برهانُ النَّجابة في كشف علَّة حديثِ التَّشهُّد وتحريكِ السَّبَّابة
الحمدُ
لله وحده، والصلاةُ والسلامُ على مَن لا نبيَّ بعده، أمَّا بعد:
فإنِّي كنتُ قد انتهيتُ منذ فترةٍ من بحثِ حديثِ
تحريكِ السَّبَّابةِ في الصلاة، وتوصَّلتُ إلى نفسِ النتيجةِ التي أشار إليها إمامُ
الأئمة ابنُ خزيمة -رحمه الله-، وهي: أنَّ هذا الحرفَ: «يُحرِّكها يدعو بها» شاذٌّ
مخالفٌ للصحيح.
وهذا بخلافِ المشهورِ في عصرنا؛ فقد وُجد مَن صحَّح
هذا الحرفَ على أنَّه زيادةُ ثقة!، والعجيبُ أنِّي قرأتُ منذ قليلٍ أنَّ مَن صحَّح
هذا الحرفَ حكم على حديثِ «محمد بن عجلان» في التَّشهُّد: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم كان يُشير بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها»، بأنَّ لفظ: «ولا يُحرِّكها» شاذٌّ؛
لأنَّ محمدَ بنَ عجلان خالف مَن هو أوثقُ منه.
فقلتُ: ولماذا لا يكون هذا الحرفُ من «ابن عجلان»
زيادةَ ثقة، وقد وثَّقه أحمدُ، وابنُ معين، وأبو حاتم الرازي، ويعقوبُ بن شيبة، وغيرُهم؟
فيُقال في زيادةِ «ابن عجلان» ما قيل في زيادةِ
«زائدةَ بنِ قدامةَ» في حديثِ تحريكِ السَّبَّابةِ المشهور؟!.
وتحقيقُ الأمرِ باختصارٍ حتى يُفهَم:
أنَّ القولَ
بأنَّ ابنَ عجلان شذَّ بهذا الحرف خطأ؛ وذلك: لأنَّ الحديثَ رواه عنه أربعةٌ من الثقات،
وهم: يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وروح بن القاسم التميمي.
جميعُهم روَوْه عن عبدِ الله بنِ الزبير رضي الله
عنه قال: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في الصلاةِ جالسًا، وهو يُشير بإصبعه
السَّبَّابة».
فلمَّا رواه عن ابنِ عجلان: «زيادُ بن سعد الخراساني»
-وهو ثقةٌ أيضًا- رواه بلفظ: «عن عبدِ الله بنِ الزبير، أنَّه ذكر أنَّ النبيَّ صلى
الله عليه وسلم كان يُشير بإصبعه إذا دعا، ولا يُحرِّكها».
قلتُ: فالشذوذُ هنا ليس من محمدِ بنِ عجلان، وإنَّما
ممَّن دونه.
هذا؛
وليس معنى أنَّ الحكم على هذا الحرف بالشذوذ، أن هذه اللفظةَ غيرُ صحيحةِ المعنى، وإنَّما
هي الصوابُ الموافقُ للسُّنَّة.
فحديثُ زائدةَ بنِ قدامةَ المشهور، الذي فيه لفظُ
تحريكِ السَّبَّابة، فيه: أنَّ «وائلَ بنَ حجر» رضي الله عنه قال: «لأنظرنَّ إلى صلاةِ
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كيف يُصلِّي»، قال: فنظرتُ إليه يُصلِّي، فكبَّر...
«ثمَّ قعد فافترش رجلَه اليسرى، ووضع كفَّه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ
مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثمَّ قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حلقة، ثمَّ رفع إصبعَه،
فرأيتُه يُحرِّكها يدعو بها».
قال الإمامُ ابنُ خزيمة في صحيحه، بعد إخراج حديثِ
زائدةَ بنِ قدامة: «ليس في شيءٍ من الأخبار: "يُحرِّكها" إلا في هذا الخبر؛
زائدةُ ذكره». اهـ.
كما أشار إلى ذلك الإمامُ البيهقي في «معرفة الآثار»
عند جمعِ أحاديثِ التَّشهُّد، قال: «وروينا فيه: "أنَّه كان يُشير بإصبعه، إذا
دعا لا يُحرِّكها"».
وقوله: «وروينا» صيغةُ تمريضٍ يُشار بها إلى الضعف.
قلتُ: وبيانُ شذوذِ لفظِ «يُحرِّكها» في حديثِ
التَّشهُّد: أنَّ «زائدةَ بنَ قدامة» يروي الحديثَ عن شيخِه «عاصم بن كليب».
وقد شاركه في روايةِ هذا الحديثِ عن نفسِ الشيخ
جماعةٌ من كبارِ الثقات، وهم:
1 ـ شعبةُ بنُ الحجاج.
وقد روى حديثَه ابنُ خزيمة بلفظ: «ووضع كفَّيه، وجافى
-يعني في السجود-، وفرش فخذَه اليسرى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة -يعني في الجلوس في
التَّشهُّد-».
2 ـ سفيانُ الثوري.
وقد
روى حديثَه النسائيُّ في الصغرى بلفظ: «أنَّه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم جلس في
الصلاة، فافترش رجلَه اليسرى، ووضع ذراعَيْه على فخذَيْه، وأشار بالسَّبَّابة يدعو
بها».
3 ـ سفيانُ بنُ عيينة.
وقد روى حديثَه النسائيُّ في الصغرى بلفظ: «وإذا
جلس أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يدَه اليسرى على فخذه اليسرى، ويدَه اليمنى على
فخذه اليمنى، وعقد ثنتين: الوسطى والإبهام، وأشار».
4 ـ عبدُ الله بنُ إدريس.
وقد روى حديثَه ابنُ ماجه بلفظ: «رأيتُ النبيَّ صلى
الله عليه وسلم قد حلَّق بالإبهام والوسطى، ورفع التي تليهما، يدعو بها في التَّشهُّد».
5 ـ زهيرُ بنُ معاوية.
وقد روى حديثَه أحمدُ في «المسند» بلفظ: «ثمَّ قعد
فافترش رجلَه اليسرى، ووضع كفَّه اليسرى على ركبته اليسرى... ثمَّ وضع حدَّ مرفقه الأيمن
على فخذه اليمنى، وقبض ثلاثين، وحلَّق حلقة، ثمَّ رأيتُه يقول هكذا»، وأشار زهيرٌ بسَبَّابته
الأولى، وقبض إصبعين، وحلَّق الإبهامَ على السَّبَّابة الثانية.
6 ـ بشرُ بنُ المفضَّل البصري.
وقد روى حديثَه أبو داود بلفظ: «ثمَّ جلس فافترش
رجلَه اليسرى، ووضع يدَه اليسرى على فخذه اليسرى، وحدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى،
وقبض ثنتين، وحلَّق حلقة»، ورأيتُه يقول: هكذا، وحلَّق بشرٌ الإبهامَ والوسطى، وأشار
بالسَّبَّابة.
7 ـ أبو الأحوص الكوفي، سلامُ بنُ سليم.
وقد روى حديثَه أبو داود الطيالسي في «مسنده» بلفظ:
«ثمَّ وضع كفَّه اليمنى على فخذه اليمنى، ويدَه اليسرى على فخذه اليسرى، وجعل يدعو
هكذا -يعني بالسَّبَّابة- يُشير بها».
8 ـ أبو عوانة الوضاحُ بنُ عبدِ الله اليشكري.
وقد روى حديثَه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» بلفظ:
«ثمَّ جلس فافترش رجلَه اليسرى، ثمَّ دعا، ووضع كفَّه اليسرى على ركبته اليسرى، وكفَّه
اليمنى على ركبته اليمنى، ودعا بالسَّبَّابة».
9 ـ موسى بنُ أبي كثير الأنصاري.
وقد روى حديثَه الطبرانيُّ في «الكبير» بلفظ:
«صلَّيتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا كبَّر رفع يدَيْه، ولمَّا أراد
أن يركع رفع يدَيْه، ولمَّا أراد أن يسجد رفع يدَيْه، وكان إذا جلس للتَّشهُّد يُشير
بإصبعه السَّبَّابة».
10 ـ عبدُ الواحد بنُ زياد.
وقد روى حديثَه ابنُ المنذر في «الأوسط» بلفظ: «فلمَّا
جلس افترش رجلَه اليسرى، ووضع يدَه اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع حدَّ مرفقه على فخذه
اليمنى، وعقد ثنتين، وحلَّق واحدة، وأشار بالسَّبَّابة».
11 ـ خالدُ بنُ عبدِ الله المزني، أبو الهيثم الطحان.
وقد روى حديثَه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» بلفظ:
«فلمَّا سجد وضع يدَيْه فسجد بينهما، ثمَّ جلس فوضع يدَه اليسرى على فخذه اليسرى، ومرفقَه
اليمنى على فخذه اليمنى، ثمَّ عقد الخنصر والبنصر، ثمَّ حلَّق الوسطى بالإبهام، وأشار
بالسَّبَّابة».
قلتُ: فهؤلاء أحدَ عشرَ راويًا من الثقات روَوْا
الحديثَ عن شيخهم عاصمِ بنِ كليب الجَرمي بلفظِ الإشارةِ بالسَّبَّابة، وليس في حديثهم
ذكرُ التحريك البتَّة.
وقد شاركهم على نفسِ الشيخ راويانِ وسط:
الأول:
قيسُ بنُ الربيع الأسدي.
وفيه لين، اختلفت عليه كلمةُ العلماء بين التوثيق
والتضعيف.
وقد روى حديثَه الطبرانيُّ في «الكبير» بلفظ:
«فلمَّا رفع ثنَى رجلَه اليسرى، ونصب أصابعَ رجلِه اليمنى، فلمَّا جلس وضع كفَّه اليسرى
على فخذه اليسرى، ووضع مرفقَه الأيمن على فخذه اليمنى، وعقد الخنصر والتي تليها، وحلَّق
بالوسطى والإبهام، وأشار بالسَّبَّابة يدعو بها».
والثاني: عبدُ الله بنُ معدان، وهو وسط، قال عنه
ابنُ حجر: مقبول.
وقد أخرج الترمذيُّ حديثَه في «الجامع» بلفظ:
«دخلتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي، وقد وضع يدَه اليسرى على فخذه
اليسرى، ووضع يدَه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعَه، وبسط السَّبَّابة».
قلت: فإذا أتينا الآن إلى لفظِ زائدةَ بنِ قدامةَ
للحديث: « ثمَّ قبض ثنتين من أصابعه، وحلَّق حلقة، ثمَّ رفع إصبعَه، فرأيتُه يُحرِّكها
يدعو بها».
ظهر لنا بجلاءٍ شذوذُ حرفِ «يُحرِّكها»، وأنَّه
-رحمه الله- خالف أصحابَه.
كما ينبغي في هذا المقام التنبيه على أن هناك
فرق كبير بين تفردِ الثقة، وزيادةِ الثقة، ومخالفةِ الثقة.
وأن الخلطَ بينهم ينتج عنه مزالقُ في التحقيق،
ومخالفاتٌ لمنهج الأوائل من المحدِّثين.
وللفائدة:
كلُّ مَن روى من الصحابة أحاديثَ صفةِ
الصلاة، كعبدِ الله بنِ عمر، وعبدِ الله بنِ الزبير، وأبي حميد الساعدي، وأبي قتادة
الأنصاري رضي الله عنهم، رواها قريبًا من لفظ: «وأشار بالتي تلي الإبهام، ووضع يدَه
اليسرى على فخذه اليسرى».
أو: «ووضع يدَه اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه
السَّبَّابة، لا يجاوز بصرُه إشارته».
وليس في شيءٍ منها تحريكُ السَّبَّابة؛ وإنَّما جميعُها فيها الإشارةُ بالسَّبَّابة
فقط.
قلتُ: وهذا الحرفُ الشاذ: «يُحرِّكها يدعو بها»
تولَّد عنه القولُ بتحريكِ السَّبَّابة بين السجدتين؛ لظنِّ مَن قال بهذا القول صحَّتَه،
وأنَّه من زيادةِ ثقة، وقد اتَّضح بالدليل في هذا المختصر أنَّ هذا الحرفَ شاذٌّ مخالفٌ
لصحيحِ السُّنَّة.
وأمَّا كيف دخل هذا الخطأُ على «زائدةَ بنِ قدامة»
رحمه الله، وهو ثقةٌ صاحبُ سُنَّة، فبيانُه في كتابي: «برهانُ النَّجابة في كشف علَّة
حديثِ التَّشهُّد وتحريكِ السَّبَّابة».
وفيه -بحول الله وقوَّته- مبحثٌ قوي عن أنواعِ الحديثِ
الشاذ، واللهُ هو الموفِّقُ والمستعان.
وصلَّى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبِه وسلَّم.
وكتب
أبو صهيب
وليد بن سعد
القاهرة
20 /
ذو القعدة / 1447
7 /
5 / 2026.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق