةٌ
مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ
الرَّازِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَالِكِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّانِ الْفَاسِيُّ - رَحِمَهُمُ
اللهُ جَمِيعًا-[42].
مَنْزِلَةُ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي عِلْمِ
الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:
فَالشَّاهِدُ هُنَا: أنَّ قَوْلُ ابْنِ
خُزَيْمَةَ عَنِ الرَّاوِي "لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ" هُوَ
حُكْمٌ مِنْهُ بِجَهَالَةِ الرَّاوِي.
فهو إِمَامٌ فِي هَذَا البَابِ، كَلَامُهُ
فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَعتمدهُ ويَنْقُلُهُ
العُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ.
ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ الإمامَ ابن خزيمة فِي
الطَّبَقَةِ السَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِهِ "ذِكْرُ مَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ فِي
الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ".[43]
وَقَالَ فِي "سِيرِ أَعْلَامِ
النُّبَلَاءِ": "وَقَدْ كَانَ هَذَا الإِمَامُ جَهْبَذًا، بَصِيرًا بِالرِّجَالِ"[44].
قُلْتُ: وكَلَامُ ابْنِ خُزَيْمَةَ
فِي تَوْثِيقِ الرُّوَاةِ وَجَرْحِهِمْ كَثِيرٌ، وَهُوَ مِمَّنْ يُفَسِّرُ الجَرْحَ
أَحْيَانًا، أَوْ يُبَيِّنُ حَالَ حَدِيثِ الرَّاوِي، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
فِي "تَهْذِيبِ الكَمَالِ" لِلْمِزِّي: "سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ
بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ وَجَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ،
فَقَالَ: لَا يُحْتَجُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا انْفَرَدَا بِشَيْءٍ"[45].
وَفِي تَرْجَمَةِ "مُحَمَّدِ
بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الأَزْهَرِ"، قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ:
"لَيْسَ بِالمَتِينِ عِنْدَهُمْ، تَرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
بْنِ خُزَيْمَةَ[46].
قُلْتُ: مَعَ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ حَدَّثَ
عَنْهُ النَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ[47].
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ:
"وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ لَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ أَهْلُ التَّثْبُيتِ
بِحَدِيثِهِ لِسُوءِ حِفْظِهِ لِلأَسَانِيدِ، هُوَ رَجُلٌ صِنَاعَتُهُ العِبَادَةُ،
وَالتَّقَشُّفُ، وَالمَوْعِظَةُ، وَالزُّهْدُ، لَيْسَ مِنْ أَحْلَاسِ الحَدِيثِ الَّذِي
يَحْفَظُ الأَسَانِيدَ"[48].
وَقَالَ أَيْضًا: "وَعَاصِمٌ العَنْزِيُّ
وَعَبَّادُ بْنُ عَاصِمٍ مَجْهُولَانِ لَا يُدْرَى مَنْ هُمَا"[49].
وَقَالَ: "وَحَارِثَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ-
لَيْسَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ أَهْلُ الحَدِيثِ بِحَدِيثِهِ" [50].
وَسُئِلَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ الجَزَرِيِّ،
الَّذِي يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: "لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ"[51].
قُلْتُ: هَذَا فِي الجَرْحِ، وَأَمَّا
مَا جَاءَ عَنْهُ فِي بَابِ التَّوْثِيقِ، فَمِثْلُ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المُزَكِّي:
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: "عَوْدًا وَبَدْءًا،
إِذَا حَدَّثَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا مَنْ لَمْ تَرَ
عَيْنَايَ مِثْلَهُ، أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ"[52].
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: "وَاللَّهِ،
لَوْ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيَّ كَانَ فِي التَّابِعِينَ، لَأَقَرُّوا
لَهُ بِحِفْظِهِ وَعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ"[53].
قُلْتُ: بَلْ إِنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ
كَانَ يَسْتَدْرِكُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي قَامَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا البَابِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ لِابْنِ خُزَيْمَةَ:
"لَوْ حَدَّثَ الأُسْتَاذُ عَنْ "مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ" فَإِنَّ
أَحْمَدَ قَدْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ"[54].
فَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَلَوْ عَرَفَهُ كَمَا عَرَفْنَاهُ مَا أَثْنَى
عَلَيْهِ أَصْلًا"[55].
قُلْتُ: فَصَنِيعُ البُوصِيرِيِّ فِي المِثَالِ
السَّابِقِ يُشْعِرُ القَارِئَ بِأَنَّ الإِمَامَ ابْنَ خُزَيْمَةَ مُتَسَاهِلٌ، إِذْ
أَنَّهُ يُصَحِّحُ حَدِيثَ رَاوٍ شَدِيدِ الضَّعْفِ.
وَكَذَا صَنِيعُ الشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ فِي "السِّلْسِلَةِ
الضَّعِيفَةِ"[56]،
إِذْ قَالَ: "رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ"، ثُمَّ ذَكَرَ ضَعْفَ
الرَّاوِي، غَيّرَ أنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ-
اسْتَدْرَكَ هَذَا فِي تَحْقِيقِهِ لِصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، حَيْثُ قَالَ:
"إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ المُصَنِّفُ، وَسَبَبُهُ زَرْبِيٌّ
ضَعِيفٌ، وَقَدْ خَرَّجْتُهُ فِي الضَّعِيفَةِ[57].
وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ
- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي "فَتْحِ البَارِي" عِنْدَ حَدِيثِ: "مَنْ أَفْطَرَ
يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ"[58].
قَالَ: "وَصَلَهُ أَصْحَابُ
السُّنَنِ الأَرْبَعَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
وَشُعْبَةَ".
ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ثَلَاثَ عِلَلٍ: الاضْطِرَابُ، وَالجَهَالَةُ،
وَالانْقِطَاعُ.
وَهَذَا الحَدِيثُ نَجِدُ فِي كِتَابَاتِ
بَعْضِ المُعَاصِرِينَ أَنَّهُمْ يَغْمِزُونَ ابْنَ خُزَيْمَةَ بِالتَّسَاهُلِ لِتَخْرِيجِهِ،
وَفِيهِ هَذِهِ العِلَلُ الثَّلَاثَةُ، وَيَذْكُرُونَ كَلَامَ ابْنِ حَجَرٍ السَّابِقَ.
مَعَ أَنَّنَا لَوْ عُدْنَا لِصَحِيحِهِ
نَجِدُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ: "بَابُ التَّغْلِيظِ فِي إِفْطَارِ يَوْمٍ
مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ – إِنْ صَحَّ الخَبَرُ-، فَإِنِّي
لَا أَعْرِفُ ابْنَ المَطَوِّسِ وَلَا أَبَاهُ؛ غَيْرَ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ
قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا المَطَوِّسِ".
فَعَلَّقَ ابْنُ خُزَيْمَةُ الخَبَرَ
وَلَمْ يُصَحِّحْهُ، وَهُوَ نَفْسُ صَنِيعِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ
فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، قَالَ: "وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ:
مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ
صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ"[59].
قُلْتُ: فَلَا يَعْنِي نِسْبَةُ الحَدِيثِ
إِلَى صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ يُصَحِّحُهُ، بَلْ إِنَّهُ يُعَلِّقُ الأَحَادِيثَ
أَحْيَانًا كَصَنِيعِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَيْضًا يُخَرِّجُ أَحَادِيثَ لِيُبَيِّنَ
عِلَّتَهَا كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَدْ أَجَادَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ
- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي "تَمَامِ المِنَّةِ"، فَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ
لِكَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ السَّابِقِ: "وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ: وَصَحَّحَهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ وَضَعَّفَهُ فِي
التَّرْجَمَةِ"[60].
فَالشَّاهِدُ: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ
الرَّاوِي "لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ" هُوَ حُكْمٌ عَلَى
الرَّاوِي بِالجَهَالَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي حَدِيثٍ مُخَرَّجٍ
فِي أَيِّ كِتَابٍ لَهُ، فَهُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِضَعْفِ الحَدِيثِ.
وَأَمَّا إِنْ سَكَتَ عَلَى حَدِيثٍ فِيهِ رَاوٍ مُخْتَلَفٌ
عَلَيْهِ، أَوْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ لِلْجَهَالَةِ، فَهُوَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ
مَقْبُولُ الحَدِيثِ.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مِنَ القَضَايَا
الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ الكَلَامِ، وَالَّتِي فِيهَا خَلَلٌ مَنْهَجِيٌّ
كَبِيرٌ بَيْنَ مَا عَلَيْهِ المُعَاصِرُونَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءُ
المُتَقَدِّمُونَ.
تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي الرَّاوِي
الْمَجْهُولِ:
فَإِنَّ عَامَّةَ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ؛
وَتَابَعَهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ أَغْلَبُ المُعَاصِرِينَ، أَنَّ الجَهَالَةَ تَرْتَفِعُ
عَنِ الرَّاوِي بِرِوَايَةِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَمَا هُوَ فِي مَذْهَبِ مُحَمَّدِ
بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ-.
فَقَاعِدَةُ التَّحْقِيقِ عِنْدَهُمْ
أَنَّ الرَّاوِيَ الَّذِي يَتَفَرَّدُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَاحِدٌ يَكُونُ مَجْهُولًا،
مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَثَّقُوا رُوَاةً تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ
عَنْهُمْ وَاحِدٌ، وَأَيْضًا صَحَّحُوا أَحَادِيثَ تَفَرَّدَ بِهَا رُوَاةٌ لَمْ يَرْوِ
عَنْهُمْ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ، وهذا منهم توثيق لهذا الراوي، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ
بِالتَّوْثِيقِ الضِّمْنِيِّ.
فَقَوْلُ الإِمَامِ
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، مَعَ شُهْرَتِهِ وَعَمَل بَعْضِ العُلَمَاءِ
بِهِ، لَا يَعُدُّ القَوْلَ الوَحِيدَ فِي المَسْأَلَةِ. بَلْ وَصَفَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ
فِي "الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ" أَكْثَرَ مِنْ رَاوٍ بِالجَهَالَةِ فِي حِينِ
أَنَّهُ ذَكَرَ فِي تَرْجَمَتِهِمْ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُمْ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ:
1ـ زَيَادُ بْنُ
جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ (2380)، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «رَوَى
عَنْهُ مَكْحُولٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَيُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ
سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: شَيْخٌ مَجْهُولٌ».
2 ـ عَبْدُ الرَّحِيمِ
بْنُ كُرْدَمَ بْنِ أَرْطَبَانَ (1600)، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «رَوَى عَنْهُ
أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ وَأَبُو أُسَامَةَ وَمَعْلَى بْنُ أَسَدٍ وَإِبْرَاهِيمُ
بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ:
مَجْهُولٌ».
3 ـ مُوسَى بْنُ
هِلَالٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ (734)، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «رَوَى عَنْهُ
أَبُو بَجِيرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
الْأَحْمَسِيُّ، وَأَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَأَلْتُ
أَبِي عَنْهُ فَقَالَ: مَجْهُولٌ»[61].
وَكَذَا صَنِيعُ جَمَاعَةٍ كَبِيرَةٍ
مِنَ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ، حَتَّى مِنْ تَلْمَذَةِ الإِمَامِ الذُّهْلِيِّ
كَالبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، يُخَالِفُ هَذَا المَذْهَبَ.
وَ "عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ"
يُوَثِّقُ الرَّاوِيَ أَحْيَانًا وَإِنْ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَاحِدٌ،
وَيَنْقُلُ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ بَيْنَهُمْ إِلَّا مَنْ رَوَى عَنْ
مَجْهُولٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ-: "نَظَرْتُ، فَإِذَا قَلَّ رَجُلٌ مِنَ التَّابِعِينَ
إِلَّا وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ"، فَقَالَ
رَجُلٌ: يَا أَبَا الحَسَنِ! فَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَمَّنْ رَوَى مِنَ الْمَجْهُولِينَ؟
فَقَالَ: "قَدْ رَوَى عَنْ يَزِيدَ
بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ فَمَنْ يَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ؟ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى
عَنْهُ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ"[62]
.
بَلْ مِثْلُ هَذَا التَّوْثِيقِ مَوْجُودٌ
فِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ نَفْسُهُ، وَالَّذِينَ
سَيَأْتِي أَنَّهُمْ جَعَلُوا كَلِمَةً مُخْتَصَرَةً خَرَجَتْ مِنْهُ كَالْقَاعِدَةِ
الَّتِي لَا تُقْبَلُ النَّقْدَ، ثُمَّ يُحَاكَمُ بِهَا كَلَامُ الأَئِمَّةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِ
النَّسَائِيِّ "أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الحَرَّانِيِّ"،
وَذَكَرَ تَوْثِيقَ النَّسَائِيِّ لَهُ، قَالَ: وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "الطَّبَقَاتِ":
أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ: "لَا يُعْرَفُ".
قُلْتُ (ابن حجر): بَلْ يَكْفِي فِي رَفْعِ
جَهَالَةِ عَيْنِهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عَنْهُ، وَفِي التَّعْرِيفِ بِحَالِهِ
تَوْثِيقُهُ لَهُ"[63].
فَابْنُ حَجَرٍ هُنَا جَعَلَ رِوَايَةَ
الإِمَامِ النَّسَائِيِّ رَافِعَةً لِجَهَالَةِ عَيْنِ هَذَا الرَّاوِي.
مَعَ أَنَّهُ هُوَ القَائِلُ: "وَالْمَجْهُولُ
إِذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ مَنْ سُمِّيَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، وَلَمْ
يُعْرَفْ حَالُهُ"[64].
فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ أَنْ يَنْفَرِدَ
بِالرِّوَايَةِ عَنِ الرَّجُلِ رَاوٍ وَاحِدٌ، وَبَيْنَ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْجَهَالَةِ،
فَإِنَّ الجَهَالَةَ قَدْ تُرْفَعُ عَنِ الرَّاوِي بِرِوَايَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ عَنْهُ،
بِأُمُورٍ، مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي قَوْلِهِ:
"وَأَمَّا المَجْهُولُونَ مِنَ
الرُّوَاةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَوْ أَوْسَاطِهِمُ
احْتُمِلَ حَدِيثُهُ وَتُلُقِّيَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، إِذَا سَلِمَ مِنْ مُخَالَفَةِ
الأُصُولِ وَرَكَاكَةِ الأَلْفَاظِ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ مِنْ صِغَارِ
التَّابِعِينَ فَيُتَأَنَّى فِي رِوَايَةِ خَبَرِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ
جَلَالَةِ الرَّاوِي عَنْهُ وَتَحَرِّيهِ، وَعَدَمِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ المَجْهُولُ مِنْ أَتْبَاعِ
التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَهُوَ أَضْعَفُ لِخَبَرِهِ، سِيَّمَا إِذَا انْفَرَدَ
بِهِ"[65].
وَقَالَ العَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
الْمُعَلَّمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ-، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ تَوْثِيقِ ابْنِ حِبَّانَ
لِرُوَاةٍ مَجَاهِيلَ وَجَدَهُمْ فِي "تَارِيخِ البُخَارِيِّ"، فَوَثَّقَهُمْ
لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِي رِوَايَتِهِمْ نَكَارَةً، وَيُشَدِّدُ وَرُبَّمَا يَتَعَنَّتُ
إِنْ وَجَدَ فِي رِوَايَتِهِمْ مَا يُسْتَنْكَرُ؛ قَالَ: "وَالْعِجْلِيُّ قَرِيبٌ
مِنْهُ فِي تَوْثِيقِ المَجَاهِيلِ مِنَ القُدَمَاءِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ
مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَآخَرُونَ غَيْرُهُمْ، يُوَثِّقُونَ مَنْ كَانَ مِنَ التَّابِعِينَ
أَوْ أَتْبَاعِهِمْ، إِذَا وَجَدُوا رِوَايَةَ أَحَدِهِمْ مُسْتَقِيمَةً؛ بِأَنْ يَكُونَ
لَهُ فِيمَا يَرْوِي مُتَابِعٌ أَوْ شَاهِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ،
وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ عَنْهُ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ".[66]
قُلْتُ: وبالطَبعِ هَذَه المَسألةُ فِيهِا
أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، كَأَنْ تَرْتَفِعَ الجَهَالَةُ بِرَاوِيَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ،
مَعَ وُجُودِ تَوْثِيقٍ مِنْ إِمَامٍ آخَرَ غَيْرَ هَذَا الرَّاوِي[67]،
خِلَافَ حَالَةِ شَيْخِ النَّسَائِيِّ هُنَا، فَإِنَّ النَّسَائِيَّ هُوَ مَنْ رَوَى
عَنْهُ وَهُوَ أَيْضًا مَنْ وَثَّقَهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "فَإِنْ سُمِّيَ الرَّاوِي، وَانْفَرَدَ رَاوٍ
وَاحِدٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَهُوَ مَجْهُولُ العَيْنِ، كَالمُبْهَمِ، فَلَا يُقْبَلُ
حَدِيثُهُ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غَيْرُ مَنْ يَنْفَرِدُ عَنْهُ عَلَى الأَصَحِّ،
وَكَذَا مَنْ يَنْفَرِدُ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُتَأَهِّلًا لِذَلِكَ"[68].
وَكَذَا الرَّاوِي الَّذِي يَكُونُ حَدِيثُهُ
يُوَافِقُ حَدِيثَ الثِّقَاتِ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَنَاكِيرُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ
جَرْحٌ، فَمِثْلُ هَذَا إِنْ وُجِدَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَلَمْ يُعِلَّ حَدِيثَهُ،
فَحَدِيثُهُ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ هُمْ مَنْ يُدْخِلُهُمْ
ابْنُ حِبَّانَ فِي ثقَاتهِ، وَشَرْطُ
البُخَارِيِّ فِي مِثْلِهِمْ كَمَا فِي "تَارِيخِهِ الكَبِيرِ" أَنَّ
حَدِيثَهُمْ مُحْتَمَلٌ[69].
وَهُمْ فِي العَادَةِ مَنْ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ ابْنُ حَجَرٍ فِي "التَّقْرِيبِ"
بِقَوْلِهِ: "مَقْبُولٌ.
وَهَذَا المَبْحَثَ الأَصْلُ أَنَّهُ مِنْ مَبَاحِثِ
عِلْمِ الرِّجَالِ وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَدَمُ
ذِكْرِهِ وَالكَلَامُ عَنْهُ عِنْدَ تَوْضِيحِ مَنَاهِجِ العُلَمَاءِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَأُرِيدُ قَبْلَ مُغَادَرَةِ هَذِهِ
المَسْأَلَةِ أَنْ أُبَيِّنَ بِمِثَالٍ عَمَلِيٍّ الفَرْقَ بَيْنَ مَنْهَجِ ابْنِ خُزَيْمَةَ
- رَحِمَهُ اللَّهُ- وَمَنْ هُمْ أَعْلَى مِنْ طَبَقَتِهِ، وَبَيْنَ وَاقِعِ التَّحْقِيقِ
اليَوْمَ.
فَقَضِيَّةُ جَهَالَةِ الرُّوَاةِ
قَضِيَّةٌ فِيهَا مَذَاهِبُ لِلْعُلَمَاءِ كَمَا ذُكِرَ آنِفًا.
فَتَبَنِّي رَأْيِ الإِمَامِ الذُّهْلِيِّ فِيهَا، وَجَعْلُهُ المَذْهَبَ العُمْدَةَ
وَالصَّوَابَ، ثُمَّ تَحْقِيقُ كُتُبِ السُّنَّةِ فِي ضَوْءِ هَذَا، وَمُعَاكَسَةُ
أَحْكَامِ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ بِسَبَبِ هَذَا المَذْهَبِ، هُوَ خَطَأٌ مَنْهَجِيٌّ
بِلَا خِلَافٍ.
نَعَمْ، يَنْبَغِي لِلْمُحَقِّقِ
إِذَا ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَا تَرَجَّحَ
عنده، لَكِنْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ
لَا تَزَالُ خِلَافِيَّةً.
فَإِنْ
وَجَدَ أَحَدَ الأَئِمَّةِ، خَاصَّةً مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ المُسْنَدَةِ، يُخَالِفُهُ
فِي الحُكْمِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَتَبَنَّى خِلَافَ مَذْهَبِهِ.
فِي هَذِهِ الحَالَةِ، عَلَيْهِ أَنْ
يُقَدِّمَ حُكْمَ هَذَا الإِمَامِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَذْكُرَ مَا تَرَجَّحَ لَدَيْهِ
بِنَاءً عَلَى مَا يَتَبَنَّاهُ فِي المَسْأَلَةِ. أَمَّا أَنْ يُهْدِرَ حُكْمَ هَذَا
الإِمَامِ وَيَكُونَ حُكْمُ المُحَقِّقِ هُوَ النِّهَائِيُّ، فَهَذَا غَرِيبٌ وَاللَّهُ.
وَأَنَا فِي هَذَا المَقَامِ لَا أَسْعَى لِلطَّعْنِ
فِي أَحَدٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ نُؤَصِّلُ لِعِلْمِ التَّحْقِيقِ وَمَا هُوَ المَنْهَجُ
الصَّوَابُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ طَالِبُ العِلْمِ عِنْدَ سُلُوكِ
هَذَا الطَّرِيقِ.
فَالمَقَامُ لَيْسَ مَقَامَ طَعْنٍ
أَوْ غَمْزٍ، وَإِنَّمَا مَنْهَجٌ نَحَاوِلُ أَنْ نُدَلِّلَ عَلَيْهِ بِالأَمْثِلَةِ
حَتَّى يَظْهَرَ وَيَتَّضِحَ.
وَفِي قَضِيَّةِ الجَهَالَةِ، ذَكَرْنَا أَنَّ
هُنَاكَ مَنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَقْبَلُ حَدِيثَ المَجْهُولِ إِذَا وَافَقَ حَدِيثُهُ
حَدِيثَ الثِّقَاتِ. لَكِنْ إِنِ انْفَرَدَ المَجْهُولُ بِحَدِيثٍ وَوُجِدَ مِنَ العُلَمَاءِ
مَنْ يُصَحِّحُهُ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ ليس بمَجْهُولٍ عِنْدَ هَذَا
العَالِمِ، وأَنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ إِنَّمَا هُوَ تَوْثِيقٌ مِنْهُ لِلرَّاوِي.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ[70]
فِي الْإِمَامِ: "وَمِنْ العجبِ كَون ابن الْقَطَّانِ لَمْ يَكْتَفِ بِتَصْحِيحِ
التِّرْمِذِيِّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، مَعَ
تَفَرُّدِهِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ
قَدْ نقل كَلَامَهُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ[71]،
وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ ثِقَةٌ، أَوْ يُصَحَّحَ لَهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ
بِهِ؟ وَإِنْ كَانَ تَوَقَّفَ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا أَبُو
قِلَابَةَ، فَلَيْسَ هَذَا: بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى
كَثْرَةِ الرُّوَاةِ فِي نَفْيِ جَهَالَةِ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُ جَهَالَةَ
الْحَالِ بِانْفِرَادِ رَاوٍ وَاحِدٍ عَنْهُ بَعْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي تَعْدِيلَهُ،
وَهُوَ تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ"[72]
قلتُ: فالإمامُ ابنُ دَقِيقِ العَيْدِ -
رَحِمَهُ اللهُ - يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ تَصْحِيحَ إِمَامٍ كَالتِّرْمِذِيِّ - رَحِمَهُ
اللهُ - لِحَدِيثِ رَاوٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مَعَ تَفَرُّدِهِ بِالْحَدِيثِ،
أَنَّ هَذَا تَوْثِيقٌ مِنْهُ لِلرَّاوِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَحَّحُ إِلَّا حَدِيثُ
الثِّقَةِ خَاصَّةً عِنْدَ التَّفَرُّدِ.
هَذَا الَّذِي صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ،
قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَهُ فِي «الصَّحِيحِ» وَلَمْ يُعَلِّهُ، وَكَذَا
أَخْرَجَ حَدِيثَهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَيَكُونُ بِهَذَا مَعَنَا ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ
قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِ هَذَا الرَّاوِي تَوْثِيقًا ضِمْنِيًّا، وَوَافَقَهُمُ
الحَاكِمُ فَقَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِذْ لَمْ يَجِدَا
لِعَمْرٍو رَاوِيًا غَيْرَ أَبِي قِلَابَةَ، وَهَذَا مِمَّا شَرَطْتُ فِيهِ وَتَبَيَّنْتُ
أَنَّهُمَا قَدْ أَخْرَجَا مِثْلَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابَيْنِ»[73].
فَإِذَا ضَمَمْنَا مَعَ ذَلِكَ كَلَامَ الْإِمَامِ
الْعِجْلِيِّ فِي عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، حَيْثُ قَالَ: «بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ»[74]،
أصبحَ الأمرُ أقوى توثيقًا من إمامٍ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ مُتقَدَّمٍ، فَاجْتَمَعَ لَهُ
التَّوْثِيقُ الضِّمْنِيُّ مِنَ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ
وَالْحَاكِمِ، وَالتَّوْثِيقُ الصَّرِيحُ مِنَ الْعِجْلِيِّ، فَهُوَ بِذَلِكَ ثِقَةٌ
عَلَى كُلِّ حَالٍ - إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -.
فَلَا يُلْتَفَتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّنَا
نَجِدُ مِثْلًا ابْنَ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» يَقُولُ فِي تَرْجَمَتِهِ: «لَا يُعْرَفُ
حَالُهُ»[75]،
وَقَرِيبًا مِنْ هَذَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ[76]،
وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمَا مِنْ تَبَنِّي مَذْهَبِ الإمامِ الذُهليِّ فِي تَعْرِيفِ
الْمَجْهُولِ، حَيْثُ يَجْعَلُ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنَ الْمَجَاهِيلِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ
الْمَدِينِيِّ: «لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ»[77]،
فَهَذَا لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِالْجَهَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ يَحْكِي حَالَ الرَّاوِي
فِي قِلَّةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ، لِأَنَّهُ كَمَا مَرَّ آنِفًا صَرَّحَ بِجَهَالَةِ
«إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ»، وَلَمْ يَقُلْ: «لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ عُثْمَانَ
بْنِ الْمُغِيرَةِ»، بَلْ قَالَ فِيهِ كَلَامًا صَرِيحًا بِالْجَهَالَةِ؛ فَلَوْ كَانَ
مَجْرَدُ التَّفَرُّدِ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الرَّجُلِ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِجَهَالَتِهِ
لَقَالَهُ في "عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ" ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَدَلَّ ذَلِكَ
عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي "عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ" إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ
لِلْوَاقِعِ لَا حُكْمٌ بِالْجَهَالَةِ أَوِ الضَّعْفِ.
فَيَكُونُ بِهَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ
الْأَئِمَّةَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ فِي نَفْيِ جَهَالَةِ الْحَالِ،
كَمَا هِيَ عِبَارَةُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ رَحِمَهُ اللهُ.
وَقَدْ قَدَّمْتُ بِهَذَا حَتَّى أُبَيِّنَ
حَقِيقَةَ مَنْهَجِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَصْحَابِ الْكُتُبِ
الْمُسْنَدَةِ، وَفَهْمَ عُلَمَاءِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِمَّنْ خَلَفُوهُمْ كَابْنِ
حِبَّانَ وَالْعِجْلِيِّ، وَمُعَاكَسَةَ هَذَا الْمَنْهَجِ عِنْدَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ
كَمَا فِي كَلَامِ الذَهبي ابْنِ حَجَرٍ، وَطَرِيقَةِ الْمُعَاصِرِينَ كَمَا سَيَأْتِي
بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
كَمَا أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِي سَلَفٌ
فِي الْمَسْأَلَةِ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْقَارِئُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ وَالْمُعْتَمَدَ
فِي عُرْفِ الْمُعَاصِرِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَائِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَعْرِيفِ
الْمَجْهُولِ خِلَافُ صُنِيعِ هَؤُلَاءِ الْأَوَائِلِ، وَهَذَا الْخِلَافُ أَوْجَدَ
تَضْعِيفَ أَحَادِيثَ صَحَّحَهَا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، وَتَصْحِيحَ بَعْضِ مَا ضَعَّفُوهُ،
مَعَ غَمْزِهِمْ بِالتَّسَاهُلِ وَرَخَاوَةِ النَّفْسِ فِي التَّضْعِيفِ، وَالْأَمْرُ
لِلَّهِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى حَدِيثِ هَذَا الرَّاوِي
فِي «صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ» وَجَدْنَا الْإِمَامَ - رَحِمَهُ اللهُ- قَدْ أَخْرَجَ
حَدِيثَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَهُوَ حَدِيثٌ فِي الْأَحْكَامِ، وَسُنَّةُ الْعُلَمَاءِ
فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ التَّشْدِيدُ، وَالتَّسَاهُلُ فِي أَحَادِيثِ السِّيَرِ
وَالْمَغَازِي وَالْفَضَائِلِ.
فَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ
لَهُ عِلَّةً وَلَا عَلَّقَهُ، فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ عَلَى شَرْطِ كِتَابِهِ.
فَإِذَا نَظَرْنَا فِي تَحْقِيقِ الشَّيْخِ
الْأَعْظَمِيِّ لِلْحَدِيثِ وَجَدْنَاهُ قَدْ ضَعَّفَهُ فَقَالَ: «إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ،
عَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ مَجْهُولٌ»[78].
وَكَذَا الشَّيْخُ مَاهِرٌ الفَحْلُ فِي تَحْقِيقِهِ
لِلْكِتَابِ، قَالَ: «إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، عَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ،
تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ، وَقَدْ حَكَمَ بِجَهَالَتِهِ ابْنُ
القَطَّانِ وَالذَّهَبِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ».
وَهَذَا أَيْضًا مِنَ النَّمَاذِجِ الصَّارِخَةِ
عَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ مَاهِرًا - حَفِظَهُ اللهُ - اعْتَمَدَ فِي تَضْعِيفِهِ
عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ عُلَمَائنا الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَتَجَاهَلَ تَمَامًا مَا قَدَّمْنَاهُ
مِنْ تَوْثِيقِ الْعِجْلِيِّ صَرَاحَةً، وَتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ وَإِخْرَاجِ ابْنِ
خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَتَأْيِيدِ الحَاكِمِ، وَكُلُّهُمْ أَسْبَقُ زَمَنًا
وَأَعْلَى قَدْرًا فِي هَذَا الشَّأْنِ.
فَصَارَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالْجَهَالَةِ
مُجَرَّدَ اتِّبَاعٍ لِلْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَرْكٍ لِمَنْهَجِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ
هُمْ أَحَقُّ بِالْمُتَابَعَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَمِثَالٌ آخَرُ يُوَضِّحُ هَذَا الْخِلَافَ
الْمَنْهَجِيَّ:
أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثًا
مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلِيكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
مَمْلَكٍ: "أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرَتْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنَامُ
قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى
حَتَّى يُصْبِحَ، وَأَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا".[79]
هَذَا الحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
مُسْنَدًا، وَلَمْ يُقَدِّمِ المَتْنَ عَلَى الإِسْنَادِ، أَوْ يُعَلِّقِ الحَدِيثَ،
أَوْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: "إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ"، أَوْ يَذْكُرْ أَنَّ هَذَا
خَبَرٌ غَرِيبٌ غَرِيبٌ، أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعِلُّ بِهِ الأَحَادِيثَ، وَإِنَّمَا
أَسْنَدَهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ. فَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ فِيهِ، يَتَمَاشَى
مَعَ شَرْطِ الكِتَابِ.
غَيْرَ أَنَّ الشَّيْخَ الأَلْبَانِيَّ
- رَحِمَهُ اللَّهُ- ضَعَّفَ الحَدِيثَ بِسَبَبِ جَهَالَةِ "يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ"،
فَقَالَ: "وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ؛ غَيْرَ يَعْلَى بْنِ
مَمْلَكٍ، فَهُوَ مَجْهُولٌ"[80]
وَقَالَ فِي تَحْقِيقِهِ لِسُنَنِ أَبِي
دَاوُدَ: «وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غَيْرَ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ
فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ».
قَالَ الذَّهَبِيُّ: «مَا حَدَّثَ
عَنْهُ سِوَى ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ». وَلِذَا قَالَ الحَافِظُ: «مَقْبُولٌ».
مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ
قَالَ فِيهِ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ
سَلَمَةَ»[81].
قلت: وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
الشَّيْخُ شُعَيْبٌ الأَرْنَؤُوطُ فِي تَحْقِيقِهِ لِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ:
" وَهَذَا إسنَاد ضَعِيف؛ يَعْلَى بْنُ مَمْلَكٍ مَجْهُولُ الحَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ،
فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ!"[82]
قُلْتُ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ شُعَيْبٌ
-رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ رَاوِيَ الحَدِيثِ مَجْهُولُ الحَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُصَحِّحُ
التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ، وَهُوَ تَلْمِيحٌ مِنْهُ بِتَسَاهُلِ التِّرْمِذِيِّ - رَحِمَهُ
اللَّهُ-.
وَهَذَا التَّلْمِيحُ، مَعَ شِدَّةِ
الأَسَفِ، بَلْ وَالتَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ
بَعْضِ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ وَالمُعَاصِرِينَ، وَهُذا التَّعْرِيضُ أَثْنَاءَ
التَّحْقِيقِ بِسَلَفِ الأُمَّةِ مِنْ مُحَدِّثِيهَا الأَكَابِرِ؛ سَبَبُهُ تَبَنِّي
المُحَقِّقِ لِرَأْيٍ فِي مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ، أَوْ جَهْلُهُ بِحَقِيقَةِ مَنْهَجِ
هَؤُلَاءِ الأَوَائِلِ، وَهُوَ الأَمْرُ الَّذِي كُنَّا نُدَنْدِنُ حَوْلَهُ فِي أَوَّلِ
المُحَاضَرَةِ.
وَالحَقُّ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ
الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ وَالشَّيْخُ شُعَيْبٌ خِلَافُ الأَصْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ
جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِينَ؛ فَإِنَّ الجَهَالَةَ، كَمَا مَرَّ، تَرْتَفِعُ
عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ بِرِوَايَةِ وَاحِدٍ فَقَطْ، خَاصَّةً إِنْ كَانَ
الرَّاوِي مِنْ طَبَقَةِ التَّابِعِينَ.
وَيَكْفِينَا فِي هَذَا المَقَامِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ
لَمْ نَعْرِفْهُمْ إِلَّا مِنْ خِلَالِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ.
فَالأَمْرُ التَّطْبِيقِيُّ لِلْمُحَدِّثِينَ الأَوَائِلِ يُخَالِفُ مَا فِي
كُتُبِ المُصْطَلَحِ وَالتَّرَاجِمِ المُتَأَخِّرَةِ.
وَهَذَا الحَدِيثُ الَّذِي مَعَنَا
أيضًا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ[83]
وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ[84]
وَالحَاكِمُ[85]،
فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةُ أَئِمَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ المُسْنَدَةِ، يُهْدَرُ
حُكْمُهُمْ بِسَبَبِ مِثْلِ هَذِهِ الأَحْكَامِ وَالقَوَاعِدِ المُتَوَارَثَةِ فِي
كُتُبِ المُتَأَخِّرِينَ، كَتَعْرِيفِهِمْ لِلْمَجْهُولِ، أَوْ أَنَّ المَقْبُولَ إِنْ
لَمْ يُتَابَعْ عَلَى حَدِيثِهِ فَهُوَ لَيِّنُ الحَدِيثِ، كَمَا فِي "تَقْرِيبِ"
ابْنِ حَجَرٍ.
فَلَيْسَتْ هَذِهِ طَرِيقَةَ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ.
وَأُؤَكِّدُ أَنَّنَا فِي هَذَا المَقَامِ
لَا نَطْعَنُ فِي أَحَدٍ، وَلَكِنَّنَا نُؤَكِّدُ عَلَى خَلَلٍ مَنْهَجِيٍّ مَوْجُودٍ
اليَوْمَ فِي عَالَمِ التَّحْقِيقِ لَا بُدَّ أَنْ يُتَصَدَّى لَهُ، حَتَّى لَا يَأْثَمَ
طَالِبُ العِلْمِ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُ الثَّوَابَ، وَيُفْسِدَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ
وَهُوَ يَظُنُّ الإِصْلَاحَ.
فَمُجَرَّدُ تَصَوُّرِ أَنَّ العَالِمَ المُتَأَخِّرَ
يُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ فِي أَكْثَرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ هَذَا الصَّوَابُ
خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ العَالِمُ المُتَقَدِّمُ،
مُجَرَّدُ هَذَا التَّصَوُّرِ هُوَ مِنَ
الأَخْطَاءِ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ يُعَالَجَ مِنْهَا طَالِبُ العِلْمِ المُعَاصِرُ
إِنْ أَحَسَّ بِهَا فِي نَفْسِهِ، إذ كَيْفَ يُصِيبُ الذَّهَبِيُّ أَوْ ابْنُ حَجَرٍ
فِي حُكْمٍ عَلَى حَدِيثٍ وَيَكُونُ هَذَا الحُكْمُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الإِمَامِ
التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالحَاكِمِ؟ نَقُولُ: الذَّهَبِيُّ
وَابْنُ حَجَرٍ، وَلَا نَقُولُ: الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ وَالشَّيْخُ شُعَيْبٌ، رَحِمَ
اللَّهُ الجَمِيعَ.
وعَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ أَنْ يَصْطَحِبَ هَذَا الأَصْلَ مَعَهُ دَائِمًا،
أَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ الكَوْنِيَّةِ، كُلَّمَا تَأَخَّرَ الزَّمَانُ قَلَّ العِلْمُ،
وَكَمَا طَلَبْنَا العُلُوَّ وَارْتَفَعْنَا فِي طَبَقَاتِ العُلَمَاءِ، كُلَّمَا كَانَ
العِلْمُ أَصْفَى وَأَصَحَّ.
يَقُولُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ
العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ"[86]
فَالعِلْمُ الَّذِي عِنْدَنَا الآنَ
أَقَلُّ مِنَ العِلْمِ الَّذِي كَانَ زَمَانَ الشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ، وَالَّذِي
كَانَ فِي عَصْرِ الأَلْبَانِيِّ أَقَلُّ مِنَ العِلْمِ فِي عَصْرِ ابْنِ حَجَرٍ، وَمَا
فِي عَصْرِ ابْنِ حَجَرٍ أَقَلُّ مِنْ عَصْرِ الذَّهَبِيِّ، وَمَا كَانَ فِي عَصْرِ
الذَّهَبِيِّ أَقَلُّ مِمَّا كَانَ فِي عَصْرِ الحَاكِمِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ
وَمَالِكٍ وَالزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَمَا كَانَ فِي عَصْرِ صِغَارِ
الصَّحَابَةِ هُوَ أَقَلُّ مِنْ عَصْرِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَهَكَذَا حَتَّى نَصِلَ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَلِهَذَا، عَلَى طَالِبِ العِلْمِ
أَنْ يَبْدَأَ بَحْثَهُ مِنْ هَذِهِ القِمَّةِ ثُمَّ يَنْزِلَ، وَلَا يَفْعَلَ العَكْسَ
فَيَبْدَأَ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ.
حُكْمُ حَدِيثِ الْمَقْبُولِ:
وَأَمَّا هَذِهِ القَاعِدَةُ الَّتِي
ضَعَّفَ بِهَا الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ الحَدِيثَ السَّابِقَ، وَالَّذِي أَخْرَجَهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَهِيَ: أَن مَنْ ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ
في مَرتَبة المَقْبُول، يُقبَل حَديثَهُ عِنْدَ المُتَابَعَةِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ
يُتَابَعْ فَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ.
هَذه الكَلِمَة قَدْ أَصْبَحَتْ
كالقَاعِدةِ والأَصْلِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ فِي هَذَا العَصْرِ، فَمَنْ وُجِدَ فِي
مَرْتَبَةِ "المَقْبُولِ" عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ فِي "تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ"
وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى حَدِيثِهِ، فَهُوَ لَيِّنُ الحَدِيثِ، وَبِالتَّالِي يُضَعَّفُ
الحَدِيثُ لِأَنَّ رَاوِيّه لَيِّنٌ!.
وَنَذْكُرُ مِثَالًا لِلدَّلَالَةِ
عَلَى هَذَا الخَلَلِ فِي صَنِيعِ المُحَقِّقِينَ المُعَاصِرِينَ، فَإِنَّ الشَّيْخَ
مَاهِرَ الفَحْلَ - حَفِظَهُ اللهُ- قَامَ بِتَحْقِيقِ "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"،
وَقَالَ إِنَّ سَبَبَ قِيَامِهِ بِتَحْقِيقِهِ أَنَّ الشَّيْخَ الأَعْظَمِيَّ وَالأَلْبَانِيَّ
لَمْ يَخْدِمَا هَذَا الكِتَابَ الخِدْمَةَ اللَّائِقَةَ، وَلَمْ يَنْشَطْ أَحَدٌ بَعْدَهُمَا
لِهَذَا الأَمْرِ – فِي مَعْنَى مَا قَالَ – ؛ فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى صَنِيعِ الشَّيْخِ
مَاهِرٍ، سَنَجِدْ أَنَّ أَوَّلَ حَدِيثٍ ضَعَّفَهُ فِي هَذَا "الصَّحِيحِ [87]،
ضَعَّفَهُ انْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ القَاعِدَةِ، فَقَالَ: "إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ،
فَإِنَّ عَقِيلَ بْنَ جَابِرٍ مَقْبُولٌ حَيْثُ يُتَابَعُ وَلَمْ يُتَابَعْ، وَقَدْ
تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ".
قُلْتُ: فَضَعَّفَ الحَدِيثَ لِأَنَّهُ
مِنْ رِوَايَةِ مَقْبُولٍ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى حَدِيثِهِ، وَأَيْضًا لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ
بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ - رَحِمَهُ اللهُ-.
فَأَمَّا قَضِيَّةُ التَّفَرُّدِ
هُنَا، فَقَدْ أَسْلَفْنَا الكَلَامَ عَنْهَا، وَهِيَ لَا وَزْنَ لَهَا فِي هَذَا المَوْضِعِ،
لِأَنَّ "عَقِيلَ بْنَ جَابِرٍ" هُوَ ابْنُ "جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
الأَنْصَارِيِّ" - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ.
فَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَدْ
مَرَّ مَذْهَبُ ابْنِ سَعْدٍ وَابْنِ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ
فِي رُوَاةِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ "مَقْبُولٌ"
وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَى حَدِيثِهِ، فَهَذَا الرَّاوِي أَخْرَجَ حَدِيثَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ
وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحَيْهِمَا"[88]،
وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي "المُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ
صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَحَادِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
فَأَمَّا عَقِيلُ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ
حَالًا مِنْ أَخَوَيْهِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ"[89].
قُلتُ: فَالْحَاكِمُ يَقُولُ إِنَّ
عَقِيلًا أَحْسَنُ حَالًا مِنْ أَخَوَيْهِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ هٰذَا، حَدِيثُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، فَتَأَمَّلْ!
كَمَا رَوَى الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ
وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَسَكَتَا عَلَيْهِ.
فَهٰؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ
اشْتَرَطُوا الصِّحَّةَ، وَقَدْ أَخْرَجُوا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُعِلُّوهُ، وَإِمَامَانِ
يَذْكُرَانِ ضَعْفَ الْحَدِيثِ أَحْيَانًا وَيَتَكلمَان عَنْ علَته، وَمَعَ ذٰلِكَ
يَسْكُتَانِ عَلَى الْحَدِيثِ.
ثُمَّ يَأْتِي مُحَقِّقٌ مُعَاصِرٌ
لِيُخَالِفَ هٰؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ الْأَعْلَامَ، وَيَقُولَ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ،
لِأَنَّ عَقِيلَ بْنَ جَابِرٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ[90]،
وسَلَفه فِي هٰذِهِ الْمَسْأَلَةِ ابْنُ حَجَرٍ فِي «تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ» حَيث
قَالَ فِي الرَّاوِي الْمَقْبُولِ: «إِنْ لَمْ يُتَابَعْ فَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ».
فَلَوْ رَجَعْنَا وَبَحَثْنَا عِنْ
سَلَفِ لهَذِهِ الْقَاعِدَةِ عند أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَبْلَ ابْنِ
حَجَرٍ، لَمْ نَجِدْ لَهَا أَثَرًا. أَيْنَ
قَالَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّ الرَّاوِيَ إِنْ لَمْ يُتَابَعْ
عَلَى حَدِيثِهِ يُلَيَّن؟!
وَكَيْفَ تُعَاكِسُ أَحْكَامَ الْأَئِمَّةِ
أَصْحَابِ كُتُبِ السُّنَّةِ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا عَالِمٌ مُتَأَخِّرٌ لَيْسَ عَلَيْهَا
بَيِّنَةٌ؟
فَهٰذَا لَمِنْ أَعْظَمِ الْإِفْسَادِ
فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، أَنْ تُهْدَرَ أَحْكَامُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بِقَواعِدَ
مُحْدَثَةٍ وُجِدَتْ فِي كُتُبٍ مُتَأَخِّرَةٍ لَمْ يُسْبَقْ صَاحِبُهَا إِلَيْهَا.
وَمَعَ ذٰلِكَ فَأَنَا أَعْذِرُ ابْنَ حَجَرٍ
-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي هٰذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ بِكَلَامِهِ هٰذَا
الْمَعْنَى السَّطْحِيَّ الْبَاطِلَ الَّذِي يُحَمَّلُ
الْيَوْمَ، وَصَنِيعُهُ فِي كُتُبِهِ
نَفْسِهِ يُكَذِّبُ هٰذَا التَّأْوِيلَ الْغَرِيبَ.
وَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ
هٰذَا الْفَهْمَ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ عَشَرَاتُ الرُّوَاةِ وَهُوَ يَشْرَحُ «فَتْحَ
الْبَارِي»، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ هٰذِهِ الْمَرْتَبَةِ؟ كَمَا أَنَّهُ يُوجَدُ فِي
«صَحِيحِ مُسْلِمٍ» جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَكَذَا فِي كُتُبِ السُّنَنِ، وَحَدِيثُهُمْ
صَحِيحٌ.
نَذْكُرُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً هُنَا
لِيَكُونُوا دَلِيلًا عَلَى غَيْرِهِمْ:
1 ـ مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، رَاوِي حَدِيثِ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ
مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللّٰهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ
يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ».
هٰذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي
«الصَّحِيحَيْنِ» وَ«مُوَطَّإِ مَالِكٍ» وَ«مُسْنَدِ أَحْمَدَ» وَ«سُنَنِ النَّسَائِيِّ»
وَ«ابْنِ حِبَّانَ» وَغَيْرِهِمْ، تَفَرَّدَ مَعْبَدٌ بِهٰذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُشَارِكْهُ
فِيهِ أَحَدٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ».[91].
فَهَلْ نُضَعِّفُ هٰذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ
لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ؟ فَنَحْنُ إذَنْ نَرُدُّ حُكْمَ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ
وَابْنِ حِبَّانَ جَمِيعًا لأَجْلِ هٰذَا الْوَهْمِ!
وَ"مَعْبَدٌ" هُوَ ابْنُ
الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ-، قَالَ مُحَمَّدُ
بْنُ إِسْحَاقَ أَثْنَاءَ إِسْنَادٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صَحِيحِهِ»:
«حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ»[92].
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: «تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ»[93].
وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «كِتَابِ الثِّقَاتِ»[94].
2 ـ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ
الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ.
وَقَدْ تَفَرَّدَ بِحَدِيثِ خُطْبَةِ
النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَالْحَدِيثُ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[95].
فَهَلْ نُضَعِّفُ هٰذَا الْحَدِيثَ أيضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ؟
ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «الثِّقَاتِ»[96]،
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ في «الكاشِف»: ثِقَةٌ[97].
3 ـ الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ،
رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ:
«لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ
الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».[98]
قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[99]
ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «الثِّقَاتِ»[100]
4 ـ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ
الأَرْقَمِ.
أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
حَدِيثَ أَبِي السَّنَابِلِ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ. [101]
قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[102].
5 ـ عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ
الْمَكِّيُّ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَخْرَجَ
الْبُخَارِيُّ حَدِيثَهُ فِي «بَابِ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ». [103].
قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[104].
قُلْتُ: وَهٰذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ
الْبُخَارِيُّ، مَعَ أَنَّ هٰذَا الرَّاوِيَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ عَبْدِ اللّٰهِ
بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، فَهُوَ فِي عُرْفِ مَنْ اشْتَرَطَ رَفْعَ الْجَهَالَةِ بِرِوَايَةِ
اثْنَيْنِ مَجْهُولٌ؛ فَتَأمَل!.
6 ـ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِهْرَانَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ،
رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثَ: «أَحَبُّ
الْبِلَادِ إِلَى اللّٰهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللّٰهِ أَسْوَاقُهَا»."[105].
وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهٰذَا الْحَدِيثِ فِيمَا أَعْلَمُ.
قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[106].
قُلْتُ: والعَجيبُ أنَّ كُلَّ مَنْ
حَقَق هذا الحديثَ في كُتُبِ السُّنَّةِ، صَحَّحَهُ على شَرْطِ مُسْلِمٍ، مع أنَّهُ مِنْ روايةِ راوٍ
«مَقْبُولٍ» قدِ انْفَرَدَ به فلم يَتَابَعْ، فكيف لا يَرَوْنَ في هذا بُرْهَانًا سَاطِعًا
على فَسَادِ تلك القاعدةِ المُتَدَاوَلَةِ، فيُسَلِّمُوا لأئمةِ الحديثِ الأَعْلامِ
كالتِّرْمِذِيِّ، وابنِ خُزَيْمَةَ، وابنِ حِبَّانَ رضي الله عنهم، إذا صَحَّحُوا أحاديثَ
هذا الصِّنْفِ مِنَ الرواةِ، ما داموا قد وَافَقُوا الإمامَ مُسْلِمًا - رحمه الله-
في تَصْحِيحِهِ على هذا الوَجْهِ بعَيْنِهِ؟
فَالشَاهِدُ: أَنَّ هٰذِهِ أَمْثِلَةٌ
تُثْبِتُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي مَرْتَبَةِ «مَقْبُولٍ» عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ لَا يَلْزَمُ
مِنْ حَدِيثِهِ الضَّعْفُ إِنْ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ يُجْرَحُ بِذٰلِكَ
فَيُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ لَيِّنُ الْحَدِيثِ.
بَلْ هُنَاكَ رُوَاةٌ مِنْ رِجَالِ
الصَّحِيحِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِمْ «مَقْبُولٌ»، وَوَثَّقَهُمْ غَيْرُهُ، مِثْلَ:
1 ـ أَبُو شِمْرٍ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ،
رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقرُونًا
بِغيّره[107]،
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[108]،
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي «الْكَاشِفِ»: ثِقَةٌ[109].
وفي «الكُنَى والأسماء» للدُّولابيِّ، عن
عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ قال: سمعتُ أبي يقولُ: «أبو شَمِرٍ الضَّبَعِيُّ، يَرْوِي
عنه شُعْبَةُ، لم يَرْوِ عنه الثَّوْرِيُّ».
قُلْتُ: فهو مجهولٌ في عُرْفِ مَنْ كان على
مَذْهَبِ الذَّهُلِيِّ.
2 ـ أَبُو عِيسَى الْأَسْوَارِيُّ
الْبَصْرِيُّ،
رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثَ نَهْيِ
النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا[110]،
وَوَثَّقَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي «الْكَاشِفِ»: ثِقَةٌ[111]،
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «مَقْبُولٌ»[112].
قُلتُ: وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ
مَرَادَ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ عَنِ الرَّاوِي «مَقْبُولٌ»، يعني أَنَّهُ «مُقِلٌّ»،
لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ حَدِيثٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَهُ صَحِيحٌ وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ،
لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنْهُ وَإِخْرَاجِ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ حَدِيثَهُ.
وَأَعْلَى رَجُلٍ وُجِدَ فِي هٰذِهِ
الْمَرْتَبَةِ لَهُ نَحْوُ سَبْعَةِ أَحَادِيثَ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَلَهُمْ حَدِيثَانِ
فِي الْغَالِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصِلُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ.
كَمَا أَنَّ ظَاهِر هٰذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنَّ الراوي «الْمَقْبُولَ» إِنْ لَمْ يُتَابَعْ
عَلَى حَدِيثِهِ يُضَعَّفُ، كأنَّ فيه شيئًا مِنَ القولِ بعَدَمِ العملِ بحديثِ الآحادِ،
واللهُ المُسْتَعَانُ.
نَقْضُ رَأْيٍ لابْنِ القَطَّانِ
الفَاسِيِّ:
وَيُقَالُ أَيْضًا فِي هٰذَا الصَّدَدِ:
إِنَّ قَاعِدَةَ ابْنِ الْقَطَّانِ الْفَاسِيِّ رَحِمَهُ اللّٰهُ، وَالَّتِي تُوجَدُ
فِي تَخْرِيجَاتِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي هٰذَا الْعَصْرِ، أَنَّ الرَّاوِيَ إِنْ
لَمْ يُوجَدْ فِيهِ تَعْدِيلٌ، فَهُوَ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ، وَيُرَدُّ حَدِيثُهُ
بِذٰلِكَ!.
وَمِثَالُ ذَٰلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ
القَطَّانِ رَحِمَهُ اللهُ: أَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَنْ: «عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدِ
بْنِ يَزِيدَ الأَيْلِيِّ»، قَالَ: «لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ، بَلْ أَخَافُ أَنْ
يَكُونَ عَلَى نَقِيضِ ذٰلِكَ، وَذٰلِكَ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ حَكَى أَنَّهُ كَانَ
عَلَى خَرَاجِ مِصْرَ، فَكَانَ يُعَلِّقُ النِّسَاءَ بِالثَّدْيِ»[113].
قُلتُ: وَهٰذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ
كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَطَّانِ -رَحِمَهُ اللّٰهُ-، وَهٰذَا الرَّاوِي قَدْ
أَخْرَجَ لَهُ البُخَارِيُّ رحمه الله حَدِيثَهُ فِي تِسْعَةِ مَوَاضِعَ مِنَ «الصَّحِيحِ».
فَمَنْ أَوْلَى بِالْأَخْذِ بِمَنْهَجِهِ: البُخَارِيُّ - رحمه الله- أَمِ ابْنُ القَطَّانِ؟
وَلِهٰذَا نُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ
أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ هٰذَا الْعِلْمِ، فَعَلَيْهِ بِكُتُبِ السُّنَّةِ وَطَرِيقَةِ
هٰؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْأَوَائِلِ، بَدَلًا مِنْ هٰذَا التَّخَبُّطِ وَالشَّتَاتِ.
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي
تَرْجَمَةِ حَفْصِ بْنِ بُغَيْلٍ:
«فَإِنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ يَتَكَلَّمُ
فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ إِمَامٌ عَاصَرَ ذَاكَ الرَّجُلَ –أَوْ أَخَذَ عَمَّنْ
عَاصَرَهُ– مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَهٰذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ
مِنْ هٰذَا النَّمَطِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مَسْتُورُونَ، مَا ضَعَّفَهُمْ أَحَدٌ، وَلَا
هُمْ بِمَجَاهِيلَ»."[114].
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي «مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ»:
«وَفِي رُوَاةِ الصَّحِيحَيْنِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا نَصَّ عَلَى
تَوْثِيقِهِمْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْمَشَايِخِ قَدْ رَوَى
عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، أَنَّ حَدِيثَهُ
صَحِيحٌ»[115].
هٰذَا، وَلَوْ أَرَدْتُ تَتَبُّعَ مَا فِي
كَلَامِ الشَّيْخِ مَاهِرٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي هٰذَا الْمَقَامِ، لَطَالَ الأَمْرُ جِدًّا،
يَكْفِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى حَدِيثٍ بِالنَّكَارَةِ فِي تَحْقِيقِهِ
لِصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِسَبَبِ رَاوٍ، هٰذَا الرَّاوِي حَدِيثُهُ مُخَرَّجٌ فِي
«الْبُخَارِيِّ»، فَيَكُونُ ابْنُ خُزَيْمَةَ قَدِ اتَّفَقَ مَعَ الْبُخَارِيِّ فِي
تَوْثِيقِ هٰذَا الرَّاوِي تَوْثِيقًا ضِمْنِيًّا، فَلِمَاذَا يُضَعِّفُ إذًا رِوَايَةَ
ابْنِ خُزَيْمَةَ التي أَخْرَجَهَا لِهٰذَا الرَّاوِي، وَيَسْكُتُ عَلَىٰ رِوَايَةِ
البُخَارِيِّ؟
وَالخُلاَصةُ: إِذَا حَكَمَ الْمُحَقِّقُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ فِي
كِتَابٍ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ، ظَنَّ الْقَارِئُ أَنَّ مُؤَلِّفَ الْكِتَابِ مُتَسَاهِلٌ
يُصَحِّحُ الْمَنَاكِيرَ، وَاللّٰهُ الْمُسْتَعَانُ.
نَعُودُ إِلَى صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ
-رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ طَرِيقَتِهِ فِي صَحِيحِهِ أَنْ يُعِلَّ
الأَحَادِيثَ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنْ يَصِفَ الحَدِيثَ بِالغَرَابَةِ مَرَّتَيْنِ،
فَيَقُولُ: "خَبَرٌ غَرِيبٌ غَرِيبٌ"، أَوْ يُقَدِّمَ المَتْنَ عَلَى الإِسْنَادِ،
أَوْ يُعَلِّقَ صِحَّةَ الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: "إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ".
سَادسًا: وَأَيْضًا مِنْ طَرِيقَتِهِ فِي إِعْلَالِ الأَحَادِيثِ
أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ فِي قَلْبِهِ مِنَ الإِسْنَادِ شَيْءٌ، وَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
"بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ إِنْ صَحَّ الخَبَرُ، فَإِنَّ فِي القَلْبِ مِنْ
هَذَا الإِسْنَادِ شَيْءٌ"[116].
وَيَكُونُ بهذا ابْنُ خُزَيْمَةَ - رحمه الله-
مَعَ زُمْرَةِ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ الَّذِينَ ضَعَّفُوا هٰذَا الحَدِيثَ كَالإِمَامِ
أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ رَحمَهم اللهُ أجمعينَ،
وَيَتَبَيَّنُ بِهِذا فَسَادُ حُكْمِ مَنْ قَالَ بِصِحَّة هٰذَا الحَدِيثُ الظَّاهِرُ
البُطْلَان.
وَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثًا
فِي الاسْتِسْقَاءِ: "فِي القَلْبِ مِنَ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، فَإِنَّ فِي
حَدِيثِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ تَخْلِيطٌ كَثِيرٌ"[117]
وَقَالَ: "بَابُ إِمَامَةِ المُسَافِرِ
المُقِيمِينَ، وَإِتْمَامِ المُقِيمِينَ صَلَاتَهُمْ بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ إِنْ
ثَبَتَ الخَبَرُ، فَإِنَّ فِي القَلْبِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَإِنَّمَا
خَرَّجْتُ هَذَا الخَبَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ لِأَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ لَا يَخْتَلِفُ
العُلَمَاءُ فِيهَا"[118].
قُلْتُ: وَفِي هَذَا التَّبْوِيبِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ
فِي بَيَانِ مَنْهَجِ العُلَمَاءِ فِي تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ لِلِاسْتِئْنَاسِ
فِي المَسَائِلِ المُجْمَعِ عَلَيْهَا.
هَذا؛ وَإِعْلَالُ ابْنِ خُزَيْمَةَ
الأَحَادِيثَ بِهَذَا الحَرْفِ "فِي القَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ" مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ
فِي صَحِيحِهِ، حَتَّى أَنَّهُ ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ كِتَابِهِ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ
كِتَابِ الصِّيَامِ: "المُخْتَصَرُ، مِنَ المُخْتَصَرِ، مِنَ المُسْنَدِ عَنِ
النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرْنَا
بِنَقْلِ العَدْلِ عَنِ العَدْلِ مَوْصُولًا إِلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ فِي الإِسْنَادِ، وَلَا جَرْحٍ فِي نَاقِلِي الأَخْبَارِ إِلَّا
مَا نَذْكُرُ أَنَّ فِي القَلْبِ مِنْ بَعْضِ الأَخْبَارِ شَيْءٌ، إِمَّا لِشَكٍّ فِي
سَمَاعِ رَاوٍ ممِنْ فَوْقِهِ خَبَرًا، أَوْ رَاوٍ لَا نَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا
جَرْحٍ، فَنُبَيِّنُ أَنَّ فِي القَلْبِ مِنْ ذَلِكَ الخَبَرِ، فَإِنَّا لَا نَسْتَحِلُّ
التَّمْوِيهَ عَلَى طَلَبَةِ العِلْمِ بِذِكْرِ خَبَرٍ غَيْرِ صَحِيحٍ لَا نُبَيِّنُ
عِلَّتَهُ فَيَغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُهُ. فَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ"[119].
سَابعًا:
وَكَذَا يُعِلُّ
ابْنُ خُزَيْمَةَ الأَحَادِيثَ فِي «صَحِيحِهِ» بِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى السَّمَاعِ.
كَقَوْلِهِ: "أَمَّا خَبَرُ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَإِنَّ فِيهِ نَظَرًا، لِأَنِّي لَا أَقِفُ عَلَى
سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الخَبَرَ مِنَ الأَسْوَدِ"[120]
فَأَعَلَّ الحَدِيثَ بِعَدَمِ
وقُوفه عَلَى السَّمَاعِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَا يُكَرِّرُهُ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ أَصْحَابُ
شَرْطِ البُخَارِيِّ، وَكَأَنَّ شَرْطَ السَّمَاعِ قَدِ اخْتَصَّ بِهِ صَحِيحُ البُخَارِيِّ
دُونَ جَمِيعِ كُتُبِ الحَدِيثِ الأُخْرَى!
وَابْنُ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-
أَعَلَّ أَحَادِيثَ عَدِيدَةً فِي صَحِيحِهِ بِعَدَمِ السَّمَاعِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَحْيَانًا
يُبَرْهِنُ عَلَى الطَّعْنِ فِي السَّمَاعِ، وَهَذَا مِنْ خَفَايَا عِلْمِ عِلَلِ الحَدِيثِ.
فَقَالَ مَثَلًا: "بَابُ اخْتِيَارِ
صَلَاةِ المَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا عَلَى صَلَاتِهَا فِي المَسْجِدِ، إِنْ ثَبَتَ الخَبَرُ،
فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ السَّائِبَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ،
وَلَا أَقِفُ عَلَى سَمَاعِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ هَذَا الخَبَرَ مِنَ ابْنِ
عُمَرَ، وَلَا هَلْ سَمِعَ قَتَادَةُ خَبَرَهُ مِنْ مُورَقٍ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ
أَمْ لَا؟ بَلْ كَأَنِّي لَا أَشُكُّ أَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الأَحْوَصِ،
لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ أَبِي الأَحْوَصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي
الأَحْوَصِ مُورَقًا، وَهَذَا الخَبَرُ نَفْسُهُ أَدْخَلَ هَمَّامٌ وَسَعِيدُ بْنُ
بَشِيرٍ بَيْنَهُمَا مُورَقًا"[121].
قُلْتُ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُبَيِّنُ
مَنْزِلَةَ هَذَا الْإِمَامِ فِي عِلْمِ الْعِلَلِ؛ فَإِنَّ الرَّاوِيَ الْمُدَلِّسَ
إِذَا كَانَ قَدْ رَوَى أَحَادِيثَ عَنْ رَجُلٍ بِوَاسِطَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا فِي
هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْقَطَ تِلْكَ الْوَاسِطَةَ
مَرَّةً، وَرَوَى مُبَاشَرَةً عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ، فَالْغَالِبُ الْقَوِيُّ هُنَا
أَنَّهُ قَدْ دَلَّسَ، وَأَسْقَطَ الْوَاسِطَةَ مِنَ الْإِسْنَادِ. وَلِهَذَا شَكَّك
ابْنُ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي سَمَاعِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ.
ثَامِنًا: أَنَّهُ يُخْرِجُ الحَدِيثَ المُعَلَّ، لِأَنَّهُ تَحَمَّلَهُ مَعَ حَدِيثٍ
صَحِيحٍ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي بَابِ الزَّجْرِ عَنْ إِمَامَةِ
المَرْءِ مَنْ يَكْرَهُ إِمَامَتَهُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ الهُذَلِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ،
وَلَا تُجَاوِزُ رُءُوسَهُمْ: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ
صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ، وَامْرَأَةٌ دَعَاهَا زَوْجُهَا مِنَ اللَّيْلِ
فَأَبَتْ عَلَيْهِ".
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ
بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الوَلِيدِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَرْفَعُهُ،
يَعْنِي مِثْلَ هَذَا.
ثُمَّ بَيَّنَ الإِمَامُ عِلَّةَ
إِخْرَاجِهِ لِلْحَدِيثِ الأَوَّلِ المرسَلِ، فَقَالَ:
"أَمْلَيْتُ الجُزْءَ الأَوَّلَ
وَهُوَ مُرْسَلٌ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ حَدَّثَنَاهُ "عِيسَى"
فِي عَقِبِهِ، يَعْنِي بِمِثْلِهِ، لَوْلَا هَذَا لَمَا كُنْتُ أُخْرِجُ الخَبَرَ المُرْسَلَ
فِي هَذَا الكِتَابِ"[122].
قُلْتُ: فَهُوَ تَحَمَّلَ هَذَا الحَدِيثَ
بِإِسْنَادَيْنِ، أَحَدُهُمَا مُرْسَلٌ، وَالآخَرُ مُتَّصِلٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَتْنَ
فِي السِّيَاقِ الْمُرْسَلِ، فَأَخْرَجَهُمَا كَمَا تَحَمَّلَهُمَا.
تَاسِعًا: أَنَّهُ قَدْ يُمْلِي الحَدِيثَ عَلَى طُلَّابِهِ، ثُمَّ
يَظْهَرُ لَهُ عِلَّتُهُ فِيمَا بَعْدُ، فَيُنَبِّهُ عَلَى العِلَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ
لَهُ، كَقَوْلِهِ:
"غَلِطْنَا فِي إِخْرَاجِ الحَدِيثِ،
لِأَنَّ هَذَا مُرْسَلٌ. مُوسَى بْنُ أَبِي عُثْمَانَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
أَبُوهُ أَبُو عُثْمَانَ التَّبَّانُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا سَمِعَهَا
مِنْهُ"[123].
وَقَوْلِهِ: "هَذَا الخَبَرُ
لَهُ عِلَّةٌ، لَمْ يَسْمَعْهُ الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ، لَمْ أَكُنْ فَهِمْتُهُ فِي
الوَقْتِ الَّذِي أَمْلَيْتُ هَذَا الخَبَرَ"[124].
وَقَوْلِهِ: "خَبَرُ حَمَّادِ
بْنِ زَيْدٍ غَيْرُ مُتَّصِلِ الإِسْنَادِ، غَلِطْنَا فِي إِخْرَاجِهِ. فَإِنَّ بَيْنَ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانٍ،
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وَعُبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ"[125].
وَكَقَوْلِهِ: "وَإِنَّمَا أَمْلَيْتُ
هَذَا الخَبَرَ، وَبَيَّنْتُ عِلَّتَهُ فِي هَذَا الوَقْتِ، مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَرَّ
بَعْضُ طُلَّابِ العِلْمِ بِرِوَايَةِ الثَّقَفِيِّ وَخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَيَتَوَهَّمَ
أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الوَهَّابِ وَخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ صَحِيحَةٌ"[126].
عَاشِرًا: وَمِمَّا يُعَلُّ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ الحَدِيثَ أَنْ يَتَبَرَّأَ
مِنْ عُهْدَةِ الإِسْنَادِ أَوْ مِنْ أَحَدِ رُوَاةِ السَّنَدِ، كَقَوْلِهِ:
"أَنَا أَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ
هَذَا الإِسْنَادِ لِمَعْمَرٍ"[127].
يَعْنِي: بِسَبَبِ مَعْمَرٍ، وَهُوَ
مَعْمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ القُرَشِيُّ، وَهُوَ
مُنْكَرُ الحَدِيثِ، مُتَّهَمٌ.
وَكَقَوْلِهِ: "وَرَوَى سَلَمَةُ
بْنُ وَرْدَانَ، وَأَنَا أَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ هَذَا الخَبَرِ، عَنْ أَنَسٍ، فَأَخْطَأَ
فِي هَذَا الإِسْنَادِ"[128].
وَقَوْلِهِ: "أَنَا أَبْرَأُ
مِنْ عُهْدَةِ شُرَحْبِيلَ بْنِ الحَكَمِ وَعَامِرِ بْنِ نَائِلٍ، وَقَدْ أَغْنَانَا
اللهُ - فَلَهُ الحَمْدُ كَثِيرًا- عَنِ الِاحْتِجَاجِ فِي هَذَا البَابِ بِأَمْثَالِهَا"[129].
وَقَوْلِهِ: "أَنَا أَبْرَأُ
مِنْ عُهْدَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ"[130].
قُلْتُ: وَلَكِنْ يُنَتبَّهُ أَنَّهُ
إِذَا ذَكَرَ تَبَرِّئَهُ مِنْ رَاوٍ فِي مَوْضِعٍ، وَسَكَتَ عَنْهُ بَعْدَها، فَإِنَّ
الحُكْمَ هُوَ الضَّعْفُ؛ فَإِنَّهُ فِي «الصَّحِيحِ» رَوَى حَدِيثًا فِيهِ رَاوٍ مُهمل،
ثُمَّ عرف به، فقَالَ: "هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ المَكِّيُّ، وَأَنَا
أَبْرَأُ مِنْ عُهْدَتِهِ"[131].
وخَرَّجَ لَهُ حَدِيثًا فِي كِتَابِ
«التَّوْحِيدِ» وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ[132].
وَإِسْمَاعِيلُ هَذَا ضَعِيفٌ مُخْلِطٌ،
ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ، فَالحَدِيثُ الَّذِي فِي كِتَابِ
«التَّوْحِيدِ» ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّ هَذَا الرَّاوِي لَيْسَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ
ابْنُ خُزَيْمَةَ بِحَدِيثِهِ.
الحَادِيَ عَشَرَ: بِأَنْ يُوهِمَ أَحَدُ الثِّقَاتِ، كَقَوْلِهِ:
"الجَوَادُ قَدْ يَعْثُرُ فِي
بَعْضِ الأَوْقَاتِ، وَهِمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِ خَبَرِ الأَعْمَشِ،
مَعَ حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَعِلْمِهِ بِالأَخْبَارِ، فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ
عَبْدِ اللهِ، وَإِنَّمَا هُوَ: عَنْ عَلْقَمَةَ"[133].
وَقَوْلِهِ: "وَمَعْمَرٌ فِيمَا
أَحْسَبُ وَاهِمٌ فِي جَمْعِهِ القِصَّتَيْنِ فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ
عِلَّةَ هَذَا الخَبَرِ فِي كِتَابِ «الكَبِيرِ»"[134].
وَقَوْلِهِ: "فِي القَلْبِ مِنْ
هَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَعْنِي قَوْلَهُ:
"أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ".
وَأَهَابُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَهْمًا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَوْ مِمَّنْ
دُونَهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ أَرْضَى، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ"[135].
قُلْتُ: وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
هُوَ "غُنْدَرٌ"، رَبِيبُ شُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَمِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ
فِيهِ، وَهُوَ ثِقَةٌ صَحِيحُ الكِتَابِ.
فَابْنُ خُزَيْمَةَ هُنَا وَهِمَهُ
فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَ طُرُقًا فِيها زِيَادَةِ رَجُلٍ.
وَهَذَا الحَدِيثُ مِنَ الأَسَانِيدِ
الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَفِيهَا ذِكْرُ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ صَاحِبِ
«الصَّحِيحِ».
الثَّانِيَ عَشَرَ: نَصَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الرُّوَاةِ
أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْهُمْ، فَإِنْ وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي «صَحِيحِهِ»، وَلَمْ
يَتَكَلَّمْ عَلَى حَدِيثِهِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ شَرْطِ الكِتَابِ.
فَقَدْ نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ
بْنُ جَعْفَرٍ - شَيْخُ الحَاكِمِ- عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:
"لَسْتُ أَحْتَجُّ بِشَهْرِ
بْنِ حَوْشَبٍ، وَلَا بِحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ لِمَذْهَبِهِ، وَلَا بِعَبْدِ اللهِ
بْنِ عُمَرَ، وَلَا بِبَقِيَّةَ، وَلَا بِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَلَا بِأَشْعَثَ
بْنِ سَوَّارٍ، وَلَا بِعَلِيِّ بْنِ جُدْعَانَ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَلَا بِعَاصِمِ
بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَلَا بِابْنِ عَقِيلٍ، وَلَا بِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ،
وَلَا بِمُجَالِدٍ، وَلَا بِحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ إِذَا قَالَ: عَنْ، وَلَا بِأَبِي
حُذَيْفَةَ النَّهْدِيِّ، وَلَا بِجَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، وَلَا بِأَبِي مَعْشَرٍ
نَجِيحٍ، وَلَا بِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَا بِقَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ".[136]
قُلتُ: وقدْ تَتَبَّعتُ
أحاديثَ هؤلاءِ في صَحيحِهِ، فَوَجَدتُهُ رَوَى عن بَعضِهِم، ولم يَرْوِ عن البَعضِ
الآخَرِ.
فقد رَوَى عن أَشعَثَ
بنِ سَوَّارٍ وذَكَرَهُ بسُوءِ الحِفْظِ[137].
ورَوَى عن يَزيدَ
بنِ أَبِي زِيادٍ، وقالَ: "وفي القَلْبِ مِنهُ".
ورَوَى حديثًا
عن حَجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، وشَكَّكَ فيهِ لِرِوايَةِ حَجَّاجٍ لهُ بِالعنعَنَةِ.
ورَوَى عن قَابُوسَ
بنِ أَبِي ظَبْيانَ، وقالَ: "لا يَجُوزُ الاحتِجاجُ بِخَبَرِهِ".
ورَوَى عن عاصِمِ
بنِ عُبَيْدِ اللهِ العَدَوِيِّ، وتَبَرَّأَ مِنهُ، فإنَّهُ كانَ مُنْكَرَ الحديثِ".
وقالَ:
"وسَمِعتُ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ يقولُ: سَأَلْنا يَحيى بنَ مَعينٍ، فَقُلنا:
عَبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ أَحبُّ إلَيْكَ أمْ عاصِمُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ؟
قالَ: لَسْتُ أُحِبُّ واحِدًا مِنهُما".
ثم قالَ: كُنتُ
لا أُخْرِجُ حديثَ عاصِمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ في هذا الكِتابِ، ثم نَظَرْتُ فإذا شُعْبَةُ
والثَّوْرِيُّ قد رَوَيَا عنهُ، ويَحيى بنُ سَعِيدٍ، وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ،
وهما إمَاما أهلِ زمانِهما قد رَوَيَا عن الثَّوْرِيِّ عنهُ.
وقد رَوَى عنهُ
مالِكٌ خَبَرًا في غيرِ "المُوَطَّإِ"[138].
قُلتُ: لا يُفْهَمُ
مِنْ هذا السِّياقِ أنَّهُ يُحَسِّنُ حالَهُ، فهو عندَهُ مُنْكَرُ الحديثِ لَيْسَ مِنْ
شَرْطِ كِتابِهِ، ولكنَّهُ يَنْقُلُ كلامَ العُلَماءِ ومَذْهَبَهُم في الرَّاوِي.
وجاءَ في هذا السِّياقِ
جَرْحُ الإمامِ يَحيى بنِ مَعينٍ لِعَبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، غيرَ أنَّ
ابنَ خُزَيْمَةَ أَخْرَجَ لهُ حديثَ: "كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لا يَخْرُجُ يومَ العِيدِ حتَّى يَطْعَمَ، فإذا خَرَجَ صَلَّى للنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ،
فإذا رَجَعَ صَلَّى في بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ، وكانَ لا يُصَلِّي قبلَ الصَّلاةِ شيئًا"[139].
وسَكَتَ عليهِ
ولم يُعِدِ الجَرْحَ مَرَّةً أُخْرَى، وكذا سَكَتَ عليهِ في كِتابِ التَّوْحِيدِ.
فالأصلُ هنا أيضًا أنَّ هذا الرَّاوِيَ لَيْسَ على شَرْطِ
الكِتابِ، وأنَّهُ اكتَفَى بِجَرْحِ ابنِ مَعينٍ لهُ.
وأمَّا باقي مَن
ذَكَرْنا مِنَ الرُّواةِ، فلم يَرْوِ عنهم، ومِنهم: حَريزُ بنُ عُثمانَ الحِمصيُّ،
فلم يُخْرِجْ لهُ معَ ثِقَتِهِ، لأنَّهُ كانَ ناصِبيًّا شَديدَ الحَمْلِ على أَميرِ
المُؤمِنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي اللهُ عنهُ.
وإنْ وُجِدَ في
كِتابِهِ شيءٌ عن هؤلاءِ فليسَ فيهِ حديثٌ مَرْفُوعٌ، وإنَّما هي أحاديثُ مَوْقوفةٌ
أو مَقْطوعةٌ، واللهُ أعلَمُ.
الثَّالِثُ عَشَرَ: حُكْمُهُ على الحديثِ بِالنَّكارَةِ لِتَفَرُّدِ ضَعِيفٍ
بهِ، كقولِهِ:
"هذا خَبَرٌ
ليسَ لهُ مِنَ القَلْبِ مَوْقِعٌ، وهو خَبَرٌ مُنْكَرٌ، لولا ما اسْتَدْلَلْتُ مِنْ
خَبَرِ صَفِيَّةَ على إباحةِ السَّمَرِ لِلمُعْتَكِفِ، لم يَجُزْ أنْ يُجْعَلَ لهذا
الخَبَرِ بابٌ على أَصْلِنا"[140].
قُلتُ: يَقْصِدُ
أَصْلَ اشتِراطِ الصِّحَّةِ مِنْ رِوايَةِ الثِّقاتِ، لأنَّ هذا الحديثَ تَفَرَّدَ
بهِ "المُعَلَّى بنُ عَبدِ الرَّحمنِ الوَاسِطيُّ"، قالَ فيهِ يَحيى بنُ
مَعينٍ: "أَحْسَنُ أَحْوالِهِ عندي أنَّهُ قِيلَ لهُ عندَ مَوْتِهِ: ألا تَسْتَغْفِرُ
اللهَ؟ فقالَ: ألا أَرْجُو أنْ يَغْفِرَ لي، وقدْ وَضَعْتُ في فَضْلِ عَلِيِّ بنِ أبي
طالِبٍ سَبْعِينَ حديثًا، وذهب ابن المَدِينيّ إلى أَنَّهُ كَانَ يكذب"[141].
الرَّابِعُ عَشَرَ: أنْ يَرْوِيَ الحديثَ، ولكنْ يقولَ إنَّهُ لا يَحِلُّ لأَحَدٍ
أنْ يَرْوِيَهُ عنهُ بِسَبَبِ عِلَّةٍ فيهِ، كقولِهِ:
"ولا أُحِلُّ
لأَحَدٍ أنْ يَرْوِيَ عنِّي هذا الخَبَرَ إلَّا على هذه الصِّيغَةِ؛ فإنَّ هذا إِسْنادٌ
مَقْلُوبٌ"[142].
الخامسُ عَشَرَ:
أنْ يَذْكُرَ أنَّهُ لا يَحْفَظُ أحاديثَ ثابِتَةً في البابِ،
كقولِهِ:
"قدْ خَرَّجْتُ طُرُقَ أَخْبارِ ابنِ عَبَّاسٍ
في كِتابي (الكبير) أنَّ النَّبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (أَيْنِي! لا تَرْمُوا
الجَمْرَةَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ)، ولَسْتُ أَحْفَظُ في تلكَ الأَخْبارِ إِسْنادًا
ثابِتًا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ"[143].
وقولِهِ:
"ولَسْتُ أَحْفَظُ خَبَرًا ثابِتًا عنِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في
القُنوتِ في الوِتْرِ، وقدْ كُنتُ بَيَّنْتُ في تلكَ المَسْأَلَةِ عِلَّةَ خَبَرِ أُبَيِّ
بنِ كَعْبٍ عنِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ذِكْرِ القُنوتِ في الوِتْرِ،
وبَيَّنْتُ أسانيدَها، وأَعْلَمْتُ في ذلكَ المَوْضِعِ أنَّ ذِكْرَ القُنوتِ في خَبَرِ
أُبَيٍّ غيرُ صَحيحٍ، على أنَّ الخَبَرَ عن أُبَيٍّ أيضًا غيرُ ثابِتٍ في الوِتْرِ
بثَلاثٍ"[144].
قُلتُ: ومُراجَعَةُ
هذه المَسْأَلَةِ في كِتابِ هذا الإمامِ غايَةٌ في الأَهمِّيَّةِ، لأنَّها تُوَضِّحُ
الفَرْقَ بين مَنهَجِ هؤلاءِ العُلَماءِ ومَنهَجِ مَنْ تَأَخَّرَ عنهم، وكيفَ كانَ
فَهمُ هؤلاءِ العُلَماءِ لهذا العِلْمِ، وأنَّ التَّرجيحَ بين الرِّواياتِ يَحْتاجُ
فَهْمًا جيِّدًا لِعِلْمِ عِلَلِ الحديثِ، ولا يَقْتَصِرُ فقط على النَّظَرِ في رِجالِ
الأسانيدِ، واللهُ المُسْتَعانُ.
السادسُ عَشَرَ: ذِكْرُهُ أنَّ الحديثَ فيهِ إدْراجٌ، كقولِهِ:
"هكذا حَدَّثَنا
بهِ ابنُ أبي صَفوانَ، وأَهابُ أنْ يكونَ الكلامُ الأخيرُ عن غيرِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ،
لَعَلَّهُ مِنْ كلامِ الثَّوْرِيِّ، أو مِنْ قَوْلِ أبي حازِمٍ، فأُدْرِجَ في الحديثِ"[145].
وقولِهِ:
"وهذهِ اللَّفْظَةُ (والحِجامةُ لِلصَّائِمِ): إنَّما هي مِنْ قَوْلِ أبي سَعِيدٍ
الخُدْرِيِّ، لا عنِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أُدْرِجَ في الخَبَرِ، لَعَلَّ
المُعْتَمِرَ -يَعني: ابنَ سُلَيْمانَ- حَدَّثَ بهذا حِفْظًا فأَدْرَجَ هذه الكَلِمَةَ
في خَبَرِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"[146].
وقولِهِ:
"وعِكْرِمَةُ بنُ إِبراهيمَ أَدْرَجَ هذه القِصَّةَ في خَبَرِ أَنَسِ بنِ مالِكٍ،
وهذه القِصَّةُ غيرُ مَحفوظةٍ عن أَنَسٍ"[147].
السابعُ عَشَرَ: إِعْلالُ الحديثِ بِذِكْرِ عَيْبٍ في الرَّاوِي، أو وَصْفٍ
الحديثِ بوصْفٍ غيرِ مَشْهورٍ، كقولِهِ:
"في القَلْبِ
مِنَ النُّعمانِ بنِ راشِدٍ، فإنَّ في حديثِهِ عنِ الزُّهريِّ تَخْليطًا كَثيرًا"[148].
وقولِهِ:
"رَوَى هذا الخَبَرَ مَن لَيْسَ الحديثُ صِناعَتَهُ، فَجاءَ بِطامَّةٍ، رَوَاهُ
عن سُلَيْمانَ التَّيميِّ، فقالَ: عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ، عن رَسولِ اللهِ صلى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ... وهذا خَطَأٌ فاحِشٌ، والخَبَرُ إنَّما هو عن سُلَيْمانَ، عن أبي المِنْهالِ
سَيَّارِ بنِ سَلامَةَ، عن أبي بَرْزَةَ، كذا رواهُ هؤلاءِ الحُفَّاظُ الَّذينَ الحديثُ
صِناعتُهُم"[149].
وقولِهِ:
"وقدْ رَوَى الكُوفِيُّونَ أَعْجُوبَةً عنِ ابنِ عُمَرَ، إنِّي خائِفٌ أنْ لا
تَجُوزَ رِوايَتُها إلَّا لِتَبيينِ عِلَّتِها، لا أَنَّها أَعْجُوبَةٌ في المَتْنِ،
إلَّا أَنَّها أَعْجُوبَةٌ في الإِسْنادِ في هذه القِصَّةِ، رَوَوْا عن نافعٍ وعَطِيَّةَ
بنِ سَعْدٍ العَوْفِيِّ، عنِ ابنِ عُمَرَ، قالَ: (صَلَّيْتُ معَ النَّبيِّ صلى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ معهُ في الحَضَرِ الظُّهرَ أَرْبَعَ
رَكْعاتٍ وبَعْدَها رَكْعتَيْنِ...)، ثم ذَكَرَ تَمامَ الحديثِ".
ثم قالَ:
"ورَوَى هذا الخَبَرَ جَماعَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ عن عَطِيَّةَ عنِ ابنِ عُمَرَ،
منهم: أَشْعَثُ بنُ سَوَّارٍ، وفِراسٌ، وحَجَّاجُ بنُ أَرْطَاةَ، منهم مَنِ اخْتَصَرَ
الحديثَ، ومِنهم مَن ذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
وهذا خَبَرٌ لا
يَخْفى على عالِمٍ بالحديثِ أنَّ هذا غَلَطٌ وسَهْوٌ عنِ ابنِ عُمَرَ، قدْ كانَ ابنُ
عُمَرَ رَحِمَهُ اللهُ يُنْكِرُ التَّطَوُّعَ في السَّفَرِ، ويقولُ: لو كُنتُ مُتَطَوِّعًا
ما بالَيْتُ أنْ أُتِمَّ الصَّلاةَ، وقالَ: رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ لا يُصَلِّي قَبْلَها، ولا بَعْدَها في السَّفَرِ"[150].
الثَّامِنَ عَشَرَ:
أَنَّهُ يُسْقِطُ أَحَادِيثَ البَابِ بِالكُلِّيَّةِ، بِسَبَبِ
الِاخْتِلَافِ بَيْنَ رُوَاتِهَا وَضَعْفِهِمْ.
كَقَوْلِهِ: وَقَدْ
رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ:
"اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "الْحَمْدُ لِلَّهِ
كَثِيرًا" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، "سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ: "إِلَّا
أَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِ خَبَرِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ"، ثُمَّ
أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَمِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
ثُمَّ قَالَ:
"وَعَاصِمُ العَنْزِيُّ وَعَبَّادُ بْنُ عَاصِمٍ مَجْهُولَانِ، لَا يُدْرَى مَنْ
هُمَا؟ وَلَا يُعْلَمُ الصَّحِيحُ، مَا رَوَى حُصَيْنٌ أَوْ شُعْبَةُ؟".
ثُمَّ رَوَاهُ
مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ، مِنْ حَدِيثِ مُؤَمَّلِ بْنِ هِشَامٍ وَسَلِمِ بْنِ جَنَادَةَ،
غَيْرَ أَنَّ فِيهِ ضَعِيفًا أَيْضًا، فَقَالَ: "وَحَارِثَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ
- رَحِمَهُ اللهُ- لَيْسَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ أَهْلُ الحَدِيثِ بِحَدِيثِهِ"[151].
قَالَ: "وَهَذَا
صَحِيحٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ مِثْلَ
حَدِيثِ حَارِثَةَ، لَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَلَسْتُ أَكْرَهُ الِافْتِتَاحَ بِقَوْلِهِ: عَلَى مَا ثَبَتَ
عَنِ الفَارُوقِ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ، غَيْرَ أَنَّ
الِافْتِتَاحَ بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي
خَبَرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا، بِنَقْلِ العَدْلِ
عَنِ العَدْلِ مَوْصُولًا إِلَيْهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَبُّ إِلَيَّ
وَأَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ، إِذِ اتِّبَاعُ سُنَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- أَفْضَلُ وَخَيْرٌ مِنْ غَيْرِهَا"[152].
قُلْتُ: فَأَسْقَطَ
أَحَادِيثَ البَابِ المَرْفُوعَة، وَصَحَّحَ حَدِيثَ "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
وَبِحَمْدِكَ" مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَى
العَمَلِ بِالمَوْقُوفِ.
وَهَذَا الحَدِيثُ
المَوْقُوفُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، فَالحَدِيثُ كَمَا هُنَا ضَعَّفَهُ
ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ"، وَأَبُو
دَاوُدَ فِي "سُنَنِهِ"، وَنَقَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَضْعِيفَ أَبِي دَاوُدَ
لِلْحَدِيثِ إِقْرَارًا مِنْهُ بِالحُكْمِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي
"الأَوْسَطِ".
وَأَمَّا حَدِيثُ
أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَيْهِ
فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ:
"اللَّهُمَّ
بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ،
اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ،
اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ". وَالحَدِيثُ
مُخَرَّجٌ فِي "الصَّحِيحَيْنِ".
قُلْتُ: فَهَذِهِ
عِدَّةُ وُجُوهٍ مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقَةِ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ
-رَحِمَهُ اللهُ- فِي إِعْلَالِهِ لِبَعْضِ أَحَادِيثِ كِتَابِهِ، وَهَذَا حَسْبُ اسْتِقْرَائِي
لِلْكِتَابِ، وَلَا أَزْعُمُ أَنِّي تَفَرَّغْتُ لِدِرَاسَةِ الكِتَابِ كُلِّهِ، فَرُبَّمَا
تُوجَدُ وُجُوهٌ أُخْرَى لَمْ تُذْكَرْ هُنَا.
وَلِهَذَا يَلْزَمُ
مَنْ يُرِيدُ تَحْقِيقَ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ هَذَا الإِمَامِ أَنْ يَنْتَبِهَ جِدًّا
لِتَعْلِيقَاتِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي هَذِهِ الأَسَالِيبِ الَّتِي ذُكِرَتْ آنِفًا،
وَكَذَا يَنْظُرَ إِلَى رِجَالِ الإِسْنَادِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا سَكَتَ عَلَى حَدِيثٍ،
وَيَكُونُ قَدْ تَكَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ رُوَاتِهِ، فَيَكْتَفِي بِالكَلَامِ
الأَوَّلِ، وَيَظُنُّ المُحَقِّقُ أَنَّ سُكُوتَهُ تَصْحِيحٌ لِلْحَدِيثِ.
تنبيه:
كَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعْلَمَ
أَنَّ طَرِيقَةَ هَذَا الإِمَامِ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ فِي
التَّخْرِيجِ وَالتَّحْقِيقِ، فَإِنَّهُمَا يُخْرِجَانِ أَحَادِيثَ البَابِ وَيُحَقِّقَانِهَا
كَكُلٍّ.
وَلِهَذَا لَا
يَغْفُلْ مَنْ أَرَادَ الوُقُوفَ عَلَى حُكْمِ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ ابْنِ خُزَيْمَةَ
أَنْ يَنْظُرَ إِلَى السِّيَاقِ الَّذِي أَخْرَجَ فِيهِ الحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمَّا
أَرَادَ تَخْرِيجَ أَحَادِيثِ إِفْطَارِ الصَّائِمِ مِنَ الحِجَامَةِ، خَرَّجَ اثْنَيْ
عَشَرَ حَدِيثًا[153]،
مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ أَحَادِيثِ البَابِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ خَارِجِ البَابِ،
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِإِخْرَاجِهَا الِاسْتِدْلَالَ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ،
وَبَعْضُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ تَكَلَّمَ عَنْ عِلَّتِهَا، وَبَعْضُهَا سَكَتَ عَنْهَا.
غَيْرَ أَنَّهُ
جَاءَ فِي آخِرِ هَذَا الجَمْعِ فَقَالَ:
"فَكُلُّ
مَا لَمْ أَقُلْ إِلَى آخِرِ هَذَا البَابِ: إِنَّ هَذَا صَحِيحٌ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِنَا
فِي هَذَا الكِتَابِ"[154].
وَقَدْ قَالَ فِي
أَوَّلِ البَابِ:
"فَقَدْ ثَبَتَ
الخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ
الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»"[155].
وَنَقَلَ بِإِسْنَادِهِ
عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُدَيْنِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ قَالَ:
"لَا أَعْلَمُ فِي «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»
حَدِيثًا أَصَحَّ مِنْ ذَا"، وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا قَالَ بِهِ:
"يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الطَّائِيُّ".
فَالشَّاهِدُ: أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى حَدِيثٍ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ
الَّتِي خَرَّجَهَا الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا البَابِ وَسَكَتَ عَلَيْهَا،
وَلَمْ يَنْتَبِهْ لِلسِّيَاقِ، أَوْ لِمَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ فِي آخِرِ البَابِ وَأَوَّلِهِ،
سَيَظُنُّ أَنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَقَفَ
عَلَى عِلَّةٍ فِي الحَدِيثِ عِنْدَهَا، يَسُوءُ ظَنُّهُ بِالإِمَامِ.
وَلِهَذَا نُنَبِّهُ
أَنَّ طَرِيقَةَ هَذَا الإِمَامِ فِي صَحِيحِهِ تَتَّفِقُ مَعَ طَرِيقَةِ وَمَنْهَجِ
الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ فِي "جَامِعِهِ"، أَنَّهُمَا يُخْرِجَانِ أَحَادِيثَ
البَابِ ثُمَّ يُحَقِّقَانِهَا كَكُلٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كما نُؤَكِّدُ
عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، أَنَّ المُحَقِّقَ الَّذِي يُحَقِّقُ كِتَابًا وَيُهْمِلُ
طَرِيقَةَ وَتَعْلِيقَاتِ المُؤَلِّفِ يَقَعُ فِي أَخْطَاءٍ فَاحِشَةٍ.
فَرُبَّمَا صَحَّحَ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ المُؤَلِّفُ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِلَّتِهِ،
وَلِهَذَا نَرَى كَثِيرًا مِنْ صَنِيعِ هَؤُلَاءِ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي
وَادٍ وَمُؤَلِّفُ الكِتَابِ فِي وَادٍ آخَرَ، أَوْ يَتَعَامَلُ مَعَ نُصُوصِ الكِتَابِ
بِقَوَاعِدَ جَامِدَةٍ بَعِيدًا عَنْ مَرَادِ المُؤَلِّفِ وَطَرِيقَتِهِ، وَاللَّهُ
المُسْتَعَانُ.
وَأَمَّا أَفْضَلُ
أُسْلُوبٍ يَذْكُرُهُ المُحَقِّقُ عِنْدَ تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ هَذَا الكِتَابِ، فَأَظُنُّ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ الحَدِيثَ
وَصَحَّحَهُ، فَيَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: "أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ".
وَأَمَّا إِنْ
أَخْرَجَهُ الإِمَامُ وَضَعَّفَهُ، فَيَقُولُ: "أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي
صَحِيحِهِ، وَضَعَّفَهُ، فَذَكَرَ أَنَّ عِلَّتَهُ كَذَا وَكَذَا".
فَهَذِهِ أَفْضَلُ
طَرِيقَةٍ -بِإِذْنِ اللهِ-، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الشَّيْخَ الأَلْبَانِيَّ -رَحِمَهُ
اللهُ- ذَكَرَهَا.
هَذَا، وَلَمْ
يَتَوَقَّفْ مَنْهَجُ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ عَلَى تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ،
بَلْ إِنَّهُ جَعَلَ مِنْهُ مَوْسُوعَةً فِقْهِيَّةً قَائِمَةً عَلَى فِقْهِ الدَّلِيلِ،
وَتَقْدِيمِهِ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ. وَكَمَا رَدَّ عَلَى مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ
مِنَ الفِرَقِ كَالجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، رَدَّ أَيْضًا عَلَى مَنْ خَالَفَهَا
مِنَ الفُقَهَاءِ.
وَتَتَبُّعُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ يَطُولُ، وَنَكْتَفِي بِمِثَالٍ وَاحِدٍ يُبَيِّنُ
طَرِيقَتَهُ.
فَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَ صَلَاةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
التَّرَاوِيحَ بِأَصْحَابِهِ عِدَّةَ لَيَالٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ، فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ
هَذَا قَالَ: "كَرِهْتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الوِتْرُ"[156]
ثُم أَسْنَدَ سُؤَالًا لِعُبَادَةَ
بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ الوِتْرِ، فقال: "أَمْرٌ حَسَنٌ
جَمِيلٌ، عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ
مِنْ بَعْدِهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ"
ثُم قَالَ: "قَدْ خَرَّجْتُ
... أَخْبَارَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِعْلَامِهِ أَنَّ
اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
فَدَلَّتْ
تِلْكَ الأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ المُوجِبَ لِلْوِتْرِ فَرْضًا عَلَى العِبَادِ مُوجِبٌ
عَلَيْهِمْ سِتَّ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
وَهَذِهِ المَقَالَةُ خِلَافُ أَخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-، وَخِلَافُ مَا يَفْهَمُهُ المُسْلِمُونَ عَالِمُهُمْ وَجَاهِلُهُمْ، وَخِلَافُ
مَا تَفْهَمُهُ النِّسَاءُ فِي الخُدُورِ، وَالصِّبْيَانُ فِي الكَتَاتِيبِ وَالعَبِيدُ
وَالإِمَاءُ، إِذْ جَمِيعُهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الفَرْضَ مِنَ الصَّلَاةِ خَمْسٌ
لَا سِتٌّ"
ثُمَّ أَسْنَدَ إِلَى عَبْدِ الوَارِثِ
بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: "سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الوِتْرِ، فَقَالَ: فَرِيضَةٌ،
فَقِيلَ لَهُ: فَكَمِ الفَرْضُ؟ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ
فِي الوِتْرِ؟ قَالَ: فَرِيضَةٌ. فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ لَا تُحْسِنُ الحِسَابَ"[157]
كَمَا أَنهُ - رَحمَهُ الله- يَذْكُرُ قَوَاعِدَ
أُصُولِيَّةً أَثْنَاءَ تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ، كَقَوْلِهِ عِنْدَ حَدِيثِ:
"لَا تَصُومُ المَرْأَةُ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ
إِلَّا بِإِذْنِهِ"
"قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، مِنَ الجِنْسِ الَّذِي نَقُولُ: إِنَّ الأَمْرَ
إِذَا كَانَ لِعِلَّةٍ فَمَتَى كَانَتِ العِلَّةُ قَائِمَةً وَالأَمْرُ قَائِمٌ، فَالأَمْرُ
قَائِمٌ"[158]
وَقَالَ: "إِنَّ الأَمْرَ إِذَا
كَانَ لِعِلَّةٍ فَمَتَى كَانَتِ العِلَّةُ قَائِمَةً كَانَ الأَمْرُ وَاجِبًا"[159].
كَمَا تَعَرَّضَ أَيْضًا لِمُشْكِلِ
الحَدِيثِ، فَقَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: "مَذْهَبُنَا فِي جَمِيعِ العُلُومِ،
أَنَّ كُلَّ خَبَرَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يُؤَلَّفَ بَيْنَهُمَا فِي المَعْنَى لَمْ يَجُزْ
أَنْ يُقَالَ هُمَا مُتَضَادَّانِ مُتَهَاتِرَانِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا"[160]
وَفِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ
حَدِيثَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ
عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ؛ فَإِذَا صَلَّى الفَرِيضَةَ أَوِ الوِتْرَ نَزَلَ
وَصَلَّى عَلَى الأَرْضِ، قَالَ: "وَلَيْسَ هَذَا الخَبَرُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ
مَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الأَخْبَارِ يُضَادُّ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ، بَلِ الخَبَرَانِ
جَمِيعًا مُتَّفِقَانِ مُسْتَعْمَلَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخْبَرَ بِمَا
رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَفْعَلُهُ"[161].
وقال أبو أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ الحافِظُ:
سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: "لَا
أَعْرِفُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَانِ
بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّانِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَلْيَأْتِ بِهِ
حَتَّى أُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا"[162].
كما تَعَرَّضَ في كتابِهِ لِبَيَانِ غَرِيبِ
الحَدِيثِ، وَكَانَ يَحْتَجُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ
بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ اللُّغَةَ.
"وَكَانَ - رَحِمَهُ اللهُ- إِذَا شَكَّ
فِي شَيْءٍ مِنَ اللُّغَةِ رَجَعَ فِيهِ إِلَى أَبِي طَاهِرٍ المُحَمَّدَابَاذِيِّ".[163].
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الغَرِيبِ
فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَ حَدِيثَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَوَضَّأُ بِمَكُوكٍ، وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ
مَكَاكِيَّ"[164].
قَالَ: "المَكُوكُ فِي هَذَا الخَبَرِ المُدُّ نَفْسُهُ".
وقال: في بابِ "فَرْضِ صَدَقَةِ
الإِبِلِ وَالْغَنَمِ":
"النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ
فَتَمَّ لِوَلَدِهَا سَنَةٌ، وَدَخَلَ وَلَدُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ
كَانَ الوَلِيدُ ذَكَرًا فَهُوَ ابْنُ مَخَاضٍ، وَالأُنْثَى بِنْتُ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّ
النَّاقَةَ إِذَا وَلَدَتْ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الفَحْلِ لِيَضْرِبَهَا إِلَى سَنَةٍ،
فَإِذَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ مِنْ حِينِ وِلادَتِهَا رَجَعَتْ إِلَى الفَحْلِ، فَإِذَا
ضَرَبَهَا الفَحْلُ أُلْحِقَتْ بِالمَخَاضِ، وَهُنَّ الحَوَامِلُ، فَكَانَتِ الأُمُّ
مِنَ المَوَاخِضِ، وَالمَاخِضُ الَّتِي قَدْ خَاضَ الوَلَدُ فِي بَطْنِهَا، أَيِ تَحَرَّكَ
الوَلَدُ فِي البَطْنِ، فَكَانَ ابْنُهَا ابْنَ مَخَاضٍ وَابْنَتُهَا بِنْتَ مَخَاضٍ.
فَتَمْكُثُ النَّاقَةُ حَامِلًا سَنَةً
ثَانِيَةً، ثُمَّ تَلِدُ، فَإِذَا وَلَدَتْ صَارَ لَهَا ابْنٌ، فَسُمِّيَتْ لَبُونًا،
وَابْنُهَا ابْنَ لَبُونٍ، وَابْنَتُهَا بِنْتَ لَبُونٍ، وَقَدْ تَمَّ لِلْوَلَدِ سَنَتَانِ
وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ.
فَإِذَا مَكَثَ الوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ
تَمَامَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، سُمِّيَ "حِقَّةً"،
وَإِنَّمَا تُسَمَّى حِقَّةً لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ أُنْثَى اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُحْمَلَ
الفَحْلُ عَلَيْهَا وَتُحْمَلَ عَلَيْهَا الأَحْمَالُ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا اسْتَحَقَّ
الحَمُولَةَ عَلَيْهِ، فَسُمِّيَ حِقَّةً لِهَذِهِ العِلَّةِ.
فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا
يُضَافُ الوَلَدُ إِلَى الأُمِّ، فَيُسَمَّى إِذَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي
السَّنَةِ الثَّانِيَةِ "ابْنَ مَخَاضٍ"؛ لِأَنَّ أُمَّهُ مِنَ المَخَاضِ،
وَإِذَا تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ سُمِّيَ "ابْنَ
لَبُونٍ"؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَبُونٌ بَعْدَ وَضْعِ الحَمْلِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا
سُمِّيَ "حِقَّةً" لِعِلَّةِ نَفْسِهِ، عَلَى مَا بَيَّنْتُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ
الحَمُولَةَ.
فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ
وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ الخَامِسَةِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ "جَذَعٌ"، فَإِذَا
تَمَّتْ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ، فَهُوَ "ثَنِيٌّ"،
فَإِذَا مَضَتْ وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ "رَبَاعٌ"،
وَالأُنْثَى "رَبَاعِيَّةٌ".
فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تَمْضِيَ
السَّنَةُ السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَتِ السَّابِعَةُ وَدَخَلَ فِي الثَّامِنَةِ أَلْقَى
السِّنَّ الَّتِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَّةِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ "سُدِيسٌ"، وَ"سُدُسٌ"
لُغَتَانِ، وَكَذَلِكَ الأُنْثَى، لَفْظُهُمَا فِي هَذَا السِّنِّ وَاحِدٌ.
فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى تَمْضِيَ
السَّنَةُ الثَّامِنَةُ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّامِنَةُ وَدَخَلَ فِي التَّاسِعَةِ فَقَدْ
"فَطَرَ بَانَ وَطَلَعَ"، فَهُوَ حِينَئِذٍ "بَازِلٌ"، وَكَذَلِكَ
الأُنْثَى "بَازِلٌ" بِلَفْظِهِ، فَلَا يَزَالُ بَازِلًا حَتَّى تَمْضِيَ
التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ وَدَخَلَ فِي العَاشِرَةِ، فَهُوَ حِينَئِذٍ "مُخَلَّفٌ"،
ثُمَّ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ بَعْدَ الإِخْلَافِ، وَلَكِنْ يُقَالُ: "بَازِلُ عَامٍ،
بَازِلُ عَامَيْنِ، مُخَلَّفُ عَامٍ، مُخَلَّفُ عَامَيْنِ" إِلَى مَا زَادَ عَلَى
ذَلِكَ، فَإِذَا كَبِرَ فَهُوَ "عُودٌ"، وَالأُنْثَى "عُودَةٌ"،
وَإِذَا هَرِمَ فَهُوَ "قَحْرٌ" لِلذَّكَرِ، وَأَمَّا الأُنْثَى فَهِيَ "النَّابُ"
وَ"الشَّارِفُ"[165].
هَذَا؛ وَحَالُ "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ"
كَحَالِ "صَحِيحَيِ" صَاحِبَيْهِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، فَقَدْ وُجِدَ
مَنْ اسْتَخْرَجَ عَلَى أَحَادِيثِهِ.
فَقَدْ جَاءَ فِي تَرْجَمَةِ "مُحَمَّدِ
بْنِ يَحْيَى بْنِ النُّعْمَانِ أَبِي بَكْرٍ"، قَالَ الخَلِيلِيُّ: ويُعْرَفُ
بِابْنِ أَبِي زَكَرِيَّا، ... وكَانَ حَافِظًا، عَارِفًا بِالحَدِيثِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ
كَثِيرَةٌ فِي الفِقْهِ وَالحَدِيثِ، وَصَنَّفَ عَلَى كِتَابِ ابْنِ خُزَيْمَةَ".[166]
وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ
كِتَابِهِ «الدَّعَوَاتِ الْكُبْرَى»: «سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي أَنْ أَجْمَعَ
لَهُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ فِي الْأَدْعِيَةِ الْمَرْجُوَّةِ
الَّتِي دَعَا بِهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي وَقْتٍ
أَوْ عَلَّمَهَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ ... فَاسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ،
فَوَقَعَتِ الْخَيْرَةُ عَلَى إِخْرَاجِ الْأَحَادِيثِ عَلَى التَّرْتِيبِ
الَّذِي وَضَعَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي مُخْتَصَرِ الْمَأْثُورِ،
فَهُوَ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ»[167].
هَذَا؛ وَلَوْ تَابَعْتُ الكَلَامَ
فِي وَصْفِ "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" وَمَا حَوَاهُ مِنْ دُرَرٍ وَنَفَائِسَ،
لَطَالَ الكَلَامُ جِدًّا.
فَالكِتَابُ حَافِلٌ بِالفَوَائِدِ
الحَدِيثِيَّةِ وَالفِقْهِيَّةِ وَعُلُومِ اللُّغَةِ، كَمَا أَنَّهُ يُعَدُّ تَطْبِيقًا
عَمَلِيًّا لِعِلْمِ "عِلَلِ الحَدِيثِ" وَمَذَاهِبِ العُلَمَاءِ فِي
"الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ".
وَقَارِئُهُ لَا يُحْرَمُ رِقَّةَ
القَلْبِ وَالخَشْيَةَ وَالخَوْفَ مِنْ بَطَرِ العِلْمِ، وَعَدَمَ الجَرَأَةِ فِي دِينِ
اللهِ، وَالتَّوَرُّعَ عِنْدَ أَدْنَى شُبْهَةٍ.
وَقَدْ كُنْتُ أَظنُ أَنَ
الأَفْضَل بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ"، البَدء بِـ"جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ"، لِمَنْ أَرَادَ
التَّعَرُّفَ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَدِّثِينَ فِي التَّخْرِيجِ، وَمَنْهَجِهِمْ فِي
إِعْلَالِ الأَحَادِيثِ، وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، مَعَ الإِلْمَامِ بِفِقْهِ
الحَدِيثِ وَمَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامٍ.
غَيْرَ أَنِّي وَجَدْتُ أَنَّ
"صَحِيحَ الإِمَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" - رَحِمَهُ اللهُ- أَفْضَلُ فِي هَذَا
البَابِ، فَكَلَامُهُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَكْثَرُ، وَإِعْلَالُهُ لِلأَحَادِيثِ أَوْضَحُ
مِنْ طَرِيقَةِ التِّرْمِذِيِّ.
فَإِنَّ الإِمَامِ التِّرْمِذِيَّ
- رَحِمَهُ اللهُ- طَرِيقَتُهُ أَغْمَضُ، تَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ وَإِلْمَامٍ بِعِلْمِ
العِلَلِ، يَخْفَى مِثْلُهُ أَحْيَانًا عَلَى طَالِبِ الحَدِيثِ المُبْتَدِئِ، كَمَا
أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي بَعْضِ الحَالَاتِ - حَتَّى يُفْهَمَ مَرَادُه- أَنْ يُضَمَّ
مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ "العِلَلِ الكَبِيرِ" إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي
"جَامِعِهِ" فِي نَفْسِ الحَدِيثِ، حَتَّى يُفْهَمَ وَجْهُ العِلَّةِ.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ الإِمَامِ ابْنِ
خُزَيْمَةَ، فَهِيَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَعِبَارَتُهُ وَاضِحَةٌ وَقَرِيبَةٌ، لِأَنَّهَا
كَانَتْ مَجَالِسَ إِمْلَاءٍ، فَيُحَاوِلُ الإِمَامُ أَنْ يُقَرِّبَ مَرَادَهُ لِطُلَّابِهِ
وَيَشْرَحَ لَهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَخِيرًا: مِنْ حَقِّ هَذَا الإِمَامِ عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَقُومَ
عَلَى كِتَابِهِ مَنْ يُحَقِّقُهُ وَيُقَرِّبُهُ لِلنَّاسِ لِيَعُمَّ بِهِ النَّفْعُ.
وَلَكِنِّي لَا أَقْصِدُ التَّحْقِيقَ
هُنَا بِالطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ، بِأَنْ تَكُونَ هَوَامِشُ الكِتَابِ عِبَارَةً
عَنْ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ".
فَأَحَادِيثُ الكِتَابِ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهَا هَذَا الإِمَامُ، وَانْتَهَى
الأَمْرُ.
وَلَكِنَّ المَنْهَجَ المُقْتَرَحَ: أَنْ يَقُومَ المُحَقِّقُ بِإِظْهَارِ مَرَادِ هَذَا العَالِمِ،
وَأَنْ يُبَيِّنَ طَرِيقَتَهُ وَمَنْهَجَهُ أَثْنَاءَ تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ؛ فَيَذْكُرَ
المُحَقِّقُ: لِمَاذَا عَلَّقَ الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِسْنَادَ هَذَا الحَدِيثِ؟
وَلِمَاذَا قَدَّمَ المَتْنَ فِي هَذَا المَوْضِعِ عَلَى السَّنَدِ؟ وَوَجْهَ إِعْلَالِهِ
لِلأَحَادِيثِ، مَعَ الكَشْفِ عَنْ غَوَامِضِ الكِتَابِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا
إِلَّا أَهْلُ التَّخَصُّصِ.
يَكُونُ صَنِيعُهُ قَرِيبًا مِنْ
طَرِيقَةِ "ابْنِ حَجَرٍ" -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "فَتْحِ البَارِي".
وَيَكُونُ المُحَقِّقُ بِعَمَلِهِ
هَذَا قَدْ قَرَّبَ مَنْهَجَ هَذَا الإِمَامِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدَّمَ لِلْمَكْتَبَةِ
الإِسْلَامِيَّةِ كِتَابًا هَامًّا فِيهِ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِمَسَائِلِ عِلْمِ الحَدِيثِ
مِنْ تَصْحِيحٍ وَتَضْعِيفٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ، وَطُرُقِ التَّصْنِيفِ وَالتَّخْرِيجِ،
وَإِعْلَالِ الأَحَادِيثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُنُوزِ هَذَا الكِتَابِ.
وَأَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ جُعِلَتْ
مَسَائِلُ هَذَا الكِتَابِ مُرْتَبِطَةً بِشُرُوحِ كُتُبِ المُصْطَلَحِ، لَخَرَجَ طَلَبَةُ
عِلْمٍ يَفْهَمُونَ هَذَا العِلْمَ فَهْمًا جَيِّدًا، مِنْ غَيْرِ تَخَبُّطٍ سَنَوَاتٍ
طَوِيلَةٍ فِي مَسَائِلَ خِلَافِيَّةٍ لَيْسَ لَهَا وَاقِعٌ عَمَلِيٌّ عِنْدَ التَّطْبِيقِ،
وَلَسَهُلَ عَلَيْهِمْ سُلُوكُ سَبِيلِ العُلَمَاءِ الأَوَائِلِ، أَئِمَّةِ هَذِهِ
الصَّنْعَةِ وَشُيُوخِهَا.
هَذَا؛ وَاللهُ هُوَ الهَادِي وَالمُسْتَعَانُ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ،
وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيلُ.
وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
وَسَلَّمَ.
[1] ـ إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة (1 / 159 : 160) لابن حجر العسقلاني.
[2] ـ تاريخ
الإسلام (8 / 625).
[3] ـ الإرشاد (3
/ 832).
[4] ـ السنن
الكبرى، رقم: (2043)، للبيهقي، ط / الكتب
العلمية.
[5] ـ سير أعلام
النبلاء (14 / 382).
[6] ـ سير أعلام النبلاء
(12 / 471)، وفتح الباري (1 / 7).
[7] ـ صحيح مسلم (1/
304) كتاب الصلاة، الحديث رقم: (63).
[8] ـ صحيح ابن
خزيمة، حديث رقم: (1)، ط / المكتب الإسلامي. الثالثة.
[9] ـ كتاب
التوحيد (1 / 136).
[10] ـ المصدر السابق (1 / 51).
[11] ـ المصدر السابق (2 / 864).
[12] ـ المصدر السابق (2 / 530).
[13] ـ اعترض بالفعل ابن حجر في «نكته» على ابن الصلاح على قوله:
«إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات
المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث؛ ... ككتاب ابن خزيمة».
فقال: «ومقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد
في كتاب ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ممن اشترط الصحيح بالتسليم، وكذا ما يوجد في الكتب
المخرجة على الصحيحين، وفي كل ذلك نظر».
ثم ذكر شروط ابن حبان في صحيحه، وأنه سائر
فيه على منوال شيخه ابن خزيمة، وأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما
أن =
= الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه.ثم
ذكر أن ابن حبان لم يشترط عدم الشذوذ والعلة، وختم كلامه بقوله: «وأما أن يكون مراد
من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا، والله أعلم». [انظر:
النكت على كتاب ابن الصلاح 1/290-291].
قلت: وفي هذا الكلام خلط عجيب؛ فكيف
يجعل شرط ابن حبان هو نفس شرط ابن خزيمة وقد فصل كل منهما شرطه بنفسه؟
كما أن التفريق بين الحديث الصحيح
والحديث الحسن تفريق محدث ظهر بعد علماء هذه الطبقة، ولم يعرف هؤلاء العلماء القسمة
الثلاثية (صحيح، حسن، ضعيف)، وإنما كانت القسمة عندهم ثنائية: إما مقبول وإما مردود.
وما في جامع الترمذي يخالف زعم ابن حجر بهذه القسمة الثلاثية؛ فالحسن عنده من أقسام
الضعيف لأنه لا يخلو من ضعف، والله أعلم.
وقد مر معنا ـ ونحن نتكلم عن منهج
البخاري في صحيحه ـ أنه أخرج روايات لشريك القاضي، فهل شريك عند ابن حجر من رجال الصحيح،
أم أنه ثقة ساء حفظه فحديثه يحسن ولا يصحح؟ وكذا روى مسلم لجماعة من أهل الطبقة الثانية
الذين سماههم «من أهل الصدق»، فهل حديث الصدوق عند ابن حجر صحيح أم حسن؟
ولهذا ننبه: إن هذا التأصيل الذي وجد
في كلام جماعة من علمائنا المتأخرين هو الذي أوجد القول بأن إمامًا كابن خزيمة متساهل
لأنه لا يفرق بين الصحيح والحسن، وأدى إلى الخوض في تفاصيل لم يكن علماء السلف من هذه
الطبقات على دراية بها، بل كانوا على خلاف هذا التأصيل بالمرة.
[14] ـ صحيح ابن خزيمة، حديث رقم: (714).
[15] ـ المصدر
السابق، رقم: (713).
[16] مجموع الفتاوى
(6 / 175)، لابن تيمية.
[17] ـ القراءة خلف الإمام للبيهقي، رقم: (316)، ط / الكتب العلمية.
الأولى.
[18] ـ انظر أحاديث
رقم: (352 ، 679 ، 2642 ).
[19] ـ حديث رقم: (679).
[20] ـ حديث رقم: (2642).
[22] ـ حديث
رقم: (9).
[23] ـ لسان الميزان، رقم: (1282)، لابن حجر.
[24] ـ انظر حديث
رقم: (362)، سكت عليه لبيان علته، وهو تفرد "عبد الله بن نافع العدوي" مولى
عبد الله بن عمر بالحديث، وهو منكر الحديث.
وكذا حديث رقم
: (556)، سكت عليه لتفرد: " مصعب بن ثابت القرشي" به، قال عنه يحيى بن
معين: "ليس بشيء"، وقال النسائي: "ليس بالقوي" وضعفه أحمد
وأبو حاتم .
[25] ـ حديث رقم: (177).
[26] ـ وهو نفس ما مر معنا في طريقة الإمام مسلم من حفظ ألفاظ الرواة
في التحديث، فكأن ابن خزيمة - رحمه الله- يذهب أيضًا نفس المذهب إلى التفرقة بين
ألفاظ التحمل وأنها لا تتساوى، والله أعلم.
[27] ـ قالها ابن
حجر في شرحه لكتابه نخبة الفكر، بعد إن قام غيره بشرحه.
[28] ــ تدريب الراوي (1 / 577).
[29] ـ إتحاف المهرة، حديث رقم: (1905).
[30] ـ المصدر السابق حديث رقم: (6849).
[31] ـ انظر أحاديث
رقم: (468)، (470)، (1138)، (2642)، (2841).
[32] ـ إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، حديث
رقم: (1260). للبوصيري.
[33] ـ جامع الترمذي، رقم: (1919). بشار.
[34] ـ انظر حديث رقم: (1095).
[35] ـ انظر حديث رقم: (1592).
[36] ـ انظر حديث رقم: (1683).
[37] ـ انظر حديث رقم: (1464).
[38] ـ ميزان الذهبي، رقم: (1052)
[39] ـ بيان الوهم
والإيهام (4 / 204).
[40] ـ لسان الميزان ، رقم: (2373).
[41] ـ الاستذكار (2/386). لابن عبد البر.
[42] ـ قد حقَّقتُ أسانيدَ
أحاديث الباب تحقيقًا دقيقًا، وبيَّنتُ ما فيها من عللٍ خفية، وكشفتُ الصوابَ منها،
مع الاستدلال والترجيح. ثم ذكرتُ من سبقني من أئمة العلم إلى هذا الحكم. وبيَّنتُ أن
الأصلَ الذي غفل عنه كثيرٌ من المحققين المعاصرين الذين تناولوا المسألة حديثٌ
صحيح أخرجه البخاريُّ في «صحيحه»، فجمعتُ
هذا كلَّه في بحثٍ موسَّع أسميتُه: «البرهان على أن صلاة العيد لا تجزئ عن صلاة الجمعة
إذا اجتمع عيدان»
وقد نشرتُ له مختصرًا
على موقعي، واللهُ الموفِّقُ الهادي، وبه المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ
العظيم.
[43] ـ قال في رقم:
(402): أبو بكر محمد بن إسحاق، إمام
الائمة.
[44] ـ سير أعلام النبلاء (14 / 373 ).
[45] ـ تهذيب الكمال
في أسماء الرجال (5 /15).
[46] ـ المصدر
السابق (25 / 214).
[47] ـ قلت: فيتأمل مثل هذا من يرمي هذا العالم وغيره من إخوانه
بالتساهل، ويعمم ذلك ويتعامل مع كتبه ومؤلفاته من هذا المنطلق.
[48] ـ انظر حديث رقم: (1972).
[49] ـ انظر
حديث رقم: (469).
[50] ـ انظر حديث رقم: (470).
[51] ـ بغية الطلب في تاريخ حلب (3 / 1465)، لابن
العديم .
[52] ـ الجامع
لأخلاق الراوي وآداب السامع، رقم: (1254)، للخطيب البغدادي.
[53] ـ بغية الطلب (3 / 1399).
[54] ـ محمد بن
حميد الرازي أبو عبد الله ، روى له الترمذي ونقل عن البخاري أنه كان حسن الرأي فيه
ثم تركه، والإمام أحمد ويحيى بن معين كان يوثقانه؛ والصحيح من حاله أنه في أول
أمره مستقيمًا ثم انحرف، لان أبا حاتم الرازي أيضًا روى عنه ثم تركه، ووجد من
اتهمه وكذبه.
[55] ـ تهذيب التهذيب (9 / 131).
[56] ـ حديث رقم:
(1516).
[57] ـ صحيح ابن خزيمة حديث رقم: (1586).
[58] ـ فتح الباري
(4 / 61).
[59] ـ انظر حديث رقم: (1987).
[60] ـ تمام المنة
في التعليق على فقه السنة، (ص / 396). ط / الخامسة.
[61] ـ انظر تفصيل المسألة في كتاب بيان الوهم
والإيهام (4 / 13 ). لابن القطان الفاسي.
[62] ـ التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم ـ المعروف بتاريخ المقدمي ـ
رقم: 991.
ويزيد بن أوس هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: وثق، وقال ابن حجر:
مقبول.
[63] تهذيب
التهذيب: (1 / 89 )، ترجمة: 156.
[64] ـ نقله
السيوطي عنه في "تحفة الأبرار" (ص/ 103) .
[65] ديوان الضعفاء
(ص / 478) للذهبي.
[66] ـ التنكيل (1
/ 66 : 67) .
[67] ـ يُنسب هذا
القول إلى ابن القطان الفاسي -رحمه الله-، انظر توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار
(2 / 115). للصنعاني.
قلت: وأقوال أبي الحسن بن القطان وكثير من أحكامه تحتاج إلى دراسة وسبر، خاصة أنه
تابعه عليها جماعة من المتأخرين والمعاصرين، وقدموها في بعض الأحيان على كلام أئمة
متقدمين، وهو - رحمه الله- صاحب الزامات وتحامل في النقض في بعض الأحيان مما دفع
الذهبي للتأليف في الرد عليه.
[68] ـ شرح نخبة
الفكر (ص / 516)، لعلي القاري.
[69] ـ انظر ترجمة
عبد الكريم بن أبي المخارق في تهذيب الكمال، رقم: (3507) للحافظ المزي.
[70] ـ هو الإمام
ابن دقيق العيد.
[71] ـ رواه
الترمذي، رقم: (124)، وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
[72] ـ نصب الراية (1 / 149). للإمام الزيلعي.
[73] ـ المستدرك،
رقم: (627).
[74] ـ معرفة
الثقات، رقم: (1250). دار الباز.
[75] ـ تقريب التهذيب، رقم: (4992).
[76] ـ قال في ميزان الاعتدال، رقم: (6332) ، بعد أن ذكر تحسين الترمذي
لحديثه: "وقد وثق عمرو مع جهالته".
[77] ـ تهذيب
الكمال، رقم: (4330).
[78] ـ حديث رقم:
(2292).
[79] ـ الصحيح
حديث، رقم: (1158).
[80] ـ المصدر
السابق.
[81] ـ ضعيف سنن
أبي داود، رقم: (260).
[82] ـ سنن أبي
داود، رقم: (1466)، ط / دار الرسالة.
[83] ـ رقم:
(2923).
[84] ـ الصحيح،
رقم: (2639).
[85] ـ رقم:
(1158).
[86] ـ متفق عليه.
[87] ـ حديث رقم :
(36): عن جابر بن عبد الله قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، فلما
انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلًا، أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر
الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دمًا ...". الحديث
[88] ـ رقم:
(1096).
[89] ـ رقم: (557).
[90] ـ لم ينفرد
الشيخ ماهر وحده بهذا، بل ذهب إليه الشيخ شعيب في تحقيقه لسنن أبي داود (198)،
وكذا في مسند أحمد(14704)، وقال: " وهذا إسناد ضعيف، عقل بن جابر لم يرو عنه غير صدقة بن
يسار ولم يوثقه غير ابن حبان"
[91] ـ تقريب
التهذيب، رقم: (6781).
[92] ـ الصحيح رقم:
(429).
[93] ـ تاريخ
الثقات، رقم: (1601).
[94] ـ الثقات،
رقم: (5569).
[95] ـ رقم: (947).
[96] ـ رقم: (2026).
[97] ـ الكاشف في
معرفة من له رواية في الكتب الستة، رقم: (795).
[98] ـ صحيح
البخاري، رقم: (3133)، وصحيح مسلم، رقم: (1649).
[99] ـ التقريب،
رقم: (5465).
[100] ـ الثقات، رقم: (4959).
[101] ـ صحيح البخاري،
رقم: (3991)، وصحيح مسلم، رقم: (1484).
[102] ـ التقريب، رقم:
(4927).
[103] ـ صحيح البخاري،
رقم: (5103).
[104] ـ التقريب،
رقم: (4391).
[105] ـ صحيح مسلم، رقم:
(671).
[106] ـ
التقريب، رقم: (4019).
[107] ـ الصحيح،
رقم: (721).
[108] ـ التقريب، رقم: (8162).
[109] ـ الكاشف، رقم:
(6678).
[110] ـ الصحيح، رقم:
(2025).
[111] ـ الكاشف، رقم: (6773).
[112] ـ التقريب، رقم:
(8294).
[113] ـ بيان الوهم والإيهام
في كتاب الأحكام (4/ 462).
[114] ـ ميزان الاعتدال،
رقم: (2109).
[115] ـ ميزان الاعتدال، رقم:
(7015).
[116] ـ الصحيح،
حديث رقم: (1216).
[117] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1422).
[118] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1643).
[119] ـ صحيح ابن
خزيمة (2 / 905).
[120] ـ الصحيح، حديث
رقم: (408).
[121] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1683).
[122] ـ الصحيح،
حديث رقم: (1518 ، 1519).
[123] ـ الصحيح، حديث رقم: (1728).
[124] ـ الصحيح، حديث رقم: (37).
[125] ـ الصحيح، حديث رقم: (38).
[126] ـ الصحيح، حديث رقم: (565).
[127] ـ الصحيح، حديث رقم: (2008).
[128] ـ كتاب
التوحيد (2 / 790).
[129] ـ المصدر
السابق (1 / 191).
[130] ـ الصحيح، حديث رقم: (2838).
[131] ـ الصحيح، حديث رقم: (2429).
[132] ـ كتاب التوحيد
(2 / 277).
[133] ـ المصدر السابق
(1 / 180).
[134] ـ الصحيح، حديث رقم: (2984).
[135] ـ الصحيح،
حديث رقم: (226).
[136] ـ سير أعلام النبلاء
(14 / 373).
[137] ـ الصحيح، حديث رقم: (2056).
[138] ـ الصحيح،
حديث رقم: (2007).
[139] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1469).
[140] ـ الصحيح، حديث
رقم: (2235).
[141] ـ تاريخ الإسلام (5 / 200).
[142] ـ الصحيح،
حديث رقم: (445).
[143] ـ الصحيح، حديث رقم: (2883).
[144] ـ الصحيح، حديث رقم: (1094).
[145] ـ الصحيح، حديث رقم: (2061).
[146] ـ الصحيح، حديث رقم: (1967).
[147] ـ الصحيح، حديث رقم: (1592).
[148] ـ الصحيح، حديث رقم: (1422).
[149] ـ الصحيح، حديث رقم: (532).
[150] ـ الصحيح، حديث رقم: (1254).
[151] ـ الصحيح، حديث رقم: (470).
[152] ـ الصحيح، حديث رقم: (471).
[153] ـ بداية من
حديث رقم: (1962) وصولًا إلى حديث رقم: (1984).
[155] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1965).
[158] ـ الصحيح، حديث
رقم: (2168).
[159] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1742).
[160] ـ كتاب التوحيد
(1 / 250 وما بعدها).
[161] ـ الصحيح، حديث
رقم: (1263).
[162] ـ الكفاية في علم
الرواية، (ص / 432).
[163] ـ الرّوض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم، رقم: (853)،
لأبي الطيب نايف بن علي المنصوري، ط / دار العاصمة. الأولى.
[164] ـ الصحيح،
حديث رقم: (116).
[165] ـ حديث رقم: (2261).
وقد نقلت النص بتمامه لنفاسته، وأنه ربما لا يوجد بهذا البسط في كتاب أخر، والله
أعلم.
[166] ـ الإرشاد في معرفة
علماء الحديث (2 / 659).
[167] ـ الدعوات الكبير (1/ 64)، للبيهقي، ط / غراس
للنشر. الأولى.