حقيقة قول أبي حنيفة في زكاة الفطر
الحمد
لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذا فصل من بحث "صد نِبال من خالف السنة
في زكاة الفطر، وقال: تخرج من المال"
وهو بحث موسع في زكاة الفطر.
عجلت بهذا الفصل لضيق الوقت، وفيه تحقيق قول
الإمام أبي حنيفة النعمان في هذه الشعيرة، لأنه يتحصن بقوله -رحمه الله- كل ما خالف السنة فيها.
فاجتهدت في تحقيق قوله في المسألة، ليكون
المسلم على بينة من دينه ولا يلتبس عليه ما يشغب به أهل الأهواء.
والله من وراء القصد، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 24 / رمضان / 1446
24 / 3 / 2025
فصل
في
تحقيق قول أبي حنيفة في زكاة الفطر
فإن مذهب الرجل هو ما ذهب إليه، فقولهم: مذهب
مالك في هذه المسألة كذا وكذا، يعني هو ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة وترجح
عنده.
وأئمة المذاهب الفقهية يَبنون مذاهبهم
على أصول وقواعد، فنجد من أصول مذهب الإمام مالك اعتبار عمل أهل المدينة، وهذا
يخالفه عليه غيره من الفقهاء؛ ونجد في مذهب الإمام أحمد تقديم العمل بالحديث
الضعيف على القياس إن لم يوجد حديثًا غيره في الباب[1]،
في حين نجد أن مذهب الإمام محمد بن حزم رد القياس بالكلية، وهكذا..
فإن نظرنا إلى مذهب الإمام أبي حنيفة
-رحمه الله- والذي يَبرز مذهبه جدًا في هذه المسألة، فالعوام تكاد لا تعرف من
مذهبه إلا القول بجواز إخراج زكاة الفطر نقدًا لأن هذا أنفع للفقير!.
إن
نظرنا إلى مذهبه نجده قَعدّ له بأصل أتفق عليه معه باقي المذاهب الفقهية وهو قوله:
"إذا صح الحديث فهو مذهبي"[2].
فجعل الإمام -رحمه الله- العمدة في مذهبه هو ما صح عن الرسول المعصوم -صلى الله
عليه وسلم-؛
بل زاد على ذلك قيودًا حتى لا يتحمل وزر تبعة
من خالف السنة بزعم اتباع المذهب، فقال: "إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله
تعالى، وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاتركوا قولي". [3]
وقال: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه؟".[4]
وفي رواية: "حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي".
زاد في رواية: "فإننا
بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا".
وفي أخرى: "ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف)[5]
لا تكتب كل ما تسمع مني؛ فإني قد أرى
الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه بعد غد".
وعليه: فمذهب الإمام أبي حنيفة مبناه
العمل بالحديث الصحيح، فإن خالف المذهب الحديث، ترك قول المذهب و عمل بالحديث،
ونكون بذلك التزمنا المذهب. [6]
كما أنه يحسن في هذا المقام بيان أن هناك فرق
بين قول أبي حنيفة وقول الأحناف، فلا ينسب للإمام ما ذهب إليه اتباع مذهبه، ولكن
يقال: هذا قول فلان وفلان من الأحناف.
لأننا إن نظرنا إلى شعيرة زكاة الفطر نجد أنه
يُنسب للإمام أبي حنيفة -رحمه الله- قولًا خلاف السنة، وهذا مشتهر جدًا في بعض
الكتب المتأخرة[7]،
مع أن هذا على وجه التحقيق لا يُعرف من قول الإمام، وإنما قال به بعض اتباع مذهبه.
بل مذهب الإمام موافق للسنة في هذه
المسألة، فهذا محمد بن الحسن الشيباني -صاحب الإمام والرجل الثالث في المذهب- يَنقل
عن أبي حنيفة أنه يقول بأن زكاة الفطر تخرج طعامًا كما جاءت السنة.
قال في كتابه الجامع الصغير: باب صدقة الفطر..
عن يعقوب عن أبي حنيفة -رضي الله عنهم- في صدقة
الفطر، قال: "فيه نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب، أو صاع من تمر أو
صاع من شعير"... وروى الحسن بن زياد-رحمه الله-في المجرد عن أبي حنيفة -رضي
الله عنه- أنه قال: "صاع من زبيب".[8]
قلت: وعمدة الإمام في المسألة ما نقله بسنده عن
الإمام إبراهيم النخعي أنه قال: "في صدقة الفطر
نصف صاع من بُرّ، أو صاع من تمر، عن كل حر أو عبد، صغير أو كبير".
[9]
وقال علاء الدين السمرقندي الحنفي:
"وأما الزبيب فقد ذكر في الجامع الصغير عن أبي حنيفة نصف صاع لأن الغالب أن
قيمته مثل قيمة البر في ديارهم.
وروى الحسن عن أبي حنيفة صاعًا، وهو قول
أبي يوسف ومحمد لما روي عن أبي سعيد الخدري أنه
قال: "كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من زبيب، وكان طعامنا الشعير". [10]
وكذا لما تناول محمد بن الحسن خلاف الأحناف مع
المالكية حول زكاة الفطر، في كتابه "الحجة على أهل المدينة"، لم يأت في
هذا الخلاف الكلام حول القيمة وأن الزكاة تخرج نقدًا، وإنما نقل مسائل أشهرها جواز
إخراج نصف صاع في الزكاة، فقال: "وقال بعض أهل المدينة صدقة الفطر صاع من تمر
فكأنهم أنكروا نصف الصاع من الحنطة، ... ثم ذكر بإسناده عن عائشة وعلي بن أبي طالب
-رضي الله عنهما- جواز ذلك[11].
وذكر
مسائل أخرى عن أبي حنيفة، كقوله: "ليس على الرجل في رقيق امرأته صدقة الفطر
ولكن المرأة تؤدي عن نفسها وعنهم".
وقوله: "إذا كان للرجل عبد لغير
التجارة، ولعبده عبيد فعلى المولى فيهم جميعًا صدقة الفطر، وإن كانوا للتجارة فعلى
المولى فيهم صدقة التجارة، وليس عليه فيهم صدقة الفطر"[12].
قلت: فلم يَذكر القيمة هنا أيضًا، لأن القول
بالقيمة لم يكن معروفًا عن الإمام -رحمه الله-.
وأما مذهبه في إخراج الزكاة نص صاع من البر،
فقد ذكروا دليله في ذلك، وأنه أخذ بقول عائشة وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-،
في المسألة، فله سلف في ذلك، وإن لم يصح هذا عنهما.
هذا؛ وقد استدرك على أبي
حنيفة أشياء في زكاة الفطر، ليس فيها القول بالقيمة، منها:
أنه أُخذ عليه قوله: أن صاع
الزكاة ثمانية أرطال، وهذا مما رده العلماء عليه.
أخرج الدارقطني بسنده إلى إسحاق بن
سليمان الرازي، قال: قلت لمالك بن أنس: "يا أبا عبد الله كم وزن صاع النبي
صلى الله عليه وسلم؟، قال: " خمسة أرطال وثلث بالعراقي، أنا حزرته"، قلت:
يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم، قال: "من هو ؟" ، قلت: أبو حنيفة
يقول: ثمانية أرطال، فغضب غضبًا شديدًا، ...
ثم قال لبعض جلسائه: "يا فلان هات صاع جدك، ويا فلان هات صاع عمك، ويا فلان هات صاع جدتك
".
قال إسحاق: فاجتمع آصُعٌ، فقال مالك:
"ما تحفظون في هذه؟ "، فقال هذا:
حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،
وقال الآخر: حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-، وقال الآخر: حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، قال مالك: "أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا".
قلت : يا أبا عبد الله أحدثك بأعجب من هذا
عنه، إنه يزعم أن صدقة الفطر نصف صاع، والصاع ثمانية أرطال، فقال : هذه أعجب من
الأولى، يخطئ في الحزر وينقص في العطية؟!،" لا بل صاع تام عن كل إنسان، هكذا
أدركنا علماءنا ببلدنا هذا". [13]
قلت: ولقوة مذهب أهل المدينة في هذه المسألة،
فارق أبو يوسف مذهب صاحبه أبي حنيفة وأخذ بمذهب مالك.
أخرج البيهقي بسنده إلى الحسين بن
الوليد، قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فأتيناه، فقال: "إني أريد أن أفتح
عليكم بابًا من العلم همني، تفحصت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع، فقالوا:
صاعنا هذا صاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ فقالوا:
نأتيك بالحجة غدًا، فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين
والأنصار، مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه أو أهل بيته
أن هذا صاع رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- فنظرت
فإذا هي سواء، قال: فعايرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان
معه يسير، فرأيت أمرًا قويًا.
فقد تركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة".
قال
الحسين: فحججت من عامي ذلك فلقيت مالك بن أنس، فسألته عن الصاع، فقال: "صاعنا
هذا صاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : كم رطلًا هو؟ قال: "إن
المكيال لا يرطل".[14]
وأسند البيهقي إلى علي بن المديني قوله:
"عيرت صاع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل
بالتمر".[15]
وقد ذهب بعض العلماء أن الأمر ألتبس على أبي
حنيفة بين صاع الوضوء وصاع الزكاة، فذكر ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق:
"وقد قال أصحابنا: صاع الوضوء غير صاع الزكاة.
قال ابن قتيبة: لما سمع العراقيون أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- كان يغتسل بالصاع، وسمعوا في حديث آخر: أنه كان يغتسل بثمانية
أرطال، توهموا أن الصاع ثمانية، ولا اختلاف بين أهل الحجاز أن الصاع خمسة أرطال
وثلث"[16].
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "أهل
العراق ذهبوا إلى أن الصاع ثمانية أرطال؛ لأنهم سمعوا أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- كان يغتسل بالصاع، وسمعوا في حديث آخر: أنه كان يغتسل بثمانية أرطال، وفي حديث
آخر: أنه كان يتوضأ برطلين، فتوهموا أن الصاع ثمانية أرطال لهذا، وقد اضطرب مع هذا
قولهم، فجعلوه أنقص من ذلك.
وأما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم فيه
أعلمه أن الصاع عندهم خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم، ويباع في أسواقهم،
ويحمل علمه قرن عن قرن. وقد كان يعقوب زمانًا يقول كقول أصحابه فيه، ثم رجع عنه
إلى قول أهل المدينة. وبه كان يفتي يزيد بن هارون.
قال أبو عبيد: وهذا هو الذي عليه العمل
عندي؛ لأني مع اجتماع قول أهل الحجاز عليه تدبرته في حديث يروى عن عمر، فوجدته
موافقًا لقولهم "[17].
وقال ابن حبان في صحيحه عقب حديث: "
قيل يا رسول الله صاعنا أصغر الصيعان، ومدنا أصغر الأمداد، فقال رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- : " اللهم بارك لنا في صاعنا...". الحديث
قال: " في ترك إنكار المصطفى -صلى
الله عليه وسلم- حيث قالوا : "صاعنا أصغر الصيعان" بيان واضح أن صاع أهل
المدينة أصغر الصيعان، ولم يختلف أهل العلم من لدن الصحابة إلى يومنا هذا في الصاع
وقدره، إلا ما قاله الحجازيون والعراقيون، فزعم الحجازيون: أن الصاع خمسة أرطال
وثلث، وقال العراقيون: الصاع ثمانية أرطال، فلما لم نجد بين أهل العلم خلافًا في
قدر الصاع إلا ما وصفنا صح أن صاع النبي-صلى الله عليه وسلم- كان خمسة أرطال وثلثا،
إذ هو أصغر الصيعان وبطل قول من زعم أن الصاع ثمانية أرطال من غير دليل ثبت له على
صحته". [18]
قلت: كما أخذ على أبي حنيفة أيضًا أنه
أجاز إخراج الهُلِيْلَج في زكاة الفطر.[19]
أخرج الدارقطني في سننه عن يونس بن بكير،
عن أبي حنيفة، قال: "لو أنك أعطيت في صدقة الفطر هليلج لأجزأ". [20]
قلت: وسبب رد العلماء عليه في هذه المسألة، أن
هذه النبتة لا تعلم أنها من الطعام، ولكنها تستخدم للتداوي، والله أعلم.
بوب ابن خزيمة -رحمه الله- لحديث ابن
عباس الموقوف: "صدقة رمضان صاع من طعام من جاء ببر قبل منه، ومن جاء بشعير
قبل منه ومن جاء بتمر قبل منه ... "[21]
قال: باب إخراج جميع الأطعمة في صدقة
الفطر "والدليل على ضد قول من زعم أن الهُليلج، والفلوس جائز إخراجها في صدقة
الفطر".
قلت: فالذي أجاز الهُلَيلج هو أبو حنيفة كما مر، وهو نبات يُطعم.
وأما من أجاز الفلوس في زكاة الفطر فمحمد
بن الحسن الشيباني، حيث قال في كتابه الأصل المعروف بالمبسوط: "ومما يستحب
يوم الفطر قبل الخروج أن يَستاك، ويَطعم، ويَمس طيبًا إن وجده، ويُخرج الصدقة، ثم
يَخرج.
وصدقته نصف صاع من حنطة أو سويق أو دقيق
أو صاع من تمر أو صاع من شعير؛ فإن أعطى قيمة ذلك دراهم أو فلوسًا أجزاه، وإن جمع
لمسكين واحد عن نفر أجزاه، وإن فرق طعامًا عن واحد في مساكين أجزاه". [22]
قلت: فالقول بإخراج زكاة
الفطر من المال قول محمد بن الحسن الشيباني، وليس قول الإمام أبي حنيفة -رحمه
الله-.
ذكره محمد بن الحسن في كتابه المبسوط، وهو كتاب قائم على الرأي وليس على الحديث
والأثر، فليس فيه أدلة على كلامه من قرآن أو سنة، وإنما مبنى الكتاب على الرأي المجرد،
فيسأل عن مسألة بصيغة:" أرأيت رجل فعل كذا وكذا، ماذا عليه؟ فيجيب: عليه كذا وكذا
هذه الصيغة تكررت في الكتاب نحو ألف
مرة، وكل مرة يأتي الجواب برأي محمد بن الحسن المجرد من غير ذكر دليل على فتواه
وكلامه.
فالقول بالقيمة في زكاة الفطر، هو رأي
لمحمد بن الحسن الشيباني، قالها من غير ذكر دليل عليه، ولا يعرف هذا من قول الإمام
أبي حنيفة -رحمه الله-
ولهذا أعلم في كلام المتقدمين من نسب
للإمام القول بإخراج قيمة زكاة الفطر نقدًا.
قلت: فالقول بإخراج زكاة الفطر من المال قول
محمد بن الحسن الشيباني، وليس قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، ولا أعلم في كلام
المتقدمين من نسب للإمام القول بإخراج قيمة زكاة الفطر نقدًا.
وقد أسند عبد الرزاق وابن أبي شيبة
وغيرهما عن جماعة من السلف والتابعين قولهم في زكاة الفطر؛ ومنهم من قال بإخراجها
قيمة، غير أننا لم نجد منهم من أسند هذا القول إلى أبي حنيفة ولو بسند ضعيف.
كما أن ابن أبي شيبة -رحمه الله- وضع
كتابًا في أخر كتابه المصنف[23]
سماه: " كتاب الرد على أبي حنيفة، وافتتحه بقوله: "هذا ما خالف به أبو
حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ".
قلت: فلم يذكر ابن أبي شيبة شيئًا من مخالفة
السنة في زكاة الفطر، مع كثرة ما تتبع من المسائل، وغاية ما هنالك أنه أسند إلى
مكحول قوله: "ليس في الخيل صدقة إلا صدقة الفطر؛ وذكر أن أبا حنيفة قال: إن
كانت خيل فيها ذكور وإناث يطلب نسلها ففيها صدقة". [24]
قلت: فلم يكن يُعرف عنه -رحمه الله- خلاف ما
نقلناه، وهو فيما ذهب إليه موافقًا للسنة، في أن هيئة زكاة الفطر تكون من طعام،
وما أثر عنه في مقدار الصاع أو تجويز نبات لا يُعد من الطعام عند غيره، فهذا موجود
في الخلاف بين الفقهاء، والأمر فيه قريب بإذن الله تعالى.
هذا، وعلى فرض أن هذا الإمام قال بخلاف السنة
في المسألة..
أليس الأصل أن نرجع إلى أصول مذهبه،
والذي منها قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"؟.
وأيضًا: هل يسع مسلم الأخذ بقول إنسان
كائن من كان وهو يعلم يقينًا أن هذا القول يخالف ما قاله الرسول -صلى الله عليه
وسلم-؟
روى الترمذي بسنده عن الزهري، أن سالم بن
عبد الله بن عمر، حدثه، أنه سمع رجلًا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن
التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: "هي حلال"، فقال
الشامي: إن أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: "أرأيت إن كان أبي نهى
عنها وصنعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أأمر أبي نَتبع؟ أم أمر رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال :
"لقد صنعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".[25]
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: "قد
صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن
ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟،
وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم
الدورقي حدثني الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك ابن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا
قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا،
وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم.
قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال
مالك: هؤلاء يستتابون، والله أعلم.[26]
وخلاصة القول في هذا الفصل:
إن مذهب أبي حنيفة في زكاة الفطر موافق
للسنة، فعنده أن زكاة الفطر تخرج من الطعام، وتكون صاعًا من التمر أو الشعير أو
الزبيب، أو نصف صاع فيما سوى هذه الأصناف المذكورة في الحديث.
وأما من ينسب خلاف هذا الكلام للإمام،
فنقول له كما قال الله تعالى: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ". [النمل: 64].
والحمد لله رب العالمين.
الهامش
[1] ـ المقصود بالحديث
الضعيف هنا، هو ما رواه صدوق خفيف الضبط، ومثل هذا الراوي لا يعتمد حديثه في
أحاديث الأحكام والحلال والحرام، وإنما تقبل أحاديث هذه الأبواب من الثقات
الأثبات، وأما الصدوق خفيف الضبط فيُقبل حديثه في الترهيب والترغيب والسير وتفسير
القرآن، هذا إن لم يحمل حديثه حكمًا جديدًا أو يكون فيه نكارة.
[2] ـ قال محمد بن عابدين
في حاشيته(1 / 67 : 68): "صح عن الإمام أنه قال: "إذا صح الحديث فهو
مذهبي".
ثم طرح ابن عابدين مسألة، وأجاب عليها، فقال:
هل إن خالف بعض أصحاب الإمام مذهبه، هل يكونوا بذلك لهم مذهب جديد؟، ثم أجاب:
"إن الإمام لما أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها عليه
الدليل صار =
ما قالوه قولًا له لابتنائه على قواعده التي
أسسها لهم ... فيكون من مذهبه أيضًا.
ونظير
هذا ما نقله العلامة بيري في أول شرحه على الأشباه عن شرح الهداية لابن الشحنة،
ونصه: إذا صح الحديث وكان على خلاف
المذهب عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًا بالعمل به،
فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من
الأئمة". اهـ
[3] ـ الفلاني في الإيقاظ
(ص / 50)، بواسطة كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني (ص / 48).
[4] ـ ابن عابدين في
"حاشيته على البحر الرائق" (6 / 293)، نقلا من الكتاب السابق للشيخ
الألباني -رحمه الله- .
[5] ـ هو: "يعقوب بن إبراهيم
القاضي" المعروف بأبي يوسف، صاحب سنة، نقل الطحاوي عن ابن معين، أنه قال:
"ليس في أصحاب
الرأي أكثر حديثًا ولا أثبت من أبي يوسف". اهـ .
قلت: وجاء عنه -رحمه الله- ما يوافق قول
إمامه، حيث قال: "لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا؟". [رواه البيهفي في المدخل إلى السنن الكبرى رقم (262)، وانظر إعلام الموقعين
عن رب العالمين ( 2 / 140)].
[6] ـ انظر هامش (2).
[7] ـ سيأتي قريبًا فصل في
الرد على أشهر كتاب فيها.
[8] ـ الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير ( ص / 136). لمحمد عبد الحي
اللكنوي الهندي.
[9] ـ أسنده أبو يوسف بسند أبي حنيفة في كتابه الآثار رقم: (318)،
ورواه ابن زنجوية عن النخعي بسند أخر في الأموال.
[10] ـ تحفة الفقهاء (1 / 337 وما بعدها).
[11] ـ لم يصح هذا عنهما، انظر تحقيق قولهما في فصل تحقيق الأحاديث،
حديث رقم (18) ، و(34).
[12] ـ انظر الحجة على أهل المدينة ( 1 / 531 : 550 ).
[13] ـ سنن الدارقطني رقم : (2124).
[14] ـ السنن الكبرى (7721)، ومعرفة السنن والآثار له (8156).
[15] ـ معرفة السنن (8156).
[16] ـ تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، لابن عبد الهادي الحنبلي ( 3
/ 137).
[17] ـ الأموال للقاسم بن سلام ( ص / 623).
[18] ـ صحيح ابن حبان، حديث : (3284)
[19] ـ والهُليلج: هو عشبة طبية يتداوى بها، لها أنواع منها: الهليلج
الأسود، وهو صغير الحجم، ويعرف بالزبيب الهندي، ومنها الهليلج الأصفر وفي حجم
الليمون، ومنها الهليلج الكابي وهو يشبه التمر.
[20] ـ سنن الدارقطني رقم: (2122).
[21] : انظر تحقيق الحديث
في فصل تحقيق الأحاديث والآثار، رقم (13).
[22] ـ المبسوط ( 2 / 314 : 315).
[23] ـ الكتاب الخامس
والثلاثين من المصنف
[24] ـ المصنف رقم: (36391)
[25] ـ حديث صحيح، رواه الترمذي(824)، ورواه أبو يعلى في مسنده
بإسنادين (5451) (5563)، وأبو عوانة في مستخرجه (3366).
وجاء الحديث عند أبي يعلي من طريق محمد
بن إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "جلس رجل
من أهل الشام إلى عبد الله بن عمر وأنا معه، فقال له : يا أبا عبد الرحمن، ما ترى
في " التمتع بالعمرة إلى الحج" ؟ فقال له عبد الله : حسن جميل لمن صنع
ذلك، فقال له الرجل: فإن أباك قد كان ينهى عنها، فغضب عبد الله ثم قال: ويلك،
أرأيت إن كان أبي نهى عنها وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمل بها ، أمر
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأخذ أم بأمر أبي؟ قال : لا بل بأمر رسول الله،
قال : فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد فعل ذلك، فقم لشأنك".
قلت: وإسناده جيد.
[26] ـ إعلام الموقعين ( 2 / 140).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق