طريقة البخاري في إعلال أحاديث
في صحيحه
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي
بعده، أما بعد:
فقد سبق أن أشرتُ عند الكلام على صحيح مسلم إلى
أن الأحاديث المعلَّة عنده بسبب خفة ضبط بعض الرواة، يوجد نظيرها في صحيح البخاري، غير
أن كثيرًا من الباحثين لا يتنبه لها؛ لاختلاف منهج البخاري في تفريق طرق الحديث داخل
كتابه، بخلاف مسلم الذي يجمع طرق الحديث في موضع واحد.
وهذا من التوسع الاصطلاحي في إطلاق اسم «العلة»،
وإلا فإن هذا النوع لا يدخل في مفهوم العلة عند المتقدمين؛ إذ الأصل فيها الخفاء، وارتباطها
غالبًا بأوهام الثقات ودقائق الاختلافات، لا بمجرد ضعف الراوي ابتداءً.
وأما ضعف الرواة في ذاته، فليس من هذا الباب عند
التحقيق؛ ولهذا فإن مثل هذه الروايات قد تُخرَج في أبواب السير والفضائل، إذا لم تقترن
بنكارة أو تفرد لا يقبل من راوٍ في هذه المنزلة.
وأما صنيع مسلم في إيراد بعض الطرق في ذيل الأبواب،
فهو غالبًا لبيان ما يظهر من أوهام الرواة عند جمع الطرق، من اختصار أو اضطراب، وهذا
المعنى موجود أيضًا في صحيح البخاري لمن تتبع طرقه بعناية.
وخلاصة الأمر: أن ما يُؤخذ على صحيح مسلم من هذا
الباب، يوجد نظيره في صحيح البخاري، إلا أن طريقة العرض في الكتابين مختلفة، وهو ما
قد يوقع بعض الباحثين في الوهم.
وفي هذا السياق أذكر طريقة دقيقة للإمام البخاري في الإشارة إلى علل بعض الأحاديث، لا يَتنبه لها إلا من توسع في دراسة صحيحه وجمع طرقه بتؤدة ونظر.
وتتلخص هذه الطريقة في أنه قد يُشير إلى بعض الأحاديث
التي يخرجها في صحيحه أو في تاريخه بصيغة: «قال فلان» أو «قال لنا فلان»، بدل التصريح
بالسماع المباشر كـ«حدثنا» و«أخبرنا».
والمقصود بذلك أن الراوي المذكور بعد هذه الصيغة
يكون غالبًا من شيوخه المباشرين، كالحُمَيْدي أو محمد بن يوسف.
وأما قوله: قال: الأوزاعي أو قال: مالك.
فهذه ظاهر فيها تعليق الاسناد لأنهما ليسا من
شيوخه.
وأما لو أسند حديثًا بهذا الحرف عن أحد مشايخه، فهو
في العادة موقوفًا، وربما ذكره مرفوعًا، ثم بين علته بعدها، فيذكر أنه روي موقوفًا.
ومن هنا يتبين أن تعليقاته ـ كغيره من أئمة النقد
ـ ليست مهملة، بل هي جزء من منهجه في بيان العلل على وجه غير مباشر.
وأما المواضع التي لا تظهر علّتها ابتداءً، ويُستشكل
فيها سبب العدول عن «حدثنا» إلى «قال»، هي مقصود هذه الكلمة.
فإن كشفها لا يكون إلا بجمع طرق الحديث داخل الكتاب
نفسه، ومقارنة المواضع المختلفة.
ومثال ذلك، ما رواه في كتاب الهبة، قال: وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني عطاء بن يزيد، حدثني أبو سعيد، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال:
"فتعطي صدقتها؟ "، قال:
نعم، قال: "فهل تمنح منها شيئا؟" ، قال: نعم، قال: " فتحلبها يوم وردها؟
"، قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا".
اهـ
قلت: هذا الحديث لا تظهر علته، فالفريابي (محمد بن
يوسف) من مشاهير شيوخ البخاري، اسند عنه أكثر من حديث رباعي، كما روى عنه بواسطة.
ولكن لماذا لم يسند هذا الحديث؟
والجواب: يظهر هذا عند جمع طرقه في الصحيح.
فقد رواه في باب الزكاة، قال: حدثنا علي بن عبد
الله - ابن المديني-، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني ابن شهاب
، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه في باب المناقب، قال: حدثنا علي بن عبد
الله ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي،
حدثنا الزهري ، قال : حدثني عطاء بن يزيد الليثي ، قال : حدثني أبو سعيد رضي
الله عنه، مرفوعًا.
وفي كتاب الآدب قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن
، حدثنا الوليد ، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي ، قال : حدثني ابن شهاب الزهري ، عن عطاء
بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مرفوعًا.
قلت: وبعد هذا الجمع يظهر أن مدار الحديث على
الوليد بن مسلم عن الأوزاعي.
وهو ما أخرج مسلم في صحيحه، قال:
حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو
الأوزاعي، حدثني ابن شهاب الزهري ، حدثني عطاء بن يزيد الليثي ، أنه حدثهم قال : حدثني
أبو سعيد الخدري.
ثم اسند حديث الفريابي بعده في المتابعات.
كما رواه عن الوليد عن الأوزاعي أصحاب السنن.
فرواه عنه: دحيم (عبد الرحمن بن إبراهيم).
ـ ومؤمل بن الفضل الحراني
ـ والحسين بن حريث الخزاعي.
هذا، وقد اسند الحديث عن الأوزاعي من غير طريق
الوليد بن مسلم، ولكن يعيب هذه الطرق عنعنة الأوزاعي، بخلاف طريق الوليد.
ويبقى السؤال: لماذا يخرج البخاري مثل هذا الحديث
مع أنه معل عنده؟
والجواب: أنه أخرجه في باب سنة
المحدثين فيها التساهل في الأسانيد.
ـ كما أنه في هذا المقام كمسلم،
روى الحديث في المتابعات، فليس هو في أصول كتابه.
والله أعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه
وسلم.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد.
القاهرة 7 / شوال / 1447
26 / 3 / 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق