مولد سيدهم العوضي!
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإنِّي وقفتُ حائرًا أمام هذا المشهد العجيب: كيف استطاع رجلٌ سفيهٌ، لا تخطئه عينٌ؛ أن يخدع هذا الجمعَ الكبير من الناس، والمفترض أنَّ فيهم من العقلاء وأصحاب التمييز؟!
وكيف أقنعهم بنظامٍ غذائيٍّ مخترَع، جعله دينًا يُوالَى ويُعادَى عليه، من غير دليلٍ من عقلٍ ولا نقل؟
ولستُ أُسمِّي نظامه الغذائي هذا بالطيِّبات؛ لأنَّ الطيِّباتِ معروفةٌ في الشريعة، فكلُّ ما أباح الشرعُ أكلَه فهو طيِّبٌ حلالٌ، وفيه منفعةٌ للناس، وكلُّ ما حرَّمه الشرعُ، كلحمِ الخنزير، ولحمِ كلِّ ذي نابٍ من السباع أو ذي مخلبٍ من الطير، إلَّا ما استثنته السنَّة، فهو من الخبائث، قال سبحانه في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}.
ثم يخرج علينا هذا الرجل، فيحرِّم على الناس أكل الدجاجَ، والبيضَ بزعم أنهما قذر، وأكلة قذرة، ويمنعهم من أكل الخضروات لأنها بزعمه أكل الحيوانات، ويمنع أمور كثيرة مما أباحه الله لهم، وفي المقابل يُهوِّن من شأن الدخان، بل يزعم أنَّ المدخنين لم يُصابوا بكورونا! ثم لا يكتفي بهذا الحدِّ من العبث، بل يصرِّح بأنَّ الذي لا يشرب الدخان ناقصُ الرجولة!
وقد اتَّفق العقلاء -قبل الأطبَّاء- على ضرر شرب الدخان؛ بل إنَّ الشركات المصنِّعة نفسها تكتب على أغلفته أنَّه سببٌ رئيسٌ في سرطان الرئة وأمراض القلب وغير ذلك من المهالك.
فكنتُ أتساءل: أين عقول أتباعه؟ وكيف لم يظهر لهم تناقضُه وخفَّةُ عقلِه؟ وكيف يقبلون منه أن يُحرِّم عليهم ما أحلَّه الله بلا برهانٍ ولا بيِّنة؟
فهو يمنعهم من اللبن، ويُبيح لهم الجبن المصنوع منه!
ويمنعهم من البيض، ثم يسمح لهم بالمايونيز المصنوع من البيض!
ويمنعهم من المكرونة، ثم يسمح لهم بلسان العصفور، مع أنَّ الفرق بينهما في الشكل فقط، وأمَّا المادَّة فواحدة!
ويمنعهم من بعض الفواكه الطبيعيَّة، ثم يسمح لهم بالعصائر الصناعيَّة المليئة بالمواد الحافظة والسكريات المصنَّعة!
فإن قيل: إنَّه يمنع الفاكهة لأنَّها تُرشُّ بالكيماويات؛ والسؤال: فهل العصائر تُصنع من فاكهةٍ نزلت من السماء ولم تُرشَّ؟!
بل هذه العصائر نفسها مكتوبٌ عليها أنَّها تحتوي على موادَّ حافظةٍ كيميائيَّة، فتحقق الضرر منها متحقق أكثر من الفاكهة التي يظن بلا بينة أنها مرشوشة!
ويمنعهم من أكل البطيخ، ولا يمنعهم من العنب، مع أنَّهما خرجا من أرضٍ واحدة، وسُقِيا بماءٍ واحد! ويمنعهم من البسبوسة المصنوعة في البيت، ثم يسمح لهم ببسبوسة المحلَّات، ويوصي «بسبوسة تسيباس»!
زعمه أنَّ الدجاج ممنوعٌ لأنَّه يُربَّى على علفٍ غير صحيٍّ، فالأبقار كذلك تعيش في البيئة نفسها وتأكل العلف نفسه؛ فما وجه التفريق بينهما؟!
ثم يبلغ التناقض غايتَه حين يمنع أتباعه من المانجو والبطيخ، ويروِّج لهم في المقابل «النوتيلا»، وكأنَّها منزَّلةٌ من السماء لا صناعةٌ تجاريَّة!.
والعجيب أن النوتيلا شركةٌ إيطاليَّة لها فروع في الشرق الأوسط ومبيعاتها ضخمة في الخليج، إلا أنها لم تجد مقرًّا رئيسيًّا لها في الشرق الأوسط إلا في دولة اليهود!.
فهل من الطيبات ترك المقاطعة؟!
وكلُّ هذه التناقضات يقدِّمها لأتباعه على أنَّها «نظامٌ طبِّيٌّ محكم»، من غير دراسةٍ منشورة، ولا برهانٍ علمي، ولا تفسيرٍ واضحٍ لعلَّة المنع والإباحة.
بل إذا سُئل عن سبب هذا التفريق قال بمنتهى العبث: «مزاجي! أنا الذي وضعتُ النظام، وأضع فيه ما أريد!».
فكانت حيرتي في الحقيقة، ليست من شخص هذا الطبيب؛ فهو عندي رجلٌ سفيهٌ نرجسيٌّ، تلاعَب به الشيطان.
وإنَّما كانت الحيرة الحقيقية من أتباعه: كيف سلَّموا له عقولهم هذا التسليم العجيب، حتى صار الواحد منهم يتلقَّى كلامه كأنَّه وحيٌ لا يُناقَش، مع أنَّ بعضهم قد يجادل في سننٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ثم زال عنِّي هذا العجب حين ناقشتُ أحد أتباع هذا النظام، فسألتُه: ما دليل هذا الرجل على المنع والسماح؟ وكيف يحرِّم على الناس ما أحلَّه الله بلا حجَّة؟
فقال لي كلمةً كشفت حقيقة الأمر كلَّه: «لو جرَّبتَ النظامَ لعرفتَ أنَّه صح!».
فعندها فهمتُ أنَّ القوم أسرى لعبارة: «مَن ذاق عرف».
وأنَّ المسألة لم تعد مسألة طبٍّ أو علم، بل تحوَّلت إلى حالةٍ أقرب إلى الطرق الصوفيَّة المغالية؛ فالعوضي عندهم ليس طبيبًا، بل شيخُ طريقة، وأتباعه ليسوا مرضى، بل مريدون، لا يملكون أمامه اعتراضًا ولا نقاشًا.
فصاروا كما في أدبيات الصوفية الغلاة "كالميِّت بين يدي مُغسِّله"
ولم يبقَ إلا أن نسمع بعضهم يقول: «مدد يا سيدي العوضي»، ثم يجعلون يوم وفاته مولدًا يُحتفل به، ولا أستبعد ـ مع هذا الغلوِّ ـ أن يُبنى على قبره مسجد!
ومن تمام البيان أن يُذكر ما صدر عن هذا الرجل من كلامٍ خطيرٍ في باب العقيدة، ممَّا لو ثبت عليه بعد إقامة الحجَّة وبيان المحجَّة، لكان كفرًا صريحًا.
ومن ذلك كلامُه في تعدُّد الآلهة، وزعمه أنَّ الله خلق أهل الجنَّة وأهل النار على هيئة الإله مخلَّدين!
وهذه عقيدةٌ كفريَّةٌ قديمة، كان يدعو إليها "الحلاج" هذا الصوفيُّ الزنديق، الذي قُتل على زندقته، والعوضي كان يروِّج لهذه المعاني في أثناء حديثه عن ارتباط نظامه الغذائيِّ بالقرآن، وأنَّه مستوحًى منه.
وقد نُشر هذا الكلام في لقاءٍ مطوَّل بعنوان: «الدين في عقل مؤسِّس نظام الطيِّبات».
وعليه: فإنَّ أهل العلم بالشريعة يحكمون على مثل هذا الكلام ـ إن ثبت عليه قائله بعد إقامة الحجَّة عليه ـ بأنَّه من الكفر والرِّدَّة.
أمَّا هذا الرجل بعينه، فلم تحصل له مناظرةٌ شرعيَّة، ولم تُقَم عليه الحجَّة حتى مات، فهو الآن بين يدي الله، ولا نحكم عليه بجنَّةٍ ولا نار.
وإنَّما ذكرتُ هذا كلَّه تحذيرًا للناس من هذه الانحرافات، وحتى لا يُظنَّ أنَّها من الحقِّ أو من الدين، بل هي من الزندقة والقول على الله بغير علم.
قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.
كما إنَّ من أخطر ما رأيتُه في أتباع هذا الرجل أنَّ بعضهم صار يحتجُّ له بآياتٍ نزلت في الرسل، فيردُّ على مَن اعترض على نظامه بقول الله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.
وهذا ـ والله ـ من أخطر أبواب الفتنة؛ إذ بعده لا يُؤمَن أن يُصدِّق الناسُ أدعياء النبوَّة والدجَّالين، كما صدَّقت طائفةٌ منهم «رشاد خليفة»، في التسعينات، مع أنَّ فتنتَه كانت أهون من فتنة سيِّدهم العوضي.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وكتب
أبو صهيب وليد بن سعد
القاهرة 28 / ذي القعدة / 1447 ه
15 / 5 / 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق